الكتابة الإبداعية: من ريشة الأوزّ… إلى العقل الإلكتروني

حجم الخط
0

الكتابة الإبداعية: من ريشة الأوزّ… إلى العقل الإلكتروني الكتابة الإبداعية: من ريشة الأوزّ… إلى العقل الإلكتروني غرناطة – من محمّد محمّد الخطّابي: الكتابة نظام للتواصل الإنساني بواسطة علامات إصطلاحية معيّنة مرئية،هذه العلامات هي ذات أهمية قصوى وانتشارها لا يحتّم علينا العودة إلى الكتابة التي كانت تستعمل في فترة ما قبل التاريخ، أو في الكتابات الهيروغليفية، بمعنى أنّنا نستعملها دون أن نبرح دورنا أو منازلنا، إنّه لأمر يبعث على الإعجاب أن نتخيّل العملية العضوية للكتابة في حدّ ذاتها التي ظلّت كما كانت عليه منذ ما ينيف على ألفي سنة.تشير عالمة الحفريات الإسبانية ‘إليسّا رويث’ أنّ شاعرا رومانيا يسمّى ‘مارثيال’ الذي عاش في القرن الميلادي الأوّل أنه كان يحصي من حاجيات الكاتب مواد مثل: المحّارة، الإسفنج، المبرد،وذلك لإعداد العناصرأو الأدوات التي كان يستعملها حتى يتسنّى له أن يمحي، ويصلح، ويشطب. الوسائل المستعملة لتخطيط رسم هذه العلامات هي اليراع، أو القلم، أو الجلم أو الريشة التقليدية القديمة.وأمّا العناصر التي كانت تستعمل في الكتابة فهي: ورق البردى، والجلود، والرقّ أو (الورق المهرق). ويصف عملية الكتابة أنها عملية شاقة وصعبة ومضنية، وهذا ما يفسّر وجود ‘ نسّاخ’ إلى جانب كل كاتب كبير معروف حيث كان ينسخ له ما كان يكتبه أو يملي عليه نصوصه.ورق مهرق…كتابة سهلةيؤكد المؤرّخون والباحثون في هذا المجال أنّه في حوالى(1100م) وصلت صناعة الورق إلى إسبانيا، وذلك عندما أدخلها العرب لأوّل مرّة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية .ويصف ‘داهل سفينر’ الورق في كتابه ‘تاريخ الكتاب’: ‘أنه مادة صالحة للكتابة كان رخيصا وأحسن من ورق البردى أو من الورق المهرق’، ويشير أنّ ‘الورق’ هو من اختراع ‘تساي لون’ من الصّين عام (105) من التاريخ الميلادي. وقد احتفظ الصّينيون بسرّ هذا الاختراع لمدّة سبعة قرون حتى أمكن للعرب انتزاعه منهم في أواسط القرن الثامن الميلادي.إنّ مواد الكتابة ما تزال على ما كانت عليه باستثناء بعض التغيّرات أو التحسّنات التي طرأت على نوعية هذه المواد أو سهولة الكتابة أو جماليتها،حيث أصبح هناك ورق أكثر صقلا من ذي قبل، وأصبحت هناك أقلام ميسّرة إلى أن نصل إلى أقلام الحبر أو الأقلام الجافة التي استغنت عن الدواة أو المحبرة، وأعطت للقلم إستقلالا ومرونة وسهولة ويسرا في الإستعمال، ثم إنّ اختراع القلم ‘الفيتر’ أو ‘البيل’ أو ‘الإستيلو’ يعدّ ثورة هائلة في عالم الكتابة.وفي عام (1714) حصل ‘هنري ميل’ على إذن في بريطانيا العظمى لصنع راقنة للكتابة، هذا الإختراع جاء نتيجة منطقية لاستنباط الطباعة ذات الأحرف المتحرّكة. وبعد محاولات متعدّدة أخرج ‘كريستوفر سكولر’ عام (1868)أوّل طابعة أو طباعة عملية، ثم في (1873 ) بدأ يظهر أوّل نوع تجاري من هذه الراقنات.وبعد سلسلة من التحسّنات والإضافات أيّ في عام (1930)’ إ. ب. م’تخرج للسّوق أوّل راقنة للكتابة الكهربائية. وفي (1981) تخرج نفس الدار ما يعرف بـ:’ ب .س ‘ (أوالكومبيوتر الشخصي) الذي سيصبح فيما بعد صالحا في العالم أجمع للعقول الإلكترونية الشخصية.وفي هذه المرحلة بدأت تظهر ما يسمّى بالكتابة الإلكترونية حيث سيصل هذا النوع من التطوّر في الكتابة مداه في الحاسوبات في زمن لا يتعدّى القرن الواحد. بين سيرفانتيس وغارسيا ماركيزإنّ ظهور هذه الوسائل الجديدة المتطوّرة للكتابة سوف يؤدّي بشكل أو بآخر الى تغيير ميكانيكية عملية الخلق الأدبي، بمعنى أنّ كاتبا عالميا مثل ‘ميغيل دي سيرفانتيس’ (لنضرب مثالا لذلك) المعروف باقتصاده المذبذب، وشدّة تقتيره ،لم يكن في إمكانه تكليف ناسخ ليساعده، إذن فلابدّ أنّه بذل من الجهد والعناء ما لا يخطر لنا على بال عند كتابته لرائعته العالمية المطوّلة: ‘ دون كيشوت’. وكمثال من عصرنا فإنّ الكاتب الكولومبي الكبير ‘غابرييل غارسيا ماركيز’، الذي جرّب في أعماله الأدبية إنتقال عملية الكتابة من ‘القلم’ إلى ‘الآلة الكاتبة’ ثمّ أخيرا الى ‘العقل الالكتروني’، إلى أيّ حدّ كانت هذه التجربة ذات جدوى أو ذات سوء وضرر بالنسبة لعملية الإبداع الأدبي لدى الكاتب؟إنّه لمن الصعب معرفة ذلك، لأنّ عملية الكتابة إنّما هي تشكّل عنصرا واحدا من عناصر متعدّدة في الخلق الأدبي، إلاّ انّ الكاتب غارسيا ماركيز نفسه يزيح عنّا هذه الشكوك عندما يقول في أحد تصريحاته في هذا القبيل: ‘الكتابة في العقل الإلكتروني تشبه إلى حدّ بعيد عملية الكتابة الأولى باليد لأنّه يمكن لك أن تزيل ما تريد، أن تشطب أو تضيف..الخ، وفي الواقع إنّ أحسن إختراع للكاتب هو العقل الالكتروني، لو كنت أملكه منذ عشرين سنة لكان عندي ضعف ما لديّ من الكتب الآن’.ويبدو واضحا أنّ روايات الكاتب غارسيا ماركيز مثل ‘الحبّ في زمن الكوليرا’ و’الجنرال في متاهته’ أو ‘مائة سنة من العزلة ‘وسواها من رواياته الأخرى، على الرّغم من حصوله على جائزة نوبل العالمية في الآداب(1982) فإنّ معظم رواياته الأخيرة كلّها قد مرّت عبر دهاليز وأسلاك وعناكب العقل الإلكتروني، وهي روايات جيّدة مثل سابقاتها* .ولا شكّ أن هناك كتّابا آخرين كثيرين جعلوا من العقل الإلكتروني وسيلة للتعبيرالأدبي والكتابة والذين يعترفون أنّ الكتابة بواسطة العقل الإلكتروني هي أكثر يسرا لأنّ الكاتب لم يعد يحتاج الى عدّة مسوّدات، وإعادات وتصحيحات مضنية ..إلخ، فضلا عن إختصاره أو تقليصه للوقت، فإنّ ثلاثين صفحة التي كان يحتاج الى شهرأو أكثر لكتابتها، أصبح يكتبها في غضون أسبوع، وما كان يدوم يوما، أصبح لا يستغرق سوى ساعة واحدة.محو، إضافة، تصحيحلقد أصبح في متناول الجميع الآن القيام بعملية إستخدام العقل الالكتروني للكتابة ليس فقط في مجال الخلق الأدبي وحسب، بل في مختلف ميادين الفكر، والعلوم، والإقتصاد، والصحافة..إلخ فبمجرّد أن تدوس على زرّ، تستطيع أن تفعل ما يحلو لك : محو، شطب، إضافة، إلصاق ، نقل، تصحيح، توضيح، تحميل، تركيز، تصغير، تكبير، كتابة فهرسة، رسوم بيانية، صور، وغيرها من المستجدّات التي تطرحها لنا التكنولوجيا الحديثة المتطوّرة المذهلة التي أصبحت العقول البشرية تحارمنها ومعها وتتعجّب .والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المجال:هل يحسن العقل الإلكتروني عملية الكتابة ؟ذلك أنّ القول بأنّ كاتبا يمكن أن يصحّح بسرعة، ويكتب من جديد ليس معناه أنّه بالضرورة كاتب جيّد، بل إنّ ذلك قد يضرّ بوتيرة الكتابة، ويسيء بالتالي إلى عملية الخلق الأدبي، وإنّ تصريحات غابرييل غارسيا ماركيز السابقة التي يشير فيها أنّه لو كان يتوفّر على هذه الآلة من قبل لكتب ضعف ما لديه من الكتب الآن تدفعنا الى طرح تساؤل من نوع آخر وهو: وهل ستكون هذه الأعمال جيّدة كذلك بشكل مضاعف ؟ ذلك أنّ الكتابة بسرعة لا تعني بالضرورة ضمان الجودة. ورحم الله أبا الطيّب المتنبّي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، والذي لم يكن يحتاج من هذه الأمور جميعا سوى إلى جلمه الأعلى، ويراعه وقرطاسه، ليخلّف لنا تلك الروائع الخالدة التي ما فتئت تلوكها الألسن، وتردّدها الشفاه، ويتلقّفها عاشقو الشعر والأدب والكلمة البليغة من جيل إلى جيل، ألم يؤكّد لنا ذلك في بيتيه الرائعين اللذين طبّقت شهرتهما الآفاق وهما : أنا من نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممالخيل والليل والبيداء تعرفني والسّيف والرّمح والقرطاس والقلم(أنظر دراسة مطوّلة لي حول هذا الكاتب والمدرجة في كتابي: ‘ذاكرة الحلم والوشم'(قراءات في الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر، ص 163 الناشر:’إياديف’ للطباعة والنشر، الرباط 2005(.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية