مثقفون مصريون في مواجهة الاسلام السياسي:القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: يشهد الواقع الثقافي المصري حالة غير مسبوقة من الغليان، الذي يدفع في اتجاه بلورة موقف سياسي قوي يتمحور حول موقف موحد من سياسات جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة تجاه قضية الحريات في مصر. وذلك في أعقاب التداعيات الخطيرة لإحالة عدد من رؤساء التحرير في العديد من الصحف المستقلة إلى محكمة الجانايات وحبس رئيس تحرير جريدة ‘الدستور’ اليومية الصحافي إسلام عفيفي، ثم الإفراج عنه بقرار رئاسي ينطوي على الكثير من التدليس السياسي حيث اقتصر على إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، بينما أبقى على جوهر العقوبة حال إدانة المتهم. في الوقت نفسه سوف يمثل في وقت لاحق أمام نيابة أمن الدولة العليا كل من الكاتب الصحافي الناصري عبد الحليم قنديل رئيس تحرير جريدة ‘صوت الأمة’، وكذلك الكاتب الصحافي عادل حمودة رئيس تحرير جريدة ‘الفجر’ بتهمة ‘إهانة الذات الرئاسية’!! تلك التهمة التي تعيد التذكير بنظام مبارك وممارساته القمعية، كما يمثل الإعلامي والبرلماني السابق توفيق عكاشة أمام محكمة جنايات الجيزة في الأول من ايلول/ سبتمبر المقبل بذات التهمة الموجهة لزميليه بعد أن أغلق وزير الإعلام الإخواني عبد المنعم عبد المقصود قناة الفراعين المملوكة لعكاشة في سابقة لم يجترئ على فعلها نظام فاسد وقمعي استطاعت ثورة الشعب أن تقتلعه من جذوره، كذلك من المتوقع أن يمثل البرلماني السابق محمد أبو حامد أمام النائب العام بتهمة قلب نظام الحكم عقب التظاهرات الحاشدة التي أطلقها في الرابع والعشرين من أغسطس/آب الجاري والتي تآمرت عليها جميع وسائل الإعلام باستثناءات قليلة، ووصفتها، كالعادة، جماعة الإخوان المسلمين بأنها صناعة فلول النظام السابق، وهي تهمة جرت العادة على استغلالها ضد خصوم الإخوان من كافة الاتجاهات السياسية بقصد تشويههم. في الوقت نفسه جاءت التغييرات التي أجراها مجلس الشورى، ذو الأغلبية الإسلامية، في حوالي خمسين صحيفة ومجلة حكومية، تعبيرا مضافا يعمق الهواجس حول سيطرة تيار الإسلام السياسي على وسائل الإعلام وكل مفاصل الدولة، عبر السيطرة على أدوات إنتاج العقل العام بشكل أفقد التغييرات معناها، بل حولها إلي عبئ على الصحافة المريضة منذ أن أفسدها النظام السابق. جاءت اختيارات الإخوان لرؤساء التحرير الجدد معبرة عن اتجاهين لا ثالث لهما: الأول سيطرة كوادر وفصائل إخوانية على بعض الصحف التي تنطوي على كوادر تنتمي للإسلام السياسي، والثاني : اختيار شخصيات تفتقر إلى الكفاءة والنزاهة وتنتمي للنظام السابق بأكثر من انتمائها للثورة وعلى رأسهم عبد الناصر سلامة رئيس تحرير جريدة الأهرام أكبر جريدة في الشرق الأوسط، وقد نشر ناشطون عشرات الفضائح للرجل أقلها اتهامه للثوار بأنهم شواذ ومجرد مجموعات من المدمنين، وكان يطلق على شهداء الثورة ‘شهداء الترامادول’. في الوقت نفسه شهدت جريدة ‘أخبار الأدب’ تغييرا دراميا، حيث أزيحت الكاتبة الصحافية عبلة الرويني من موقعها كرئيسة للتحرير، وهو موقع شغلته مدة عام أو يزيد قليلا، لحساب أحد صحافيي مؤسسة الأخبار هو مجدي العفيفي، وربما كان الرجل صحافيا نابها لكن المؤكد أن ذلك لم يكن في الحقل الثقافي، لذلك أثار اختياره الكثير من التوتر والرفض من جماعة المثقفين المصريين ما دعا معظم كتاب الجريدة إلي مقاطعتها احتجاجا على هذا الاختيار. في المقابل شهد الواقعان السياسي والثقافي في مصر حراكا مكثفا بهدف توحيد الجهود ضد ممارسات بدت إقصائية وقمعية منذ اللحظة الأولى، فتشكلت العديد من المجموعات مثل مبادرة دستور ثقافي التي قادها عدد من الفنانين والشعراء بينهم المخرج أحمد اسماعيل، والشاعر رفعت سلام، والروائي حمدي الجزار وآخرون، كذلك دعا السياسي أحمد بهاء الدين شعبان لتكوين جبهة للدفاع عن حرية الإبداع وحرية الرأي والتعبير، وقد تشكلت المجموعة بالفعل تحت اسم ‘ ثقافة من أجل الحرية ..وعي ‘ وأطلقها إلى جانب شعبان عدد كبير من المثقفين والسياسيين بينهم كريمة الحفناوي، غادة نبيل، نهلة مطر، محمود عبد الرحيم وكاتب هذه السطور وآخرون، وأصدرت الحركة بيانا تأسيسيا تضمن تحذيرا جازما من ضياع الثورة المصرية بين دعاة الدولة الشمولية وبين تيار الإسلام السياسي، واعتبر أن كليهما وجهان لعملة واحدة، كما أكد بيان الحركة على دعمها للدولة المدنية الديمقراطية التي تتعزز فيها فكرة المواطنة، كما أكدت في المقابل على موقفها الرافض لتراث الدولة الشمولية بالمعنيين السياسي والديني، كما دعت الحركة كل مثقفي مصر والعالم إلى مقاومة كل أشكال القمع أيا كان مصدره وأيا كانت أسبابه، كما دعا إلى العمل على تقويض هذا البناء المظلم الذي أقصى هذه الأمة عن مجالات الإنتاج المعرفي لعشرات العقود، فاستدانت معرفتها من أكثر البقاع تخلفا، وبات العقل يتشكل طبقا لطلب من يدفع أكثر.وخلال الأسبوع الماضي أطلق عدد من المثقفين كيانا أكبر يستهدف جمع العديد من الكيانات تحت راية واحدة هي الدفاع عن الحريات العامة والشخصية في الدستور المصري الذي تقوم على وضعه جمعية تأسيسية مشكوك في شرعيتها باعتبارها ابنا شرعيا لبرلمان تم القضاء ببطلانه وانعدامه منذ تاريخ انتخابه، حسب منطوق الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا. يستهدف الكيان الجديد توحيد الجهود مع العديد من النقابات المهنية وكذلك الجمعيات الحقوقية، والمراكز الثقافية المصرية والجماعات المستقلة إلى جانب مشاركة الأفراد من الكتاب والمفكرين والفنانين، وقد عقد هذا التجمع عددا من الاجتماعات بمقهى ريش بوسط القاهرة، وتبرع مالك المقهى بالبهو الرئيسي لعقد تلك الاجتماعات، وقد شهد الاجتماع الأخير حضورا لافتا لعدد من نجوم الحياة الثقافية والسياسية، بينهم الروائي بهاء طاهر، نبيل عبد الفتاح، حسين عبد الغني، ميسون صقر، محمود الورداني، أحمد القصير، فاطمة قنديل، سهير المصادفة، يحيى قلاش، نجاة علي، غادة نبيل، عاطف عبد العزيز، رشيد غمري، أمير سالم، محمد بدوي وآخرون . وقد أصدر المؤسسون بيانا أكدوا فيه عملهم من أجل الحفاظ على العقل الثقافي المصري، وقدرته على الخيال والتفكير والتعبير بحرية تامة، حفاظاً على مكتسبات المصريين في حرية الاعتقاد والتفكير، وحرية ممارسة الشعائر والطقوس، انطلاقاً من احترام قيم التعدد وقبول الآخر وغيرها من المرتكزات التي قامت عليها أفكار النهضة في مختلف الحضارات الإنسانية، وطالب موقعو البيان السلطة المصرية في شكلها الأخير بإثبات حسن نواياها تجاه احترام استقلالية المؤسسات، وعدم تسييسها لصالح تيار أو جماعة، وإعمال معيار الكفاءة في الاختيار والعزل، وليس الانتماء الفكري أو الأيديولوجي للحزب أو الجماعة الحاكمة. وناشد المثقفون المصريون كافة أبناء الشعب المصري الوقوف إلى جانب إنقاذ الثقافة المصرية من الدخول في طور الاضمحلال والركود بسيادة فكر واحد وتيار واحد وجماعة واحدة.في الوقت نفسه خرجت جموع غفيرة من المثقفين والإعلاميين في وقفة احتجاجية بميدان طلعت حرب مساء الخميس الماضي رفعت فيها صور رواد النهضة المصرية، وكان من اللافت أن ينضم للوقفة وفد من شيوخ الأزهر الذين شكلوا حركة تعمل على الحفاظ على مدنية الدولة. وقد شهد الاجتماع الأخير للحركة نقاشا واسعا حول مشكلة الحريات العامة والشخصية في الدستور القادم، وعكف عدد منهم على إعاداد بيان يتضمن موقف المثقفين المصريين من هذه القضية على أن يصدر بالتزامن مع الوقفة الاحتجاجية المزمع عقدها في الخامسة مساء الأحد القادم أمام مجلس الشورى، الذي تشهد أروقته اجتماعات اللجنة التأسيسية لوضع الدستور وكذلك باعتباره مسؤولا عن التغييرات المخزية التي أجريت في الصحف المصرية قبل حوالى أسبوعين.