لا اعرف سببا لهذا الشعور القاتل الذي يجتاحني ولا املك تفسيرا لكل ما امر به في حياتي من تخبطات واحباطات سوى ذلك الالم الذي يسكنني ويجعلني اشعر انني عدت اعواما واعواما للوراء، واني سافرت في الزمان الى اقصى ما عانى الانسان فيه من ظلم وقمع واضطهاد، بل احيانا كثيرة اجد نفسي اكثر ألما من ذلك الرجل الذي ظل يحمل صخرة فوق كتفيه صاعدا بها في اتجاه قمة جبل شاهق الارتفاع، ومع كل خطوة تتجدد اماله في الحياه مرة اخرى، كل خطوة تداعبه احلام اليقظة، تخبره ان عذابه الابدي قد قارب على الانتهاء، ان عزيمته وقوته ورغبته في الحياة قد توصله الى شيء من الراحة بعد ان تجرع امر جرعات الالم واليأس، هذا الرجل الذي نزف عمره عرقا ودما فوق صخر جبل ملتهب، يدفع صخرته بقدميه الحافيتين ويديه العاريتين، حتى يتلاشى كل شيء ويعود ثانية الى نقطة الصفر، وتهوي من بين يديه الصخرة ليهوي خلفها الى سفح الجبل مرة اخرى ليعاود المحاولة دون فائدة مرات ومرات ومرات الى الأبد.
إذا كنت قد اجدت التعبير عما تختلج به نفسي فسوف اجيده عندما اقول ان حالتي الخاصة تمثل جزءا صغيرا لا يتجزأ من ملايين الحالات التي تعيش على أرض مصر تحمل الصخر املا في الوصول الى قمة جبل تربعت عليه فئة قليلة من السادة، فئة قليلة تحكم شعبا كلما اوشك على ادراك القمة يجد ارجلهم تدفع الصخر من فوق اكتافهم، لا لإنهاء معاناته، انما ليعاود الكرة مرة اخرى ليكمل العقاب الأبدي الذي أصدرته محكمة الحزب الحاكم وجندت من أجله كل امكانيات وثروات الشعب ليظل دائما وأبدا منكلا يحمل فوق عنقه هامات لا تجرؤ على النظر لأعلى، بل لا تجرؤ على مجرد التفكير في تغيير شيء من الواقع المرير الذي يعيشونه.
فمصر بكل فئاتها اصبحت عاجزة أمام القوى المفرطة التي يتخذها النظام سبيلا للسيطرة على عقول الشعب المصري للقضاء على أي بصيص للأمل قد يدفع الناس لترك السلبية المتوارثة لديهم من جيل الى جيل، ونهر سياسة التجويع والحرمان التي يمارسها النظام، فالشعب المصري يعاني الفقر المدقع في ظل غلاء لا يرحم، كما يعاني المرض وقلة الرعاية الصحية ونقص الخدمات الضرورية اللازمة لحياة آدمية تتناسب مع موارد دولة كبيرة مثل مصر، بينما يعيش أولئك السادة وأتباعهم عيشة رغده في قصور فارهة فاقت قصور ملوك روايات ألف ليلة وليلة!! فالشعب المصري لا يحمل صخرة واحدة فقط فوق أكتافه، انما توجد آلاف الصخرات تسحق عنقه كل يوم، فإذا دققنا النظر فيما حولنا من فساد ومحسوبية ونفوذ سندرك حقيقة ما يدور في كل ركن من اركان هذه البلاد، سندرك حقيقة سياسة القمع المتبعة ضد الشعب المصري كي يظل دائما جثة هامدة العقل في تابوت من التغيب والسطحية وانعدام الثقة في أي صوت ينادي بالتغيير، ناهيك عن المؤامرات القذرة التي يعدها أبالسة النظام ممن باعوا انفسهم واماتوا ضمائرهم كي يشوهوا الرموز الوطنية آملين ان تشويه صور الآخرين سيجمل من صورهم القبيحة التي ارغمونا عليها وارغموا شعبا من اعظم الشعوب على رؤيتها حتى نجحوا في تحويله الى مجموعات من عرائس الماريونت التي يحركونها يمينا ويسارا كما يشاءون. فكيف يمكن لحكومة استبدلت أعضاءها من اساتذة جامعيين ومفكرين بمجموعة من المرتزقة ورجال الأعمال والمليونيرات الذين لا يهمهم سوى انفسهم فقط ان يدفعوا هذا البلد نحو الامام؟
؟ وكيف لمن ملأ قلبه الجشع والطمع ان يوافق على تمرير قانون يخدم مصالح الفقراء والمحتاجين ومحدودي الدخل؟
؟ فعلى سبيل المثال هل يمكن لرجل البرلمان الذي يمتلك مصنعا او مؤسسة ما، ان يساند قانونا يرفع من مستوى دخل العامل البسيط، دون ان يضع في الحسبان ان ثروته التي تنمو بكد وعرق هذا العامل سوف يستقطع منها جزء ضئيل قد يكون سببا في توفير جزء بسيط مما يستحقه هذا الكادح؟
؟ وهل يمكن ان يتنازل عن استعباد واستنزاف طاقات هذه العمالة حتى اخر قطرة من دمائهم بإجبارهم على العمل ساعات اضافية دون مقابل كي يزيد ارباحه وثروته؟
؟ لا يوجد احتمال ولو ضئيل ان تكون الاجابة على هذه التساؤلات ‘بنعم’ فمن يخدم النظام من اجل مصلحته لا يمكن ان يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين، ، وسيظل سيزيف ‘المواطن المصري’ يحمل معاناته وآلامه فوق كتفيه في ظل القهر والاستبداد والفقر والمرض الى أجل غير مسمى.
هاني الفرماوي