الاستشراق.. وإعادة اكتشاف عوالم الصحراء روائيّاًهيثم حسينتتساءل الروائيّة السوريّة لينا هويان الحسن في مستهلّ روايتها ‘سلطانات الرمل’ الصادرة حديثاً، سؤال العارف: ‘كيف أجعل البادية التي هي أخت الصحراء مقروءة مطبوعة في سطور منتظمة وأوراق ناعمة.. ؟!’. ثمّ تخبر في نهاية الاستهلال نفسه قائلة: ‘أغافل النسيان في رواحه ومجيئه وأندسّ بين بضع خرافات، مع الزمن، ستكفي لأن تكسو جسدها بحراشف الأسطورة’. تستكمل لينا في روايتها ما دأبت على خوض غماره من مواضيع متعلّقة بالصحراء، تتقدّم بخطى واثقة في عالم الرواية، هي التي انتقت لرواياتها الغوص في عوالم الصحراء التي تبدو قاسية على المرأة، ولا سيّما أنّها تناقض طبيعتها الهادئة، المدنيّة. يتبدّى ولع الكاتبة بالصحراء، وأساطيرها وخرافاتها، وهي ‘ذلك المكان الذي اختلسه الأدباء ليحرّكوا عليه أبطال قصصهم الرومانسيّة، زارها الجواسيس ليعرف التاريخ شيئاً اسمه الاستشراق، وللأنبياء سيرة أخرى مع الصحارى: إنّه الوحي.’. (ص35). تبدو متمرّسة في طقوسها وعاداتها وتقاليدها، تصف البدو كأنّها جاءت لتوّها من خيمة منصوبة على تخوم المدينة، ثمّ تكمن مقدرتها في تنويع الأمكنة والتدقيق في الوصف، نقرؤها تصف البحر فتكشف عن أغواره وتأثيراته في الأنفس، كما تصف المدن وفعلها في الناس.. هي بذلك تجمع المتناقضات، عبر اللغة الروائيّة، عبر شخصيّاتها الروائيّة، تتحكّم بخيوطها، تحبك العقد على بعضها، تتوالد القصص من بعضها، بطريقة تذكّر بسرد إيزابيل الليندي وهي تسرد قصص نساء عائلتها وتحديداً في ‘بيت الأرواح’، كما أنّها تذكّر برائعة ماركيز ‘مائة عام من العزلة’، من حيث الأسماء وتكرارها عبر الأجيال المتعاقبة، إذ تعاود الدائرة الانغلاق على ما كانت قد بدأته، تقدّم سِفراً بالأسماء، تمهّد لها، ذلك أنّ الشخصيّات تتوارث الإرث الثقيل، إضافة إلى الماضي المشبع بالقصص والمآسي والهزائم، عبر تنقّل بين جغرافيّات متعدّدة متنوّعة.. تعود إلى النقطة المركزيّة التي تدور حولها، وهي الصحراء بكلّ ويلاتها وكوارثها، وأمجادها وبطولاتها.. تقسّم الكاتبة روايتها إلى جزءين، وكلّ جزء إلى عدد من الفصول، تركّز في الجزء الأوّل على قصص نساء شكّلن علامات فارقة في تاريخ الصحراء، أثّرن على العشائر، كان جمال بعضهنّ مدمّراً، كما كان طيش بعضهنّ الآخر كارثيّاً ومؤلماً، تقود المرأة في هذا الجزء مجريات الأحداث، يبقى الرجل في الخلفيّة، يكون مسيَّراً بحكمها، مقوداً بمشيئتها، منساقاً لغرورها وجنونها وعشقها، مطواعاً لأمرها، ومن تلك النسوة اللواتي اعتبرن صانعات لتاريخ معلوم بقدر ما هو متجاهَل: حمرا الموت، مراية، عنقا، منوى، سكرى، فكرى، بوران، أبريز، معزّز، ولكلّ واحدة قصّتها المختلفة عن الأخريات، يتسلسلن عبر الزمن، يشمن الصحراء بأسمائهنّ، فنجد ‘مراية’ تنقضّ على قاتل أخيها وتقتصّ منه في مجلس الرجال، كما نجد أخرى تحضر الغارات والثارات والغزوات والمعارك، تدهن الفارّين بدمغة العار، تزيد حماسة رجال العشيرة.. وفي الجزء الثاني، تقدّم سيرة محاذية، سيرة موازية، تقدّم الرجال على النساء، يتقدّم الرجال المنحدرون من نسل السلطانات إلى الواجهة، في حين تتراجع النساء إلى الخلفيّة، يتحكّم الرجال بزمام الأمور، في حين تبقى المرأة المسيّرة الفعليّة، وراسمة المصائر دوماً. هناك شخصيّات: لورنس، راكان، طراد… وغيرهم كثيرون، تتشعّب القصص، ينتقل الأبطال عبر الزمن، يتناسلون من الآباء إلى الأبناء، يروون حكايات مريرة، وأخرى سعيدة، ينسكنون بهاجس ووسواس اسمه الصحراء، لا يستطيعون منه فكاكاً ولا يريدون ذلك.. تختصر الكاتبة مدّة زمنيّة تتجاوز القرنين، تسرد السيَر المتجاهَلة، تغضّ الطرف عن الأحداث العظمى التي غيّرت مجرى التاريخ، كما غيّرت ملامح الجغرافيا.. تنقل الكاتبة السرد من شخصيّة إلى أخرى، تنوّع في الأساليب، فتارة تروي امرأة، وتارة أخرى رجل، ثمّ نجد الراوي يبادل السرد مع الراوية، وذلك مرفوق بثيمة ظلّت متواجدة على مدار صفحات الرواية، وهي الاستعانة بالوثيقة التاريخيّة.. وهذا بدوره يطرح العديد من الأسئلة حول الرواية والتاريخ، إذ أنّ الكاتبة جيّرت ما كتب عن المنطقة من أدبيّات الشرق أو الغرب، جعلته متَّكَأً لبعض الفصول التي انطلقت شرارتها منها، أو عادت إليها، ومن أولئك الذين اقتبست الكاتبة منهم، أو استهلّت بهم، أو استشهدت بمقولاتهم: ولفريد تسيغر أكثر من غيره، والليدي آن بلنت، أوبنهايم، ويليام ب. سيبروك، الأمير أمين رسلان، وغيرهم كثيرون.. وقد احتضنت الرواية النصّ التاريخيّ، وانبنت عليه، وأصبح مكوّناً رئيسياً من مكوّناتها، علاوة على إضفائه الواقعيّة والمصداقيّة على الكثير من الأحداث والشخصيّات، ولا سيّما أنّ الكاتبة قد أثبتت أسماء العشائر والشخصيّات الحقيقيّة لا المتخيّلة، وجعلتها شخصيّات روائيّة، انطلقت من وقائع وحوادث تاريخيّة، لتسدّ الفجوات عبر السرد الروائيّ، مرتحلة بين الأمكنة، ناقلة أجواء باتت غرائبيّة في زمننا الراهن.. تظهر الكاتبة خبيرة في عادات وأعراف الصحراء، المستنكر والمحمود فيها، كما بدت خبيرة في الخيول، وذلك في الفصل الذي خصّصته للحديث بالتفصيل عن الخيول العربيّة، وعن طبيعة تربيتها وحياتها، ثمّ في فصل لاحق خصّصته للحديث عن الصقور، كانت كأيّ صيّاد قضى سنوات في الصيد، أسهبت في شرح وتفصيل طرق صيد الصقور، والكيفيّات التي تتمّ بها، وذلك عن طريق شخصيّاتها التي انتقلت إلى صحارى منغوليا في رحلات الصيد.. ثمّ أنّها في تنقّلها بين الفصول، كانت تنوّع وتغيّر في الجغرافيّات، فقد نوّعت فيها أيضاً، من الصحراء إلى المدينة، من حماة إلى دمشق إلى بيروت، إلى أوروبا، إلى منغوليا، فحلب.. وعودة إلى بوادي الشام والعراق، وهكذا نعثر على طبوغرافيّة غرائبيّة تحاكي الغرائبيّة الساحرة في الشخصيّات، أي أنّ العوالم الداخليّة للشخصيّات كانت صورة عن العوالم الخارجيّة لأماكن ترحالها.. السارد الرئيسي في الجزء الثاني طراد، ينتقل من طارد لحكايات دفينة، إلى مطرود وملاحق بلعنتها، لكنّه لا يملّ من المحاولة، ولا ييأس، هو الذي ورث ذاكرة، وحمل معظم جينات أمّه وجدّاته، ‘لا زال طراد يصرّ على قراءة تفاصيل الرمل، وخطوط تجاعيده، ضوضائه، تغيّراته في لحظة ما’. لا تكتفي الهويان بتصوير الصحراء كفردوس مفقود، بل تكشف عن ويلاتها وموبقاتها، تعرّي قيم الثأر المعمول بها، ترصد التحوّلات التي أصابت البدو في حياتهم، وأجبرتهم على هجر حياة البداوة والتنقّل، تزيح النقاب عن التصحّر الذي يجتاح الأرواح، في المدن التي تسلب أبناء الصحراء طيبتهم ونقاءهم، لتكسبهم عاداتها، أي تصحّر البشر، في حين يُظنّ أنّها تحاول تمدينهم.. وهي تؤكّد بأنّ بإمكان المرأة التغلغل في أماكن ظلّت حكراً على الرجال لمدّة طويلة.. وقد ناقش موضوعة الصحراء عدد من الروائيّين في أكثر من عمل، وقد برز في هذا المنحى الروائيّ الليبي إبراهيم الكونيّ الذي احتفظت الصحراء بالبطولة المطلقة في مجمل أعماله، وكذلك الروائيّ عبد الرحمن منيف الذي فصّل في التغيّرات التي طالت الصحراء في مراحل مفصليّة من تاريخها الحديث. تقدّم مفارقة مريرة عن اهتمام الغرب بالشرق، وجهل الشرق المستفحل بالغرب الذي يتهيّأ للانقضاض عليه، بعد التعرّف إليه عن كثب، معلومة ً هامّة: ‘ستّون ألف كتاب ما بين عامي 1800 و 1950 عن الشرق، وبالمقابل فإنّ عدد الكتب التي كتبها أبناء الشرق عن الغرب لا يمكن مقابلته قطّ بهذا الرقم. عرف طراد كيف غدت أرض العرب رملاً قسّمته يد الغرب وبعيداً عن رومانسيّة الأفق الموشَّى بمخمل السراب وحيث الأفق مفتوح لهوى الرياح فهم التاريخ أو هكذا ظنّ’. (ص 249). في ‘سلطانات الرمل’ تفكّك الكاتبة منظومة الصحراء، التي تظلّ لغزاً، يفسّره السرابُ، وذلك بقولها في ختام الرواية: ‘الصحراء لغز والسراب تفسيرٌ’.(ص318). ما زالت البوادي ترتجل الحكايات، هناك تأكيد على المعادلة التي تقول: ‘الحسناوات يشعلن الحروب ويكنّ سبباً بالسلام’. حروب واقعيّة وسلام سرابيّ.. إن كان السراب مفسّراً، فأيّ تفسير يا ترى سيقدّمه.. ؟! ألن يكون مبنياً على سراب يتوالد، كما تتناسل الصحراء الأجيال الباحثة عن نفسها، الغارقة في الرمال التي نصّبت سلطانات قهرهنّ الواقع الأليم، وألقى بهنّ في معارج ومفترقات المدن الرمليّة.. كأنّما تاريخ الإنسان هو البناء في الرمل أو البناء الرمليّ. السراب بطلاً: يحضر السراب ندّاً للصحراء، ومتفوّقاً على الشخصيّات أحياناً، تجعل منه الكاتبة عنصراً من عناصر روايتها، تؤنسنه، تجعله كائناً حيّاً، تستنطقه، تناجيه، وهو حاضر في الرواية من الجملة الأولى: ‘لا زال قصر ابن وردان، يقرأ كلمات السراب حوله ويتحدّاني’.(ص7). وحتّى الأخيرة التي تجعله تفسيراً للصحراء.. يتخلّل الحديث عنه معظم الفصول، وحضوره لا يقلّ عن حضوره في حياة الصحراويّ الذي تترادف المفردة عنده مع الأمل، سواء الخادع منه أو الحقيقيّ. نجد الكاتبة تتحدّث عن السراب، تقول عنه: ‘الأكذوبة لا تمشي، تزحف على وجه الأرض اسمها السراب’. ثمّ تصفه بقولها: ‘السراب (مفردة) رومانتيكيّة تبدو للحضريّ. كلمة قد يطلقها على مطعم أو فرقة غنائيّة دون أن يحزر أنّ السراب عملاق أزليّ نابض بأعتى الأكاذيب، إنّه التحدّي الذي يروّضك على تذوّق الحقيقة، هي وجدت في السراب لحظة نقاء صرف’. يكون السراب مؤرجحاً بحسب الحالات النفسيّة التي تخدع نفسها به، وتنسرّ للمخادعة والتضليل وتسعد له، يكون ذئباً ينام بإحدى مقلتيه.. أو هو كائن يحيط بالموجودات، في حديثها عن الغزو الذي هو تقليد عتيق حمله البدو من ذاكرتهم الوثنيّة وتحدّوا به الزمن، تصفهم وكيف أنّ السراب لا يفارقهم: ‘وحولهم السراب مثل ذهول من فضّة يمشي على امتداد الأفق’. (ص47). ثمّ تستفسر على لسان الراوي عن طبيعة السراب، تقدّم مقترحات بهذا الشأن: ‘لماذا لا يكون السراب خيميائيّاً، يخلط العقاقير، يستعير من الذهب قشوره ويروّج لمعدن مغشوش، أو يربّي الثعابين ويعزف لها معزوفة الماضي ويتركها ترقص على أنغام اللحظة؟!’. (ص83). وتغدق عليه من خواصّ الكائنات ما يجعله حمّالاً للنقائض، جوّاباً الآفاق، أثناء الحديث عن سكرى وجمالها ونشأتها، يقتحم السراب الحجرات المغلقة: ‘السراب، في بعض أوقات الظهيرة ينسلّ كثعلب بذيله يحوّل التراب إلى مياه كالمرايا. أيضاً يجمّل التجاعيد القديمة التي خلّفها التاريخ..’. (ص99). وعلى الرغم من معرفة الشخصيّات بأنّ السراب مخادع، لكنّها تلوذ به، لتمنّي النفس بشيء من الأمل، وشيء من القناعة، وأشياء من الأحلام تبدّد بها كوابيس الواقع: ‘كان دائماً لا بدّ من سراب كاذب كي يهدّئ الظمأ ويشحذ صبر (فكرى) وهي تناور صقيع عواصم أوروبة تتنقّل بين المطارات…’. (ص193). ثمّ يكون السراب نفسه مثوّراً للأحاسيس والمشاعر: ‘كانت تعرف دائماً أنّها ستحزم حقائبها وتطرق باب (طراد)، ومثل مَن نسي كلّ شيء ينهض السراب من جوارها وبإصرار طيور هاربة تغيب أكاذيبه في عباب البعد’. (ص 195). ثمّ انّ السراب يوزّع الحصص، فهنا امرأة سرابيّة مخصّصة للحيرة.. وهناك رجل يلتحف السراب ويمضي.. ويبقى القناع الذي يترافق مع الأقنعة الأخرى، التي يأخذ التاريخ على عاتقه رفعها، وتأخذ الكاتبة على عاتقها خلخلة كينونته، ‘التاريخ يرفع كلّ الأقنعة، سراب، وظباء، وجنّ، وخرافات، لا تعجّلوا الخطو، من فرط العسل قد تبتلعكم الأرض’.(ص 266). وربّما يكون في السراب ما يمنّي النفس بوجود ما يستحقّ العناء، والبقاء، من أجله: ‘ممنوحاً، أم مسروقاً، خذ بعينك ذلك المدى الشفّاف وصدِّق السراب حين يقول لك: عندي لك غزالة’. (ص 270)، ذلك أنّه يمنح بعض السكينة، ‘رغم القصور التي يلفظها السراب من تخمته، والمردة الذين يوزّعهم على عدد النهارات.. رغم كلّ هذا الكذب الفخم الذي يحترفه السراب يمنحك اليقين بأنّ هناك وراء الأفق شيئاً ما سيبقى’.(ص 281). لكنّ ما ينطلي على الإنسان لا ينطلي على الكائنات الأخرى التي تكشف حيل السراب، ولا تنخدع بها، قد يكون في ذلك ما يؤلمها، لكونها تفتقد الأمل، حيث السراب قد يوازي الأمل أحياناً: ‘ملهوفاً يجري السراب مثل شهوة النسيان ودون كبرياء ينجز شكله الأخير كأفعى من ماء عبَر، والأمر الغريب الذي ـ ربّما ـ لا يعرفه الكثيرون من البشر، أنّ الإنسان حين يبصر مستنقعات وأنهار السراب تغشّه الصحراء، لكن هذه الحيلة الأزليّة لا تنطلي على النوق والجمال. إنّها كائنات ذكيّة، تعرف أن ليس للسراب مطية غير الوهم…’. (ص 287). السراب لا ينظر أبداً حيث يضع خطاه… يكون هيولى غير متشكّلة، نجد أن هناك مَن يستمهله، يناجيه، يلوذ به، ذلك أنّه يتلبّس كلّ هيئة محتملة، يكون نخيلاً، وحشاً، ماء، عدوّاً، صديقاً، جمعاً، مفرداً، مجهولاً، معلوماً، نكرة، معرفة… يتسكّع المرء خارج مداراته التي قد تأسر أحياناً.. يحضر السراب في مجلس سكرى وطراد، يكون ثالثهما، ‘والسراب هذه المرّة يجالسهم كرفيق درب، كفنّان، طبيب، محام، مشاكس، عميق، ملغز، روائيّ، ساحريّ، حقيقيّ، فضائيّ…’.(ص 296). ثمّ ينشط السؤال حول ماهيّة السراب، متاهته: ‘من يجرّ السراب من ذيله؟!.. إلى أين تمضي؟!’. (ص309). علاوة على كونه يبقى مناجىً، مدعوّاً إلى إكمال حيله، ليبقي الأمل: ‘فراراً أيّها السراب المتنكّر بثياب غزالة.. بلا لجام ومهاميز، غادر صورك العطشى حيث لا ممرّ، لا طريق، وغازل (البخت) لعلّه يفتح لك درباً تمرق منه حافياً..’. (ص37). ويرحَّب به كذلك، يرحَّب بكذبه، تجعل منه شخصاً ذا ملامح وسمات: ‘مرحباً بشاربيك المنمّقين، المفتولين إلى أعلى كما أنفك. مرحباً بصمتك الذي يربك مثل بوحك. مرحباً بصدقك الذي يحيّر أكثر من كذبك.. مرحباً بحضرتك وأنت تخلط الصباحات بالأماسي كعاشقين وحدتهما لحظة نشوة مشتركة. لا تدعي التيه اتركه لنا…. وألف مرحباً بسراب كثعبان بعيني غزالة’.(ص 317). ثمّ يكون الجواب الذي يولّد الكثير من الأسئلة، التي تبدأ بالتناسل، كما يبدأ نسل السلطانات والصحراء بالتناسل والتوالد، ولا يكون في الجواب شفاء، لأنّه جواب سرابيّ، مضلّل، يبقي الأسئلة في مهبّ التخمين، ويكون اليقين نفسه شكّاً مضاعفاً، ‘ووصل إلى يقين. الصحراء لغز والسراب تفسيرٌ’.. إلامَ ترمز الكاتبة في تركيزها على السراب؟! هل تودّ القول إنّ الحقائق والتواريخ والأماكن كلّها، تكون سراباً عندما لا تستطيع الاحتفاظ بذاكرتها.. ؟! هل تجرّد السراب، عبر الإكثار من اللهج به، من أسراره، تؤرّضه، تعرضه على القرّاء، كي لا ينخدعوا أو يتخادعوا به.. ؟! هل تكون الرواية تسريباً لخدع تكسر الحدود بين الواقعيّ والمتخيَّل، وتلغي الغشاوات المفروضة على مَن يحاول الاقتراب من حماها.. ؟! هل يكون السراب الفاصل الواصل بين عالمين، الرواية كعالم مستقلّ، والواقع كعالم مجارَى.. ؟! ـ ‘سلطانات الرمل’، منشورات دار ممدوح عدوان، عدد الصفحات 320، القطع الوسط. ‘ هيثم حسين: ناقد وروائيّ سوريّ، يكتب في النقد الفنّيّ والأدبيّ، يكتب وينشر في كبريات الصحف والمجلات العربيّة. له في الرواية: ‘آرام سليل الأوجاع المكابرة’، ‘رهائن الخطيئة’. له في النقد: ‘الرواية بين التلغيم والتلغيز’. له في الترجمة: ‘مَن يقتل ممو.. ؟ أرجوحة الذئاب’، مجموعة مسرحيات.