رشاد أبو شاورهذه أول مرّة أحاجج فيها زميلاً، قديما، أو طارئا، من كتّاب القدس العربي، في وجهة نظره.ولأن القدس العربي ليست صحيفة حزبية، ولأنها لا توجه من أحد، ولأن كتابها يكتبون من رؤوسهم، فإن مساحات الاختلاف موجودة، وهذا ما يجعل الصحيفة مكانا لآراء متباينة، بل وأحيانا متناقضة، وهذا هو الطبيعي، وهو ما يتيح للقارئ أن يغني وجهة نظره، وهذا ما يتجلى في كثير من رسائل القراء، وتعليقاتهم على المقالات، حتى إن بعض القراء صاروا معروفين لقراء لتعبيرهم عن وجهات نظرهم باستمرار.هناك اختلافات بينة بين كتاب القدس العربي حول الموضوع السوري، وما هو بغريب أن يصل هذا الخلاف إلى تيارات سياسية يفترض أنها موحدة الرؤية، والموقف.هناك يساريون، وماركسيون، وشيوعيون، وقوميون، ومتدينون، ومستقلون، باتت وجهات نظرهم متباعدة، ومتناقضة بحدة في الموضوع السوري.ينطلق بعضهم من أن النظام يجب أ(ينصرف)، وبعضهم يقول بغضب: (يتغوّر في ستين داهية) ..فهل هذا موقف سياسي؟ وهل هذه وجهة نظر؟ وهل هذا فكر يبني عليه، ويكون مقدمة لاتخاذ موقف صحيح في قضية تمس وجود الأمة كلها، وليس سورية وحدها؟!ثمة كتاب لا أتوقف عندهم، فهم اختاروا أن يكونوا دائما في موقع معاداة الأمة، والمقاومة، لأنهم يرتزقون من مواقع عملهم التي اختاروها واختارتهم، وهي ممولة نفطيا.ولكن، هناك كتاب لهم قدرهم وقيمتهم، وهم في الموقع القومي، ومع حرية شعوب الأمة، وتعرضوا للقمع، والظلم، أي دفعوا ثمن خياراتهم، ولذا فمن موقع التقدير لهم، نسمح لأنفسنا بأن نختلف معهم، ولا أحسب أن انتماءنا لنفس التيار يفرض علينا أن نشيع اختلافاتنا، وتبايناتنا الصغيرة والكبيرة.من مزايا التيار الناصري أنه لا يقيد المنتمي له بإطار حزبي صارم، وبطاعة عمياء، وبالخضوع لرأي القيادة دون نقاش، ولذا فثمة تيارات ناصرية فيها اليساري التقدمي، والناصري الأقرب إلى اليمين، والناصري العروبي، والناصري المتدين البعيد عن التيارات الإسلامية السياسية، بل والمتناقض معها، كونه يؤمن بوحدة الأمة العربية.بناء على ما تقدم وجدتني بعد قراءة مقالة الأستاذ عبد الحليم قنديل، المنشور يوم الاثنين 3 أيلول الجاري، مختلفا معه، فهو ساق في مقالته ما لا ينطبق على الواقع السوري، لا سيما ما يجري حاليا من صراع مسلح، وما لا ينسجم مع خطابه القومي الناصري.يكتب الأخ قنديل: وحول هدف بقائه _ يقصد الرئيس الأسد_ إلى معركة طائفيه شرسة، يستند فيها إلى قاعدة طائفية ضيقة، وتستهدف إفناء السنة السوريين، وهم عماد التكوين السوري متعدد الطوائف، ويشكلون ما يصل إلى ثمانين بالمئة من أهل سورية…ما كتبه الأخ قنديل عن استناد النظام، والرئيس السوري، إلى قاعدة طائفية، يبرر الحرب الطائفية في سورية، التي تخوضها المجموعات التي تنقل من اليمن، والسودان، والشيشان، وليبيا، ومن بريطانيا نفسها، ويدفع بها إلى سورية عبر تركيا، وبحجة الدفاع عن (الطائفة) السنية، طائفة الأكثرية!واضح أن أخي قنديل لا يعرف أن أكثر من عانوا في سورية ينتمون إلى الطائفة العلوية _ آسف لاستخدامي مصطلح طائفي _ لأنهم الأكثر فقرا في سورية، ولأنهم غالبا ينتمون سياسيا إلى تيارات سياسية بعضها راديكالي شديد التطرف.وأخي قنديل ربما يجهل أن أخوة لنا ناصريين قضوا سنوات في السجون، ومنهم الصديق حبيب عيسى المحامي، والكاتب، والمناضل، صاحب الكتاب الجريء (النداء الأخير للحرية).. لست أنسى معاناة الدكتور عارف دليلة، وكثيرين غيره…الطائفة العلوية ليست القاعدة التي يستند إليها الحكم في سورية، والجيش السوري ليس جيش الطائفة العلوية، والتجار المنتفعون من النظام ليسوا علويين، بل هم سنة تحالفوا مع النظام منذ الأيام الأولى للحركة التصحيحية عام 1971.كيف لكاتب مثلك ناصري، وقومي، وعروبي، يا أخي، أن يتحدث عن (إفناء) السنّة؟ كيف لكاتب مثلك ناصري أن يتحدث عن سنّة وعلويين، ونسب سكان؟!أنسيت أننا ننتمي لأمة، وأن الأمة هي الأهم، والأكبر من الطوائف؟ألا يبرر كلامك هذا لمن سرقوا العراق، وتحالفوا مع الأمريكان، أن يدعوا بأنهم أكثرية شيعية مظلومة، وأن هذا يبرر لهم الاستقلال عن الأمة؟!أليس مواطنو ما يسمى بالمملكة السعودية سنّة؟! فما هو الحكم هناك؟ أهو تقدمي، ديمقراطي، ثوري، عروبي، حداثي؟! أم أن النظام هناك هو الذي تآمر على جمال عبد الناصر، وحاربه (بإسلام) نفطي وضع في خدمة مخططات أمريكا؟!بالمناسبة: أليس حسني مبارك سني؟ و..السادات الذي مزّق الأمة بكامب ديفد، أليس سنيا؟ هل سني تعني مقاوم، وديمقراطي، ووحدوي، وعروبي؟!تتحدث عن (عماد التكوين) في سورية!..أي تكوين يا أخي؟! بالولادة..أم بالعدد؟! تكتب يا أخي عبد الحليم: وإذا توقف العنف، وبقرار حاسم من جانب الجماعات المسلحة المنتمية حقا لقضية الثورة، لو حدث هذا فسوف تعود الثورة إلى خطتها السلمية المتفوقة أخلاقيا…جيد، أتفق معك، وهذه الفقرة تعني أن الثورة السلمية المتفوقة أخلاقيا، قد حرفت عن طريقها، وأن ترك السلاح سيعيد الثورة السلمية إلى طريقها، وهذا ما كتبناه، ونبهنا له مبكرا، عندما حذرنا من اللجوء للسلاح.لكن، أود أن أسألك يا أخي: هل من يحملون السلاح، وباتوا جيوشا، ولواءات، وفيالق، ناهيك عن من يزحفون يوميا بعناية ورعاية وتوجيه جهات معلومة، ويتدفقون إلى سورية، معلنين الجهاد لرفع راية الخلافة، سيتوقفون عن إشعال النيران في سورية؟!ّوأسألك: هل من يسلحون ويمولون سلحوا ومولوا حتى يتوقف القتال يوما ما، ويتم اللجوء للتفاوض والحوار؟!يعني بفصيح الكلام: هل السعودية، وقطر، ومن فوق رأسهما أمريكا ستسمح لمن تسلحهم وتمولهم، وتنقلهم عبر تركيا بالحوار مع نظام الحكم في سورية؟!القرار ليس في أيدي المسلحين، وجنرالاتهم الذين يظهرون على الفضائيات يوميا يرددون أنهم لن يقبلوا بأقل من إسقاط النظام، وأنه لا حوار مع هذا النظام أبدا، وهو ما يعني أن الاقتتال سيستمر إلى أن تنهار سورية تماما، ويتمزق شعبها!طبعا، هناك في سورية معارضة سلمية، تدعو للحوار، ولا تتخلى عن مطالب الشعب السوري المحقة…هناك معارضة سلمية وطنية وتقدمية تعلن رفض وإدانة التدخل السعودي والقطري في الشأن السوري، وترفض التدخل الخارجي النيتوي، وهذا يتناقض مع الدعوات المحمومة للمجلس الوطني، والجيش الحر، والأخوان المسلمين.صبيحة هذا اليوم التقيت بالصديق الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد، المقيم في عمّان منذ ما بعد احتلال بغداد، وتشبعنا في الحديث، واستذكرنا أصدقاء لنا في سورية، فاخبرني بحزن أن الشاعر عبد الكريم الناعم غادر حمص عائدا إلى ضيعته، نجاة بنفسه ممن يقتلون على الهوية. وأضاف حميد: تصور! لم يكن يخطر ببالي أن أسال عبد الكريم الناعم من أي طائفة هو! نعم، الشاعر العروبي، المؤمن بعروبة فلسطين..التقدمي، الديمقراطي، هرب من وجه الموت بعد خمسين سنة قضاها في حمص..لأنه علوي!هل هذا هو المشروع الديمقراطي الحضاري التقدمي الذي يتصدى لنظام الحكم في سورية؟!ختاما: ناصريتنا يجب أن تدفعنا للبحث عن حلول تساعد سورية، وشعبها العربي الأصيل، على الخروج من المحرقة الأمريكية النفطية، بحيث تعود سورية قلب العروبة النابض…