بالله عليك قل لي كيف آلت إليه جنتك إلى ما آلت إليه من قحط واصفرار وبُؤس بعدما كان يتغنى بها الداني والقاصي من إخضرار ومحبة وتفاؤل، أكل هذا بسبب انشغالك في أحوال الجنة الأخرى من النهر والتي لم تكن أكثر من قطعة أرض كسائر الأراضي التي تحيط بك. ستقول لي أنها مختلفة وانها سحرتك وأن جمال جنتك قد بدا منقوصاً دون الجنة الأخرى بعد أن تورطت في بحر الحب وخضت حرباً خاسرة مراهناً على صبرك وتفاؤلك وحظك الذي والف أن يرافقك.النساء كالبحر (كما تقول أمك رحمها الله: ما فش عليهم أمان يا ميمتي)، ولكن هيهات لك أن تسمع نصيحة الوالدة أو تجارب الناس من حولك، بل رحت واخترت أمرأة ستسقيك المر، زاعماً أن الذي يريد العسل لا بد أن يصبر على إبر النحل، بدأت تلهث وراء تفاحة آدم مع الشيطان- أم هل كانت هذه المرأة هي الشيطان نفسه- راضياً بالأدنى مقاوماً بشراسة ما امدته لك الدنيا من خير.عرفتها قبل كم عام؟آه الآن أتذكر، قبل عشر سنين صادفت هذا الملاك (كما كنت تحب أن تسميها) من خلال حادث سيارة صغير معها (حتى البداية كانت مأساوية) ومن ثم صحبتها للمشفى لتبدي لها ما تحب دائماً أن تظهره من شهامة، وبدأت هي تتقرب إليك حين وجدت فيك ذالك الرجل الدمث الأخلاق المتواضع الذي يحبه الجميع والذي يتميز بشخصية الأبطال القوية في روايات الأدب العربي القديم الذين لا يخافون من قول الحق ويمدون أيديهم للناس مهما قصرت هذه اليد ولو كان بهم خصاصة (اللعنة على الحب حين يسرق منا أجمل صفاتنا ويترك قلوبنا قاحلة جرداء) بينما كانت هي غارقة في حزن عميق خلّفته لها تربية قاسية وحنان مفقود وعائلة مفككة وزوج غادر ظالم لم يعبأ قط بجمالها وأنوثتها التي أشهد لها بهما، فراحت تجد فيك خلال الأشهر التالية كل ما حُرِمت منه في ثلاثين عاماً. جِئتها في الوقت المناسب لتكون مخلصها وتمنحها صكوك بداية جديدةو أنت ماذا وجدت فيها؟إمرأة فاتنة تحب الحياة وتحافظ على كأس التفاؤل مَليِئاً رغم محاولات الدنيا لملئه باليأس والحزن، كانت تستمع إليك بالساعات والساعات دون أن تدرك كم ساعة انقضت وأنت مستمر في أحاديثك الممتعة التي تَسعَد الناس بسماعها (لكنك حرمتهم منها)، كنت تحب الرقص معها في كل مكان، وإن لم تجدا مكاناً ترقصان فيه، كان قلبك يرقص طرباً بصوتها العذب وملمس جسدها الحريري ورائحته العَبِقة. كنت تقول أنك وجدت جنتك، وتناسيت أنها لم تكن أبداً لك، بل هي قالت لك أنها لن تكون أبداً لك. بدأت تروي جنتك الجديدة وترعاها بكل ما حباك الله به من مشاعر وكرم وجنون وقصص وحماس، ولأنك في النهاية مجرد انسان بقدرات محدودة مهما عظمت وكثرت هذه القدرات، فقد نسيت جنتك الأصلية وحياتك التي ستلاصقك مهما حاولت أن تتناساها أو تهملها. صار ملاكك جنة حقيقية ارتوت من العشق والجنون والتفاؤل ما سيشبعها ثلاثين عاماً قادمة، فامتلأت ونهمت منك حتى أتعبها الشبع، وكما هي عادتك أن تشكر النادل في المطعم بحرارة بعد وجبة شهية قبل أن تهم بالمغادرة مع دفع إكرامية سخية (بقشيش)، ودّعتك هي وشكرتك بحرارة مع قبلة (الإكرامية) على ما قدمتَ لها من وجبة شهية استمرت أربعة أعوام، لتقوم وتكمل حياتها بقوة وحماس وتفاؤل. أين أنت من هذا العطاء الآن يا مجنون العشق. تباً يا رجل كيف لم تفهم بعد أنها أبداً ما كانت لك. ليتك أجهضت هذا العشق (تقول عنه أبدي وأقول عقيم) قبل أن يرى النور مشوهاً وغير مكتمل.ما زالت تحبك؟انصت ودعني أكمل ولاتجبني ولا حتى في الإجابة تفكر.. أنا لا أعرف ولا يهمني أن أعرف ولا أعبأ حقاً بذلك.. ما الفائدة؟ستة أعوام من العزلة مضت، وها أنت لجنتك التي صارت خراباً قد عدت، لا تدري من أين تبدأ، أ تجلس وتبكي أطلالها عَلّ دموعك ترويها فتعود جنة، أم هل تذهب بعيونك وقلبك بعيدأً للجنة التي خلقتها أنت والتي لا حق لك حتى في النظر إليها دعك من أن تذهب لتراها. علمتني الدنيا أنه- كما قالوا- ما يكسرك يجعلك أقوى. وأنت صنعتَ بيديك جنتين، واحدة كانت لك والثانية كانت للأخرى (و كم صليت لك لتضمهما معاً وتكون الأخرى لك)، فلا شك أنك قادر على أن تبني ثالثة تكون أجمل وأخضر وأكثر تفرداً من سابقتيها، ما عليك إلا أن تقف على قدميك وتبدأ في زرعها وريّها بما منّ الله عليك من علم وحب وحماس حدّ الجنون حتى تعود لما عهدناه منك كبطل خيالي في قصص الأطفال التي كنت الأكثر تميزاً في تأليفها وروايتها لأطفالنا. يكفيك بكاءً على اللبن المسكوب فأنت لست بشاربه.. بل شاربه هناك مع ملاكك في الجنة الأخرى.أعرف، أعرف، لقد نكأتُ جرحك، وضيقت عليك، تعلم أني لا أعرف متى أغلق فمي، لكني وكثيرين بانتظار عودتك إلينا، لقد اشتقنا لك يا رجل وقد آن الأوان لصديقنا الأكثر تميزاً، أن يعود الأكثر تميزاً.محمد سعيد- الجزائر[email protected]