الخروج من إرث الماضي

حجم الخط
0

محمد بوعزةبمناسبة انعقاد المؤتمر الثامن عشر لاتحاد كتاب المغرب يومي 7و8 ايلول/سبتمبر المقبل، والنقاش الذي يسبقه في ظل المشاكل التي عرفها مؤخرا، أعتقد أن الوقت قد حان لإطلاق بداية جديدة للاتحاد تمكنه من تدشين مرحلة جديدة بمشاريع واستراتيجيات جديدة أكثر حداثة ، وقادرة على استيعاب التحولات الجديدة، بما يتيح له تطوير أدائه وتعزيز إشعاعه الثقافي ومشاركته الفاعلة في رسم السياسة الثقافية للبلاد.من هذا المنطلق الأساسي نرى أن التفكير في مستقبل اتحاد كتاب المغرب، لا يمكن أن يغفل التحولات الجذرية التي طرأت على العالم، وما خلقته من سياقات جديدة للتفكير والمعرفة، تغيرت معها مفاهيم الكتابة والثقافة و جدليات القوة والمعرفة. غير أن الجوهري في هذا الفهم التاريخي، أن التفكير في هذه التحولات التاريخية، لا يمكن أن يكون تاريخيا، اي مؤثرا في الوعي وفي منطق الفعل (الممارسة)، وبالتالي منتجا وفاعلا، إذا لم يكن مرتبطا جدليا بإعادة التفكير في ‘هوية’ الاتحاد التي ما يزال الماضي السياسي الإيديولوجي لسياق نشأة الاتحاد متحكما في اختياراتها وممارستها.يقتضي هذا الانزياح عن ثقل الماضي، إعادة النظر في هياكل الاتحاد وبنياته التنظيمية من أجل تجديدها لاستيعاب التحولات الطارئة سواء على صعيد التصورات الثقافية أو استراتيجيات التدبير والتسيير أو تغير خارطة الأعضاء،بظهور أجيال جديدة وحساسيات جديدة ، وجمعيات منافسة، ربما أكثر دينامية من الاتحاد. فالملاحظ أن الاتحاد ما يزال يخضع في هندسته التنظيمية إلى نسق تقليدي متوارث متمركز، لا يخرج برأي سعيد يقطين عن منطق العمل الجمعوي التطوعي، الذي كشفت الأزمة الأخيرة عن ضعفه واختلاله وفشله في تطويق النزاعات الداخلية التي تنشأ في هياكل الاتحاد .للأسف لحد الآن لم يستطع الاتحاد بلورة استراتيجية ثقافية وتدبيرية تؤهله للعمل بمنطق المؤسسة، بما تفرضه من تدبير عقلاني على مستوى التخطيط ووضع البرامج والمشاريع، وتدبير ديمقراطي على مستوى التسيير. ويرجع السبب في هذا الفشل، إلى أن الاتحاد ما زال محكوما بالإرث الإيديولوجي والسياسي لسياق نشأته، الذي جعله مرتهنا بالتجاذبات السياسية للأحزاب الوطنية، ويضحي ‘بالثقافي’ من أجل ‘الحزبي’. وعلى الرغم من التحولات السياسية الطارئة على الخريطة السياسية التي تغيرت فيها مواقع الأحزاب ، لم يستطع الاتحاد تحرير نفسه من إرث الماضي، فما زال انتخاب الهياكل (المكتب التنفيذي وفروعه) يخضع لنظام المحاصصة الإيديولوجية الحزبية، الذي يعطي الأولوية والأسبقية للتحيزات الحزبية الضيقة على حساب المعايير الحقيقية والمنتجة للكفاءة والنزاهة، وعلى حساب البرامج والمشاريع والتصورات. وللأسف فإن أعضاء الاتحاد يتحملون جانبا من المسؤولية في هذه الاختيارات على مستوى انتخاب هيئاتهم التمثيلية. لذلك فثمة عمل كبير من أجل تغيير هذا النسق الثقافي المهيمن على العقليات وعلى التقاطبات والتجاذبات داخل الاتحاد. ولا يمكن أن نتفادى ما يتسبب فيه هذا النسق من نزاعات مجانية إلا بتكريس ثقافة الاختلاف والاحتكام إلى معايير الديمقراطية والكفاءة والنزاهة والمردودية.لذلك أرى أن مستقبل الاتحاد وتطوير أدائه، مرهون بالقطع مع إرث الماضي، والانفتاح على آفاق المستقبل، ولعل أول خطوة في هذه القفزة نحو المستقبل هي القطع مع نظام المحاصصة الحزبية والانتقال إلى نظام المؤسسة على مستوى التدبير التدبير والتسيير، وفق رؤية ثقافية استراتيجية مستوعبة للتحولات المعرفية الحاصلة في مجتمع المعرفة والإعلام، والآفاق المفتوحة بدون حدود التي فجرتها الشبكة العنكبوتية على مستوى الثقافة الرقمية، بحيث لم يعد بمقدور أي مؤسسة أن تمارس وصايتها على الثقافة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية