د. إبراهيم خليلمن المظاهر الأسلوبية المميزة للغة الشعر التي لا تخطئها النظرة الأولى: الموسيقى والإيقاع، وما بينهما من سلاسة مصدرها التركيب، والترتيب، والتنميط. وقد عبر بعضهم عن هذا بالقول إنه إذا نظر في الكتاب الشعري المطبوع لاحظ أن الكلمات فيه تطبع في أسطر متفاوتة طولا وقصرا، بعكس النثر الذي ترى فيه السطور متساوية من الهامش للهامش، باستثناءات قليلة هي الأسطر التي تنتهي فيها الفقرات. وهذا الانطباع، وإنْ كان صحيحا لا يستطاع إنكاره، إلا أنه شكلي، إذ لو جرى تلقي القصيدة عن طريق السماع، وفي ذلك ما فيه من تمثيل لطبيعة الشعر، وجوهره، فإن السامع لا يلاحظ ما يلاحظه القارئ من تفاوت في طول الأسطر، وإنما سيتنبه، عن طريق السماع، لما في لغة الشعر من تراتيب تنتج عنها تماثلات موسيقية، وإيقاعية، وضربات تارة قوية، وتارة لطيفة، ومقاطع منبورة بقوة تارة، و منبورة نبرا خفيفا تارةً. فعندما يسمع المتلقي قول أبي ماضي مثلا : وطنَ النجوم أنا هنا حَدّقْ، أتعرفُ منْ أنا؟ أنا ذلك الولد الــذي دنياهُ كــــانت هـا هنافإنّ الارتكاز على الصائت في اسم الإشارة ذلك، وفي دنياه، و في كانت، وفي ها، بما بينها من مسافات متقاربة، يضفي على البيت وقعا لا يضفيه النظر إليه في الكتاب المطبوع . وهذا- في الواقع – يلقي الضوء على مظهر لفظي للغة الشعرية لا يتحقق في غيره، إلا إذا اقترض النثر بعض مظاهر النسق الشعري. ومن يقرأ منازل النرد لمحمد علي شمس الدين يلحظُ، من القراءة العابرة، والنظرة العجلى، أن هذا الشاعر لا يفتأ يخوض التجربة تلو الأخرى ليقدم للمتلقي قصيدة مفعمة بالثراء الصوتي، والإحساس المترع بالنغم. فهو لا يفتأ يرعي النسق المتوازن في التراكيب، بحيث يؤدي تتابعها إلى تماثل نطقي، ففي هذا المثال يبرز التماثل في أربعة عناصر لفظية متكررة :وليس لي أخ سوى العصا وليس لي أب سوى الطريق(1)ص10فالاختلاف بين التركيبين يتأتى من استبدال أب ٌ بأخ، والطريق بالعصا، فيما تتماثل باقي العناصر اللفظية. وهذا أسلوب غير عابر عند شمس الدين، فهو يتكرر في منازل النرد مرارًا ، فهذه أبيات ثلاثة متتابعة تنتظم في نسق كالذي ذكرناه: وليس هذا شأن عابر السبيلوليس هذا شأن حارس المدينةوليس هذا شأن سيد المكان، والزمان ، والبيوت(2) ص 14 واقع الأمر أن القارئ يستطيع أن يجد في الديوان عشرات الأمثلة التي تظهر فيها الأبيات على مقاس واحد من التكرار، والتماثل الصوتي، ولكن الشاعر لا يغفل عن أمر هامّ جدا، وهو ضرورة التنوّع في هذه التماثلات، فهو في مواضع عدة يكتفي بأن يبدأ الأبيات المتتابعة بتركيب واحد يتكرر، مثل : ‘يا أيها ‘ أو ‘ أن أفعل ‘ فمن النوع الأول نجده يكرر يا أيها الهواء مرارا في أداء يشبه الإلحاح، وهذا الإلحاح يشحذ الإحساس بالتوتر:يا ايها الهواء في الشوارعِيا أيها الهواء في النوافذ المشرعةيا أيها الهواء فوق ناطحات الأنف والحسابيا أيها الفراغ لن (3)ص 10- 11 فتكريرهُ لعبارة يا أيها الهواء يشبه تكرار الجناس الذي يستهل به الشاعر كلّ بيت، وهو على نسق يقوم على استبدال عنصر لفظي بآخر، فاستبدل الشوارع بالنوافذ، وهذه استبدل بها ناطحات الأنف والحساب، واستبدل الفراغ بالهواء. ومن المتاح في مثل هذه الأحوال تكرار التركيب المصدري، من مثل ‘ أن ارتكب ‘ وأن ابرق’ و’ أن أقضم ‘ و’ أن افتح ‘ مع تباين في الركن الآخير من البيت للذي يليه حتى ينتهي من المقطع:هل أقدر أن ارتكب الأغلاط الأولىأن أبْرقَ تفاحًا أن أقضمَ جذع النار بأسنانيأن أفتح شباكًا(4) ص 18 فوجود التركيب المصدري أول كل بيت بعث في الأبيات نمطا موسيقيا متماثلا، لا يخلو تكراره من نغم لافت للنظر، وثمة نمط من التراكيب يعيد الشاعر فيه فعلا واحدا يتلوه ما يتعلق به من تركيب أكثره يتكئ على الجار والمجرور، أو الظرف (نحو) وهذا شيء يجمع في الواقع بين تكرار الللفظ وتكرار المركَّب النحويّ، وبما أن الفعل المتكرّر هو هو، بلا تغيير، أو تبديل، فإن التماثل الإيقاعي يتجلى من خلال تعلق التكملة، أو الفضلة، بالفعل:أفتح في جسدي بابا للبحر أفتح في البحر طريقالا يرجعني أفتح في بيتي حانة أقداريأفتح نحو السرطان مداري افتح في طيبة شمسا سوداءأفتح خمس مدائن في الصحراء(5) ص23 فالشاعر بتكراره الفعل (أفتح) مع تنميط التركيب التابع الذي يحتلُّ موقع المفتوح على نسق : في جسدي/ في البحر/ في بيتي/ نحو السطان/ في طيبة/ يفاجئُ المتلقي في البيت الأخير بالاستغناء عن: في، وعن الظرف نحو، ليضفي على المقطع تماثلا موسيقيًا من جهة، وليوحي في الوقت نفسه بالإلحاح على هذا الفعل (أفتح)، ثم الإيحاء بسرعة الإيقاع عند وصول التراكيب لقوله (خمس مدائن) من جهة أخرى. وهذا بلا ريب يؤدي لمزيد من الشعور بالنغم، شعورًا يغلب على القارئ، وهو يستقبل عبر هذا التعبير إحساسات الشاعر ومواجده. وتبدو هواجس الشاعر نحو الموسيقى لافتة للنظر جاذبة للانتباه في قصيدة جعل عنوانها مشاكلا لمقاطع في السلم الموسيقي، فعنوانها (دو. ري. مي) ولم يبق عليه إلا ان يضيف (فا، صول، لا ، سي ) ليكون السلم تامًا غير منقوص، فهذا العنوان يحفز القارئ للانتباه، والإصغاء بغير قليل من التركيز لعبارة (دو ري يا أيام بنا دو ري ) التي تتكرر في القصيدة بترتيب دوْريّ تتعاقب فيه أبيات أخرى من القصيدة تمثل المخطط التراكمي للنص:دوري يا أيام بنا دورينحن القش المتطاير من ثوب الأيام دوري يا أيام بنا دوري نحن غبار الطلع وريش عصافير الشوكدوري يا أيام بنا دوري نحن عكاكيز الجندد المهزومين دوري يا أيام بنا دوري (6) ص 27 فالشاعر يؤكد، عبر هذا الأداء، أنّ الفرق بين السلم الموسيقي (دو ري مي ) والقصيدة، فرقٌ غير كبير، والبون بينهما بون غير شاسع، فالأصوات اللغوية تماثل على المستوى الموسيقي أصوات الآلات، غير أن للأصوات في اللغة معنىً مختلفا عن ذلك الذي توحي به أصوات الآلات. وهنا يكون الشاعر قد خطا خطوة كبرى نحو المساواة بين الشعر والموسيقى، مساواةً لا تقلل من شأن المعنى، ولا تستخف بدلالات الألفاظ، وفي ذلك ما فيه من علاماتِ التفريق بين لغة الشعر وغيره.على أنَّ الشاعر لا يفتأ يحاول محو المسافة بين الأغنية والقصيدة. فالأولى تقوم على اللحن، والقصيدة تقوم على الوزن، الذي يكتنف الإيقاع، لكنَّ الشعر بتكرار اللازمة، وهي لفظ، أو تركيبٌ، يجري الإلحاح على ذكره في مطلع كل قسم من النص، أو في آخر كل قسم، يشبه اللازمة الموسيقية التي بتكرارها تتشكل خطوط اللحن، ففي واحِدةٍ من قصائد الشاعر شمس الدين، وعنوانها (بابل) يتخذ من كلمة ( قمرٌ) لا زمة تتكرر في بدء كل مقطع، فالكلمة هي مفتاح اللحن، تعقبُها أبيات عدة تشكل النغمات التي يتركب منها اللحن على النمط الآتي:قمرٌ على سجادة بيضاء يسجد لا ينامكأنما ضربته حمى العاشق البدوي فاستلقى ورغبته حجابوأقام ينتظر التي غابت فلما كاد أو لمست أصابعه النحيلة خصرها النجفي أوقفه العذاب قمرٌ خراب(7) ص 93- 94)وتتوالى مقاطع القصيدة على هذا النسق، فهو تارة قمر خراب، وتارة قمر غياب، إلخ.. وهو يعتمد اللازمة كثيرًا، وبأساليبَ مختلفة، ففي قصيدة ‘فتى الرمّان ‘ يقترب بها من النسق الخطابي التأبيني، لا اللحن الغنائي، ومع ذلك، فإنّ اللازمة لا تفتأ تمثل عنصرًا من العناصر الصوتية التي يتجلى فيها ضرب من التماثل الموسيقي، فهو يستهلها بعبارة (قمْ تأملْ) التي يكررها بانتظام عند الانتقال من مقطع ينطوي على فكرةٍ، أو صورة ما، إلى مقطع آخر:قم تأمل كل من مات على جلجة الأوطان قاملم تمت هذي العصافير على التل ولا مات الحمامأنت أسلمت إلى التل يديك فانحنى حتى دني من مقلتيك ثم غطى وجهك المحروس بالرمل قليلا كي تنام قم تأملْ (8) ص11،12 واللازمة، ها هنا، ليستْ وحيدة، وإنما تساندها عناصر أخرى من التماثل الصوتي الموسيقي، إذ تستوقفنا بقوة القافية المتكررة المتكئة على الصائت الطويل، وهو الألف، في قامْ، والحمامْ، وتنامْ، وهو شيء يلاحظ المتلقي ما فيه من نبْر متمادٍ عند الوقوف. يضاف لهذا التجانُس الصوتي التركيبي في : فانْحنى، و حتى دنى، والتجانس الصوتي في: يديك، ومقلتيك. غير أن هذه التجارب في الإيقاع التي تُنحّي القافية، والوزن، جانبًا، ريثما تتضح طبيعة السلاسة الموسيقية، وتعلو التناغيم المختارة في المقاطع هنا وهناك، تصطدم بمساعٍ متكرّرة لدى شمس الدين للمزج بين البحور، أو التفعيلات، مما يعدُّ في نظرنا خطوة للوراء، إذ تؤكد هذه المحاولات هيْمنة الوزن التقليدي على الشاعر؛ ففي قصيدةٍ لهُ بعُنوان ‘ منازل النرد ‘ وهي التي اتخذ من عنوانها عنوانًا للديوان، نجده يراوح بين البسيط المركب، والرجز، والمتقارب. فمن البسيط مفتتح القصيدة: يا بؤس من حفروا في الصخر منزلهم وبؤس من قطــــع الوادي وما سلـــــــكا سيان ِ كنت ترابيـــــًا بها حَـــــــــجرًا أو كنتَ بالنـــــــــــار معصوبًا ومُشْتبكا (9) ص 41 والبسيط- مثلما هومعروف – نمط معقد من الوزن، وإن كانت فيه نغمَة عذْبة، تأسر الروح، وتشنف الآذان، خلافا للرجز الذي يقترب ببساطته من النثر، ثم يفوتُ الشاعر أن يراعي الانسجام الموسيقي بين مقاطع القصيدة، فيعتمد تفعيلة المتقارب، التي تتألف من ثلاثة مقاطع، الثاني منها هو المقطع المنبور، مثلما نلاحظ في الأبيات الآتية من القصيدة:سأمضي كلاعب نرْدٍ قديمٍوأعمى (10) ص 43 وفي مقطع آخر يسميه ‘ المنزلة الرابعة ‘ يستأنف النظم على البسيط، لكنه يوزع الكمات طباعيًا في أسطر تشبه أبيات الشعر القائم على التفعيلة الواحدة (الحر) وفي هذا بعض التمويه الذي لا ينطلي على قارئ لديه حظ قليل من المعرفة بالعروض، أو على الأقل بصرٌ نافذ بقراءة الشعر، فالمقطع الآتي: كالنرد أقذف أيامي على عجلوأنحنيكي أرى في وجهه قدريفواحدٌ مثل نسكي وهو مبتدأ واثنان آخر ما يأتي به خبري (11) ص 44 مقطعٌ يمزج فيه بين البسيط والشعر الحر، وذلك شيء لا يخفى، فالقارئ الذي يتلقى عن طريق السماع- مثلا – يمكنه أن يتخيل البيتين، ببساطة، على النحو الآتي: كالنرد أقذف أيامي على عجل وأنحني كي ارى في وجهه قدريفواحد مثل نسكي وهو مبتــدأ واثنان، آخر ما يأتي به خَبـــــَريإلى ذلك، يكتشف القارئ وقوع الشاعر شمس الدين في الخلط بين تفعيلتين في شعرهِ الحرّ، كالخلط بين فاعلن، وهي من المتدارك، وفعولن وهي من المتقارب، خلطًا ينمُّ على سهو، أو على شيء من التسرع، ففي المقطع الآتي يلاحظ القارئ أنّ أحد الأبيات وهو الرابع من المتقارب، في حين أن القصيدة من المتدارك: عقربان يدوران في معصمي يلدغان دمي ولا يقفان كأن لم تكن ثامنهْ في الزمان (12)ص 78 وقد تكرر هذا الاضطرابُ في قصيدة بابل مرارًا(13) ص 96 وهو اضطرابٌ يعيقُ، في بعض المواقع، سلاسة الإيقاع، فيتعثر القارئ حين يصل إلى التفعيلة التي يخرج بها الشاعر من وزن لآخر، تعثرا لا يخلو من نشاز، فعلى سبيل المثال الشطر الخامس مما يأتي فيه مثل هذا التعثر بسبب اختلاف التفعيلة، وتغيير مواقع النبر بين المقطع الأول في فاعلن، والثاني في فعولن، فإذا حرك القارئ كلمة ‘ الصيادونَ ‘ ظهرت مع الحركة تفعيلة فعولن في الشطر السادس، وإذا وقف عليها ظهرت هذه التفعيلة في وسط الشطر السادس، وتتكر ر فعولنْ، وفعو، وهذه صورة متكررة في عروض المتقارب: وحدها في الخليجِ المراكبُ تبحرُ خاويةً بلا نشوةٍ تتأَرْجَحُ فوْق مياهِ الجَحيمْ والصيادونفي قاع أجْسادهمْ سَمَكٌ دائخٌوتبحر فيهِ المياهُ (13) نفسه، وانظر ص 98 مما سبق، يلاحظ الدارسُ أنّ لشمس الدين ولعًا بموسيقى الألفاظ والأصوات والمقاطع، وهو حريص على إظهار النغم بأقصى ما يكون الظهور، مُغلبًا عنصر الأداء الصوتي على غيره، لكنه يُوفق في ذلك في مواطن من شعْره، كالتي أشرنا إليها، ويخفق في مواطن أخرى كالتي نبهنا عليها، ونوَّهنا لها، وهي قليلة لا تحُط منْ قدْره، ولا من قدْر شعْرهِ، ولا تطعن في أدائه الرشيق، ولا في تعبيره عن إحساسِهِ العميق.