الدستور التونسي خطر على بشار والمعرّي

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراطضاق صدري بالفضائيات العربيّة عموما وبالقنوات التونسيّة خاصّة، فقرّرت تسلّق السطوح لأتحرّى وجهة القمر الاصطناعي الفرنسيّ الذي يجاور القمر المصريّ نايل سات. وفي ذلك الجوار نعمة لا يعرفها إلاّ ثلّة من سكان المغرب العربيّ الذين نشأوا على مشاهدة الفضائيات الفرنسيّة منذ نعومة أظفارهم. وتتمثّل هذه المكرمة في الجمع بين الفضائيات العربيّة والفرنسيّة بدش ثابت على الدرجة السادسة غربا ما يسمح له بالتقاط إشارة القنوات الفرنسية المرسلة على الدرجة الخامسة دون خسارة القنوات العربية المستقرّة بالدرجة السابعة. وقد عُرِفْتُ عند أهلي وبعض أصدقائي بقدرتي على تثبيت الدش بتلك المنزلة بين المنزلتين، فجلبتْ لي تلك الموهبة متاعب كثيرة بسبب الطلبات التي تنهمر عليّ من معارفي عندما أزورهم في الأعياد والمناسبات، لأعدّل لهم الدش أو لأبحث عن إشارة الجزيرة التي تتغيّر باستمرار لا بسبب أنواء الشتاء وإنّما بسبب رياح الربيع العربي وما رافقها من التشويش على بثّها خوفا من تأثيراتها المسقطة للأنظمة.وكالعادة نجحت في توجيه الدش إلى وجهة أرضاها وصاحت ابنتي الصغرى التي كلّفتها بمراقبة التلفاز معلنة عن نجاح المهمّة فقد ظهرت الصورة واضحة جليّة. فمرحبا بالقنوات الفرنسيّة التي سأهرب إليها كلّما كثر الغمّ والهمّ في قنواتنا العربيّة. وما أكثره خاصّة في نشرات الأخبار التي لا خير فيها. وفي البرامج الحواريّة (الغوغائيّة) التي تنقلب إلى خصومات لا تنتهي بين منفّرين من كلّ شيء ومستنفرين كحمر فرّت من قسورة.وآخر عهدي بالمنفّرين برنامج حواريّ جلبه لي جهاز التحكّم عن بعد وهو يقفز عبر القنوات وأنا في شغل عنها، حتّى وصلت قناة حنبعل في لحظة حاسمة من معركة بين نهضاويّين وعلمانيّين، وكان المتكلّم حينها عياض بن عاشور، الخبير في القانون الدستوري، وقد بدا في حديثه استنفار من مسوّدة الدستور التونسي بسبب ‘الفصول الخطيرة المتعلّقة بالمقدّسات’، والتي تهدّد أكبر مكسب تحقّق بعد الثورة – حرّيّة الفكر والتعبير- ويتمثّل الخطر حسب رأيه في التنصيص على تجريم المساس بالمقدّس لما في ذلك من تهديد للمثقفين وأهل الفنّ كما حدث مرارا بعدوان ‘السلفيّين المنحرفين’. والطريف أنّ خوف بن عاشور على المبدعين لا يتعلّق بمن يعاصرهم بل حتّى بالأموات منهم (ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين)، فقال إنّ دستورا كهذا خطر على بشار بن برد وأبي نوّاس وأبي العلاء المعرّي، فكلّ هؤلاء سيحاسبون!! وتنقّل بن عاشور بين الفضائيات متأبّطا ذلك الرأي، وكانت مصطلحاته في تصريحه لقناة الحوار التونسي أكثر دقّة وجلاء. وقبل الاستماع إليه وكعادة المحرّرين بقناة الحوار التونسي، ورد في مقدّمة الخبر، ما يُـنذر بمصائب كبرى، إذ قالت المذيعة: ‘إنّ الدستور المنتظر يمهّد لدكتاتورية جديدة ويتعارض مع أهداف الثورة’، والحلّ حسب بن عاشور يكمن في قوله: ‘ المقدّسات ليست في حاجة للتنصيص عليها صراحة كمقدّسات لأنّ المسّ بالشعور الجماعي لشعب معيّن أو حساسيّاته الدينية والثقافية يجرّمها القانون الجزائي الحالي’. وهكذا نفهم أنّ للرجل حساسيّة مفرطة من المقدّس عموما، جعلته يتعامل مع المصطلح بحيطة ودقّة حوّلت عبارة ‘المقدسات’ إلى ‘حساسيّات ومشاعر’. ويبدو أنّ ذلك التصريح ، جلب لقناة الحوار التونسي المزيد من الأعداء، ما جعلها تتعرّض لحملات من التشويش على بثها، حسب المذيعة التي أوضحت في نشرة لاحقة أن تلك الانقطاعات أزعجت المشاهدين (وهم بالملايين!)، ما دفع بإدارة القناة إلى تذكير الدولة التونسية بواجبها في حماية المؤسسات الإعلامية العاملة بتونس والسهر على رعاية ذبذباتها من كلّ همّاز لمّاز بعد أن أعلمتها شركة القمر الصناعي بأنّ القناة تتعرّض لتشويش متعمّد من قبل مجهولين.وهكذا قفزت قناة الحوار التونسي التي لا يشاهدها إلاّ عائلات العاملين بها إلى منزلة قناة الجزيرة من حيث الخطورة والقيمة بدليل حملة التشويش على برامجها الرائدة ومهنيتها الفريدة!أما بشار بن برد وأبو نواس وأبو العلاء المعرّي فلا خوف عليهم من الدستور الجديد. ولو كان هؤلاء أحياء يشاهدون معنا بعض ما تبثه فضائياتنا لاختاروا العزلة على مشاهدتها بحسب ما ورد على لسان المعرّي في قوله: ‘ طفت الآفاق ، فإذا الدنيا نفاق ؛ ومللت من مداراة العالم بما يُضمر غيرَ ما يُظهره الفؤاد، فاخترت الوحدة على جليس السوء’.ليلة الهروب إلى القناة الفرنسية الثانيةبسبب ذلك السوء الذي يأتينا من مجالسة الفضائيّات، وبعد أن نجحتُ في وضع الدش بمنزلة بين المنزلتين، نزلت على عجل من السطوح وتوجّهت رأسا إلى التلفزيون، وجعلت أتثبّت من نقاء الصوت والصورة. وشاءت الأقدار أنْ تتزامن مشاهدتي للقناة الفرنسيّة الثانية مع بداية نشرة الأخبار التي لا تشبه نشراتنا العربيّة وتختلف حتّى عن أخبار فرانس 24 لأنّها تتشبّه بغيرها من القنوات الإخباريّة الناطقة بلغة الضاد، فتعالج نفس الأحداث والقضايا ذات العلاقة بشؤوننا وصراعاتنا الدمويّة. على العكس من كلّ ذلك تمنحنا أخبار فرانس 2 جولة منوّعة تتناول الأحداث بدقّة وحياد ونزاهة تعزّز ثقة المشاهد لمتابعتها بانتظام. بدأت النشرة بتغطية لجريمة قتل وقعت في مدينة مرسيليا. وكان عنوان التقرير في صيغة سؤال عن الأسباب التي حوّلت مرسيليا إلى مدينة عنيفة تسيطر عليها العصابات الإجراميّة. وذكر الخبر أنّ النائبة في البرلمان (وهي من أصول عربيّة) طالبت الحكومة بتدخّل الجيش لحماية الناس من دوّامة العنف. وردّ وزير الداخليّة (بهدوء لافت) أنّ ما حدث ليس بالخطورة التي تستوجب ذلك التدخّل. وختم التقرير بأرقام تظهر تنامي الجريمة بالمدينة مع تفسير دقيق لأسباب ازديادها وعلى رأسها البطالة التي تدفع بالشباب إلى الانخراط في عصابات التجارة بالمخدّرات.والمثير حقّا، أنّ قارئ الأخبار لم يكن متأبّطا شرّا أو عبوسا قمطريرا كما يظهر على القارئين في نشراتنا، ولم نر في الخبر الفرنسيّ متطفّلين يطالبون بإسقاط الحكومة الفرنسيّة وسحب الثقة من الرئيس هولاند. ولم نسمع معارضا يطالب بمحاكمة وزير الداخليّة نظرا لتخاذله في القيام بواجبه. بل رأينا تقريرا متوازنا عالج الحدث بدقّة وموضوعيّة. ومرّ إلى التقرير اللاحق دون ثرثرة من محلّل سياسيّ منحاز كما يحدث بانتظام في شاشاتنا حيث يؤتى بهؤلاء المحلّلين ليزيدوا الطين بلّة.وكانت بقيّة التقارير في غاية التنوّع، سافرت بنا إلى اسبانيا للوقوف على أزمتها الاقتصاديّة، ثمّ عادت بنا إلى باريس لتناول العودة المدرسيّة قبل أنْ تُمتِعَ العين بمشاهد من معارض الفنون الجميلة… وانتهت النشرة وليس فيها خبر واحد عن الشأن التونسيّ ما يؤكّد أنّ أوضاعنا طبيعيّة، رغم ما يحدث هذه الأيام من توتّر تغذّيه المعركة المستمرّة بين الحكومة وأجهزة الإعلام.ضعف الطالب والمطلوبالمتابع لتفاصيل المعركة، يلاحظ أنّها تحوّلت إلى نزال بين لطفي زيتون المستشار السياسي للجبالي ونقابة الصحفيين التي تدافع عن كل الإعلاميين بمن فيهم السود، أي الذين تورّطوا في ملفّات الفساد فدخلوا اللائحة السوداء، والجديد في هذا النزال ‘سبق صحفيّ’ كشف عن امتلاك زيتون لقناة الزيتونة. وعندما نفى الوزير المستشار ذلك الخبر نشر الصحفيّون الذين أذاعوه ما قالوا إنّها وثائق رسميّة تثبت تلك الملكيّة. وجاء ردّ زيتون مدوّيا بجمعة دعا فيها أنصار الحكومة لمظاهرة مليونيّة للمطالبة بتطهير الإعلام. غير أنّ الإعلاميّين حقّروا من شأن جمعته ومن خرج فيها فقالت نسمة في خبرها إنّهم عشرات، بينما أحصت الوطنيّة المئات. لكنّ فضاء الفيسبوك فضح القناتين وأثبت بالصورة أنّهم آلاف… ولأنّ الشقين المتنازعين ينطبق عليهما قوله تعالى ‘ضعف الطالب والمطلوب’، فإنّ المعركة بينهما تحوّلت إلى حلقة مفرغة، لا تخلو من صبيانيّات، لذلك سيتأخّر الحسم ‘حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط ‘، وتتحوّل اللائحة السوداء بعد تبييضها إلى قائمة شرفيّة تشبه كتاب غينيس للأرقام القياسيّة. كاتب تونسي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية