د. تشيلو روزنبرغالتراشق اللفظي بين واشنطن والقدس يشير الى تعميق أزمة الثقة بين إدارة أوباما وحكومة اسرائيل. ويعد التصريح الاخير الذي صدر في لندن عن رئيس أركان القوات الامريكية مارتين دامبسي، خطيرا للغاية والذي قال فيه: ‘لن أرغب في أن أكون شريكا في هجوم اسرائيلي’. وواصل دامبسي فادعى بأن ‘الهجوم الاسرائيلي لن يصفي البرنامج النووي الايراني’. من هو ضالع في ترتيبات العمل في الولايات المتحدة يفهم جيدا بان هذا التصريح اتيح فقط بإذن الادارة بل وربما بالاذن المباشر من اوباما نفسه. فضلا عن المعاني الفورية، تشير تصريحات دامبسي الى عدم الثقة المتعاظم بين الولايات المتحدة واسرائيل الى فشل الدبلوماسية الثنائية. فالطرفان يمكنهما أن يدعيا علنا بروعة العلاقات بين الدولتين. اما في الواقع فلا توجد اي امكانية لاخفاء الوضع كما هو. عدم الثقة بين الزعيمين تصعده جدا خلافات الرأي في الموضوع الايراني. من ناحية نتنياهو فان نشر التقرير الاخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية يشكل دليلا قاطعا على صحة سياسته، بما في ذلك الحاحية العملية العسكرية. اما الامريكيون فيبقون غير مبالين حتى بعد النشر، من ناحية اسرائيل، بالنسبة للعملية العسكرية الفورية لوقف البرنامج النووي الايراني. وتسفر المشادة بين الحكومتين، الاسرائيلية والامريكية عن أضرار دبلوماسية رهيبة من شأنها أن تمس باحباط البرامج الايرانية. وانطلاقا من فهم زعماء ايران للمتاهة الكبرى وخلافات الرأي، فانهم يصعدون نشاطهم. الايرانيون، لالمنا، ينجحون في إدارة سياسة خارجية جديرة باسمها وخداع الجميع. ولحسن رأيي، فان أزمة الثقة بين الولايات المتحدة واسرائيل تؤثر بشكل حاسم على السلوك الايراني. ولا مفر من استنتاج واحد: إذا لم تجتز العلاقات الاسرائيلية الامريكية تغييرا راديكاليا، فقد نجد أنفسنا في وضع لا رجعة عنه في ايران. الازمة الحالية بين اسرائيل والولايات المتحدة ليست سوى استمرار للازمة التي نشبت منذ صعود ادارة اوباما في ضوء مواقف حكومة اسرائيل الحالية بالنسبة للمسألة الفلسطينية. ينبغي القول بصراحة ودون تردد: لا ثقة بين اوباما ورئيس الوزراء، بل ويحتمل أن يكون هناك غضب من مواقف رئيس الوزراء بالنسبة للفلسطينيين. بالمقابل، يجب القول بصدق ان حكومة نتنياهو بالفعل اتخذت ‘خطوات بناء ثقة’، مثل خطاب بار ايلان، الذي اعترف فيه رئيس وزراء من الليكود بحق الفلسطينيين في اقامة دولة خاصة بهم وتجميد البناء في المناطق على مدى أشهر عديدة. وعلى الرغم من ذلك، فان حكومة نتنياهو تتعرض لانتقاد شديد سواء في الولايات المتحدة ام في اوروبا، وليس دوما لاسباب موضوعية. الدبلوماسية لا تستند الا الى حماية المصالح الحيوية لكل طرف. من هنا فثمة خياران: جهود لصيانة العلاقات الطيبة في ظل تنازلات معينة أو ربما أزمة ثقة. أحد الاسباب المركزية للخلافات الشديدة بين الولايات المتحدة واسرائيل هو التقديرات الاستخبارية التي تفسر بشكل مختلف. فاسرائيل مقتنعة، حسب المعلومات الاستخبارية التي تحت تصرفها، بان ايران قريبة للغاية من انتاج القنبلة الذرية الاولى. اما الولايات المتحدة فليست مقتنعة بذلك. العكس هو الصحيح: الولايات المتحدة تقدر بان العقوبات على ايران تعمل بشكل جيد جدا، وان كان ثمة مجال لتشديدها. هناك من يقدر في الولايات المتحدة بان اخفاء المعلومات عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية يستهدف منع المعرفة الحقيقية عن المصاعب في التقدم في البرنامج النووي بسبب تلك العقوبات. مؤتمر مندوبي دول عدم الانحياز في طهران أثار غضب رئيس الوزراء وعن حق. فمشاركة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في المؤتمر أغضب القدس. وحتى لو كان نتنياهو محقا، فهذه نتيجة أزمة الثقة بينه وبين الولايات المتحدة واوروبا. معقول الافتراض بانه لو اجتهد اوباما قليلا، لبدت الامور مختلفة. في السياسة ايضا مهم ان نتذكر القول بانه احيانا يفضل ان يكون المرء حكيما وليس محقا. فاحساس ادارة اوباما بان اسرائيل تتجاهل كل طلباتها، رغم المساعدة الهائلة التي تلقتها اسرائيل في المجال العسكرية بإذن هذه الادارة، يلحق اضرارا جسيمة للغاية بالامن القومي لاسرائيل. ليس متأخرا بعد اجراء مراجعة في العلاقات من أجل نجاح خطوة احباط البرنامج النووي الايراني. ‘ مؤرخ وخبير في الامن القوميمعاريف ـ 2/9/2012