ايزي لبلاران أحد الألغاز الكامنة في الطغيان العالمي لمعاداة السامية هو ميل مجموعات ودول وقع عليها اضطهاد في الماضي الى ألا تكافىء أو تعترف على الأقل بالاسهامات اليهودية التي لا نظير لها في تأييد نضالها من اجل التحرر من الاضطهاد والتمييز والمس بحقوق الانسان والحصول على الاستقلال.فعلى سبيل المثال في حين لم توجد مجموعة امريكية ضحت كثيرا لمساعدة الافارقة الامريكيين على التغلب على التمييز العنصري ومساعدتهم في نضالهم من اجل حقوق المواطن كما فعل اليهود، أصبح الافارقة الامريكيون اليوم من المجموعات العنصرية أو العرقية الأكثر بروزا في الدفع الى الأمام بمعاداة اسرائيل ومعاداة السامية. وتجسد هذا التوجه في التصريح الذي يثير الاشمئزاز الذي صدر في الفترة الاخيرة عن الأديبة الافريقية الامريكية اليس ووكر التي طلبت منع ترجمة روايتها التي تتناول العنصرية الى العبرية. وقد اتهمت اسرائيل باستخدام ‘عنصرية’ أكثر تطرفا حتى من تلك التي استُخدمت في جنوب افريقية في فترة الفصل العنصري. وهذا قول غير مناسب ولا سيما في تطرقه الى الدولة اليهودية المؤلفة من واحد من أكثر المجموعات العرقية تنوعا في العالم. ويصح ما قلنا ايضا على العداء الشديد لاسرائيل من قبل حكومة جنوب افريقية الحالية وذلك برغم حقيقة انه حتى رجل الدين المعادي للسامية توتو قد اعترف بأنه ‘في نضالنا للفصل العنصري كان أكبر مؤيدينا هم اليهود… فقد شعروا بصورة غريزية تقريبا بالحاجة الى الوقوف الى جانب عديمي الحقوق من اولئك الذين لا يُسمع صوتهم’. لكنه تنبأ في نفس الوقت بأفعال حكومته الاخيرة بأن دعا الى قطيعة اقتصادية مع اسرائيل لأنها ‘اضطهدت اضطهادا أشد مما كان يستطيع عقائديو الفصل العنصري ان يحلموا به في جنوب افريقية’.تسيطر توجهات مشابهة على قادة العالم الثالث. لن أنسى أبدا لقاءا تم في نيودلهي في 1981 مع الرئيسة الهندية الراحلة انديرا غاندي. وقد استشاطت غضبا مجنونا على ‘القوة اليهودية الدولية’، التي جعلت رئيس الولايات المتحدة في زعمها يُدير ظهره للهند. واعترفت في رد على جوابي بأن أكثر اصدقاء عائلتها الأكثر قربا حينما كانوا في انجلترا كانوا يهودا بريطانيين أيدوا في حماسة نضالهم للاستعمار وجهودهم لاحراز الاستقلال.ضُلل من لا يحصون من اليهود في اوروبا والولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين. فقد أهملوا اليهودية وبذلوا حياتهم لعبادة الهدف الخلاصي الكاذب للشيوعية. ووجد اولئك اليهود أنفسهم بعد ذلك بمثابة ضحايا تطهيرات واجراءات قضائية كاذبة دبرها ستالين في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وقتل الأدباء اليهود في 1952 وكانت ذروة ذلك في الافتراء على الاطباء في موسكو.يوجد اليوم ايضا يهود يؤمنون بأن التراث العالمي في اليهودية يوجب علينا ان ننحي جانبا مصالحنا اليهودية ‘الضيقة’ وان نحصر العناية في جعل العالم مكانا أفضل. لكن التوتر في ظاهر الامر بين وجود اليهود باعتبارهم أمة محددة وبين الدفع الى الأمام بقيم اخلاقية عامة، داحض بيقين. ان ابراهيم لم يحطم الأوثان وموسى لم يناضل من اجل حرية شعبه كي يصبح طائفة، بل خدما الشعب اليهودي لكنهما في موازاة ذلك وهبا للانسانية رسالات ذات معانٍ عامة.ان المثال على التأليف بين المفاهيم يبدو في الجمل المقتبسة من الكتاب المقدس: ‘اذا لم أكن أنا لنفسي فمن يكون لي’ تعادلها جملة تقول ‘وحينما أكون لنفسي ماذا أكون؛ واذا لم أكن الآن فمتى’. وعلى ذلك يوجد تسويغ لأن نستمد الفخر من اعمال يهود أسهموا في ‘اصلاح العالم’ رفع المظالم في العالم وجعلوه مكانا أفضل للبشرية كلها.لا يجوز لنا ان نُمكّن مجموعات أدارت ظهورها لنا بعد ان حاربنا من اجلها بثمن شخصي باهظ ان تصرفنا عن الاعتراف بواجب المشاركة العامة مع الانسانية والتزامنا بالعدل وحقوق الانسان. ومع ذلك فانه في الازمان العاصفة التي نعيشها اليوم يجب علينا ان نعترف بأن التفضيل الأعلى يجب ان يكون حماية أنفسنا ممن يريدون القضاء علينا. ففي ساعة العسر يوجد تسويغ لحصر العناية في عائلاتنا وشعبنا قبل تحسين العالم. فبواسطة حماية رفاه الشعب والدولة اليهودية وحفظهما نستطيع ان نضمن ان يستمر اليهود في الاسهام في اصلاح العالم.اسرائيل اليوم ـ 2/9/2012