كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’ : حملت حكومة عبد المالك سلال الجديدة في الجزائر خيبات أمل أكثر مما حملت من مفاجآت ‘سعيدة’ على اعتبار أن هذه الحكومة التي طال انتظارها لأكثر من أربعة أشهر، كرست الوضع القائم بالإبقاء على وزراء السيادة في أماكنهم، ولم تحمل الكثير من الوجوه الجديدة، حتى وإن كان الإعلان عن مغادرة بعض الوجوه خبرا سعيدا بالنسبة للكثير من الجزائريين.وكشفت التشكيلة الحكومية الجديدة التي تم الإعلان عنها رسميا ليلة أمس الأول عن بقاء 17 وزيرا في مناصبهم، وخاصة بالنسبة لوزراء السيادة، أي الداخلية والخارجية والمالية والدفاع والطاقة، عدا وزارة العدل التي كانت أصلا بدون وزير منذ عدة أشهر بعد تعيين وزير العدل السابق الطيب بلعيز كرئيس للمجلس الدستوري، وتم تعويضه بمحمد شرفي الذي سبق له أن شغل منصب وزير العدل حافظ الأختام، كما تم الاحتفائظ بوزيرة الثقافة خليدة تومي ووزير المجاهدين محمد الشريف عباس، ووزير الشؤون الدينية بو عبد الله غلام الله.وانتقل ثلاث وزراء كانوا ضمن حكومة أويحيى إلى وزارات أخرى، فالشريف رحماني انتقل من البيئة إلى الصناعة، ومحمد بن مرادي من الصناعة إلى السياحة، وسعاد بن جاب الله من البحث العلمي إلى التضامن.أما قائمة المغادرين، فحملت بعض المفاجآت الصغيرة، مثل الاستغناء عن خدمات كل من نور الدين يزيد زرهوني الذي كان يشغل منصب نائب رئيس وزراء دون صلاحيات، وعبد العزيز بلخادم الذي كان يشغل منصب وزير الدولة الممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة، والذين لم يشر إليهم ولا إلى مصيرهم بيان رئاسة الجمهورية لا من قريب ولا من بعيد، وحتى أحمد أويحيى رئيس الوزراء السابق الذي تردد أنه سيشغل منصب وزير الخارجية تم الاستغناء عن خدماته، إضافة إلى أبو بكر بوزيد وزير التعليم الذي قضى أكثر من 17 سنة داخل الحكومة، والذي كان يوصف بعميد الوزراء، وكذا الوزير جمال ولد عباس الذي كان محسوبا على الرئيس بوتفليقة. والتحق بالحكومة وزراء جدد أبرزهم محمد السعيد المرشح السابق لانتخابات الرئاسة لعام 2009، والذي أسس حزب الحرية والعدالة، وكان مفاجئا أن يتولى محمد السعيد وزارة الإعلام في الحكومة الجديدة، وكذا بلقاسم ساحلي الأمين العام لحزب التحالف الجمهوري، وهو حزب صغير أسسه رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك، وكان قاب قوسين أو أدنى من الاختفاء، وقد عين ساحلي كوزير منتدب لدى وزير الخارجية مكلفا بالجالية. وشهدت الحكومة الجديدة عودة بعض الوجوه التي سبق لها أن تولت مهاما وزارية، فإذا كان الأمر يمكن تفهمه بالنسبة لبعض الوزراء السابقين الذين عادوا من الباب الواسع، مثل عمارة بن يونس الذي سبق له أن تولى منصب وزير الصحة ثم الأشغال العمومية في أول حكومة شكلها بوتفليقة في عام 1999، ثم انسحب مع وزراء حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض، إلا أنه انشق وأسس حزبا تأخرت السلطات كثيرا في اعتماده، لكنه على الرغم من ذلك كان ضمن فريق الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة في انتخابات الرئاسة لعامي 2004 و2009، كما عاد عبد العزيز زياري رئيس البرلمان السابق ليشغل منصبا وزاريا بتعيينه على رأس وزارة الصحة. من جهة أخرى فإن عودة الوزير السابق للسكن عبد المجيد تبون إلى نفس المنصب تبقى لغزا، علما وأن هذا الأخير كان يبدو خارج ‘دكة احتياط’ الجمهورية! كما فاجئ مصطفى بن بادة وزير التجارة الجميع بالبقاء في منصبه، وهذا رغم أن الحزب الذي ينتمي إليه، وهو حركة مجتمع السلم قرر مقاطعة الحكومة وسحب وزرائه، وإذا كان الوزير عمار غول تمرد على قرار الحركة وانشق عنها، وأسس حزبا من أجل البقاء في الحكومة، إلا أن بن بادة فاجئ الجميع بقبول عرض الرئيس بوتفليقة، ووضع قيادة إخوان الجزائر في مأزق جديد.الخاسر الأكبرويمكن القول أن عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى هما أكبر الخاسرين في التغيير الحكومي الأخير، فالأول كان يطمح ‘ سرا’ في تولي منصب الوزير الأول، بالنظر إلى الأغلبية التي حصدها حزبه في الانتخابات التشريعية الاخيرة، حتى وإن كان يردد على الملأ أن الرئيس حر في تعيين من يشاء على رأس الحكومة، وأنه ليس بالضرورة أن يكون من الأغلبية، ولكنه كان يردد هذا الكلام خوفا وطمعا لا أكثر ولا أقل، في حين أنه كــان يحترق شوقا لسماع اسمه كوزير أول خلفا لأويحيى الذي سبق أن خلفــه في هذا المنصب عام 2008.وقد نقل مقربون من بلخادم أن هذا الأخير أصيب بخيبة أمل كبيرة، فور سماعه نبأ تعيين سلال كوزير، ولا يمكن إلا أن نتذكر أن بلخادم عندما عين رئيساً للحكومة في 2008، لم يجد ما يقوله إلا أنه مجرد منسق لأعمال الحكومة، مع أنه كان رئيساً للحكومة بصلاحيات واسعة!بلخادم الذي كان في كل حكومات بوتفليقة منذ سنة 2000، من وزير للخارجية إلى وزير دولة، ورئيس حكومة، تصور أنه سيحافظ في أسوأ الأحوال سيحافظ على منصبه كممثل شخصي للرئيس بوتفليقة، وهو منصب فخري أكثر منه فعلي، لكنه كان يضمن له حصانة ضد محاولات الانقلاب عليه داخل حزب جبهة التحرير الوطني، والتي تمكن في وقت سابق من الصمود أمامها، بلعب ورقة الرئيس، والتي سيكون من الصعب عليه لعبها مستقبلا!من جهته يوجد أحمد أويحيى في وضع لا يقل صعوبة، فهو يواجه حركة تصحيحية تقودها قيادات في حزب التجمع الوطني الديمقراطي قررت التمرد عليه وعلى طريقة تسييره للحزب، يتقدمهم الطيب زيتوني رئيس بلدية الجزائر الوسطى، هذه الحركة التي لم تستطع إلى وقت قريب زعزعة أويحيى ستجد في إبعاده عن الجهاز التنفيذي، وبطريقة لم يهضمها هو ومحيطه، فرصة جديدة لإزاحته من قيادة الحزب، وقد قرأ خصوم أويحيى الاستغناء عن خدماته بأنه رفع لغطاء الحماية، بما سيرفع عنهم أي حرج كان يمنعهم من الذهاب إلى نهاية مسعاهم.مسألة أخرى أفرزها التغيير الحكومي، وتتمثل في التحالف الرئاسي، الذي يمكن ان نضع عدة علامات استفهام فوقه، فما معنى هذا التحالف، وقادته الآن أصبحوا خارج معادلة الجهاز التنفيذي، وهذا يأتي أيضا بعد انسحاب حركة مجتمع السلم ( تيار إسلامي) من التحالف في وقت سابق، فهل يستطيع بلخادم وأويحيى مواجهة الأعاصير التي تنتظرهما في حزبيهما، حتى يواصلا في تحالف ولد أعرجا وهو الآن يحتضر، ولم يبق أمام أصحابه سوى إعلان موته رسميا بعد أن مات إكلينيكيا؟!