جدعون ليفيمتى بكيتم في فيلم آخر مرة؟ حدث لي ذلك أول أمس: فقد ذرفت دموعا في فيلم واحد ثلاث مرات وليس هذا أمرا عاديا. حدث هذا أول مرة حينما ظهر على شاشة السينما تك في تل ابيب وزير القانون والنظام السابق لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقية، ادريان بلوك، وهو يركع ويغسل قدمي ماريا ناتولي. فقد سمم ناسه ابن ناتولي الفتى وبعد ذلك فجروه في سيارته مع تسعة فتيان آخرين، وهو الذي يُعد من الشخصيات المكروهة ومن أكثر الشخصيات قسوة في فترة الفصل العنصري، يقضي الآن ايامه يوزع المنتوجات الغذائية على عائلات ضحاياه.حينما دخل بلوك بيت ناتولي وعرفته أُصيبت بصدمة؛ وبعد ذلك غسل قدميها بلفتة نظر مسيحية وانسانية لم تترك أحدا غير مكترث. وذرفت الدمع في المرة الثانية حينما انفجر واحد من قادة المقاومة العنيفة للفصل العنصري، هو رشيد اسماعيل أبو بكر، في بكاء شديد حينما سمع قصة مُحدثته الاسرائيلية روبي دملين التي ثكلت ابنها الجندي دافيد في الانتفاضة الثانية وهي الآن نشيطة في نادي العائلات الثكلى الاسرائيلية والفلسطينية. واغرورقت عيناي في المرة الثالثة حينما انفجر ديسموند توتو باكيا حينما قال لدملين انه سيأتي بعد يوم وتنشأ في اسرائيل وفي فلسطين ايضا لجان حقيقة ومصالحة كما هي الحال في بلاده.ان مشاهدة الفيلم الوثائق لميري وايرز لاوبر، ‘يوم واحد بعد السلام’، عن رحلة دملين الى وطنها جنوب افريقية لا تزعزع شعوريا فقط بل تثير أفكارا حزينة ايضا عن الفرق الكبير بين اسرائيل وجنوب افريقية. تخيلوا فقط اهود باراك يركع ذات يوم في مخيم اللاجئين جنين ويغسل قدم والد فلسطيني ثاكل؛ وحاولوا ان تتخيلوا شاؤول موفاز يوزع طعاما في مخيم الدهيشة، وبوغي يعلون يفعل ذلك في النصيرات. بعد حلم يوم الصيف في الاسبوع الماضي حينما سمحت اسرائيل لعشرات الآلاف من الفلسطينيين بأن يأتوا لحظة الى شاطيء تل ابيب، جاءت هذه الفانتازيا للجان الحقيقة والمصالحة هنا ايضا وهي بعيدة تثير الخيال أكثر.يجب ان نضيف الى المقارنات بين اسرائيل وجنوب افريقية، بين نظام الاحتلال في المناطق ونظام الفصل العنصري، مع كل التشابه والاختلاف بينهما، ان نضيف هذه النهاية الحسنة هناك، والنهاية البعيدة جدا هنا. ان دملين، وهي امرأة نبيلة وشجاعة، مستعدة لأن تتقبل من اجل المصالحة الافراج عن ثائر حماد، القناص الذي قتل ابنها وتسعة اسرائيليين آخرين في حاجز وادي الحرمية في الضفة برغم انه أجابها برسالة فظة من سجنه. لكن المصالحة بعيدة هنا جدا ويمكن ان نحلم فقط بلجان حقيقة ومصالحة كتلك التي في جنوب افريقية.لا تكف اسرائيل عن الحديث عن جنوب افريقية. ففي الاسبوع الماضي فقط أعلن نائب وزير الخارجية داني أيلون ان ‘نظام الفصل العنصري لم ينته’ (لأن جنوب افريقية تجرأت على طلب تعليم المنتوجات من المستوطنات). لكن هذا التصريح السخيف الجاهل على لسان نائب وزير في دولة تعاونت مع الفصل العنصري، لا يمكنه ان يطمس على العظة المؤثرة التي كان يمكن لهذه الدولة ان تهبها لاسرائيل. بيد ان هذا الامكان في اسرائيل لا يبدو هاذيا فقط بل لا يؤخذ في الحسبان ايضا ما بقي الاحتلال وما لم تنته المظلمة.ومع ذلك فان الخريف على النوافذ فتعالوا نتخيل ولو للحظة ذلك اليوم البعيد الذي تركع فيه اسرائيل وتطلب المغفرة. واللحظة التي يعترف بها قادة نظام الاحتلال بما فعلوه أمام لجان حقيقة ومصالحة تنشأ هنا ايضا، واليوم الذي تظهر فيه للنور الحقيقة كلها على ألسنة مُدنسيها، ويمكن ان تأتي المصالحة بعد ذلك فقط، بعده فقط. هل يبدو هذا مجنونا؟ اجل. لكن في أواخر ثمانينيات القرن الماضي ايضا، أي ليس قبل زمن طويل بالمفاهيم التاريخية، لم يخطر ببال أحد ان يرى ادريان بلوك يدخل بيوت السود ويركع ويغسل أقدام ضحاياه ويحتضنونه.هآرتس ـ 2/9/2012