مالك التريكيأنجبت بريطانيا كوكبة من أفضل المؤرخين في العالم المعاصر من أرنولد توينبي إلى أريك هوبسباوم -الذي تجاوز الخامسة والتسعين من العمر- مرورا بتوني جادت… وسوى هؤلاء كثير. ولا شك أن اسم توينبي أكثر انتشارا لدى الجمهور العربي لما اشتهر به من إنصاف للحضارة الإسلامية وإعجاب بابن خلدون. إلا أن ما تمتاز به بريطانيا أيضا هو أن لديها نخبة من المؤرخين المعاصرين الذين حققوا نجاحا وشهرة لا يتأتيان عادة إلا لكبار الروائيين. يتولى هؤلاء المؤرخون، من أمثال سايمون شاما وديفيد ستاركي ونيل فرغسون، البحث والتدريس في أرقى الجامعات البريطانية أو الأمريكية. ولكنهم يتفوقون، فضلا عن ذلك، بموهبة ‘الحكواتية’: أي مخاطبة الجمهور الواسع بأسلوب حكائي شيق. ولهذا أصبحت كبريات قنوات التلفزيون تتعاقد معهم لتقديم برامج تاريخية كثيرا ما تحظى بنسب مشاهدة عالية.توم هولاند هو أحدث المنضمين إلى هذه النخبة. اكتشفته قبل حوالي خمسة أعوام عن طريق كتابه ‘النار الفارسية’ الذي حاول فيه مجانبة النزعة الانتصارية المعهودة لدى الغربيين كلما تناولوا الصراع التاريخي بين الفرس والإغريق. وقد زاد من أهمية الكتاب أنه صادف أن صدر بالتزامن تقريبا مع الفيلم الهوليودي ‘300’ الذي يمجد أسطورة انتصار ثلاثمائة اسبرطي على جيش فارس في معركة ثرموبيلاي عام 480 قبل الميلاد. وكان هذا الفيلم الشعبوي قد أنتج عام 2007 في سياق اشتداد حمى الدعاية الأمريكية-الإسرائيلية الرامية لتهيئة الرأي العام لقبول مسألة شن الحرب على إيران باعتبارها قدرا لا رادّ له واستمرارا لصراع أزلي بين الشرق والغرب.ولكن توم هولاند أثار استياء المسلمين في بريطانيا قبل أيام بسبب برنامجه ‘الإسلام: القصة غير المروية’ الذي بث على القناة الرابعة. فقد تلقت القناة أكثر من 1200 شكوى من مسلمين اتهموا البرنامج بتحريف الحقائق وترويج الأباطيل. وهذا اتهام صحيح. إذ ليس البرنامج سوى صيغة تلفزيونية من كتابه الذي صدر قبل شهور، بعنوان ‘في ظل السيف’، والذي وصفه المتخصصون الغربيون بأنه كتاب ‘يفتقر للمسؤولية والموثوقية’. بل هنالك من قال إن المؤلف تناول الثقافة العربية والقرون الأولى من التاريخ الإسلامي (أي فجر الإسلام وضحى الإسلام، بتعبير أحمد أمين) بنفس الخفة التي تتجرأ بها جرائد ‘التابلويد’ على عظائم الأمور!لهذا يصح القول إن المفاجأة الكبرى في أطروحة توم هولاند -المليئة بالخزعبلات، مثل الزعم بأن محمدا لم ينشأ في مكة بل شرقي الأردن! وأن ‘المشركين’ ما هم إلا قبائل مشاعية ‘تشترك’ في كل شىء!- إنما تكمن في ضحالة زاد صاحبها. أما الموقف، فليس فيه أي مفاجأة. ذلك أن هذا المؤرخ الغربي، غير المتخصص في الإسلام، قد نشأ في ثقافة لم تعد تهتم بالديانات إلا من حيث السياقات التاريخية لنشأتها لأنها لا ترى في الدين أصلا إلا شكلا من أشكال الإنتاج الثقافي.إنه من المؤرخين الذين يعتبرون أن إعمال المنهج التاريخي في فحص مبادىء العقيدة الدينية لا بد أن يزعزع طمأنينة المؤمنين. ذلك أن الفحص التاريخي، في ظنهم، يفعل فعل أشعة الليزر التي تكشف مدى تهافت الأساس الذي يقوم عليه الضمير الإيماني. فأنّى لمن كان هذا هو منظورهم عن الدين أن يقبلوا بأن القرآن وحي إلهي بلسان عربي؟ أنى لهم أن يصدقوا أن ما يلاحظونه في القرآن من بعض ‘التناص’ مع بعض ما لدى أهل الكتاب هي حجة له، لا عليه، بحكم أنه أتى ‘مصدّقا لما بين يديه’؟ أنى لهم أن يقتنعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم رجل عاش فعلا في الحجاز بين القرنين السادس والسابع من ميلاد نبي آخر هو المسيح عليه السلام الذي يشكك كثير منهم في أنه وجد أصلا؟ يلخص هولاند موقفه بالقول إن الاعتقاد بأن ‘الإسلام نشأ في وضح نهار التاريخ ربما كان اعتقادا سائدا لدى الباحثين الغربيين في زمن أرنست رينان، غير أن هذا ليس محل إجماع أكاديمي اليوم’. أي أن هنالك، في زعمه، مناطق مظلمة في تاريخ الإسلام لا يمكن إنارة حقائقها ‘غير المروية’ إلا بخوض أم المعارك وطرح أم المسائل: من المؤلف الفعلي للنص القرآني؟!!أما أطرف طرائف هذا الإجماع الأكاديمي-التابلويدي الموقر فهو أنه حسم سؤال: من ألف التوراة؟ ولكنه لا يزال حتى اليوم عاجزا أمام السؤال الخطير الشهير: من ألف مسرحيات شكسبير؟