د. يوسف ربابعةما زال كثير من المسؤولين الحاليين والسابقين في الأردن يراهنون على عناصر كثيرة وكبيرة، تشكل بنظرهم عائقا كبيرا أمام دخول الربيع العربي الحدود الأردنية، ومن أهمها الانقسام الأفقي في المجتمع بين فلسطيني وأردني واختلاف الأهداف والأولويات، ومنها ضعف المعارضة وعدم قدرتها على التأثير الكبير في الشارع، ومنها انقسام الحراك الشعبي ودخوله مرحلة المطالبات الجهوية والبحث عن الحصص والمغانم، ومنها أن الشعب الأردني مجمع على القبول بالنظام الهاشمي الملكي، وكل هذه الأسباب تجعل المسؤولين يتصورون أن المطالبات الشعبية لن تصل الى حد كسر حاجز الصوت حتى لو ظهرت بعض الأصوات التي تجاوزت الحد المتوقع.وفي اعتقادي أن كل تلك المسوغات مقبولة لو لم تكن الظروف قد وصلت إلى حالة من التردي التي لم تعد محتملة، فهناك مشاكل سياسية واقتصادية جعلت الناس يفقدون الثقة بكل الوعود والمواعيد، وبقيت الآمال حبيسة الصدور والأماني مجر حبر على ورق. فمنذ أكثر من سنتين والحكومات تتعاقب وتتساقط الواحدة تلو الأخرى دون مبرر مقنع لمجيئها ورحيلها، ودون أن يكون لها أثر في إصلاح الحال والأحوال، بل العكس كانت هي جزء من المأزق وزيادة الطين بلة كما يقولون، وكانت حكومة الطراونة تتويجا لكل ذلك النهج الذي يرى فيه الناس ردة عن الإصلاح وانتكاسة للوراء، فتشكيل الحكومات ورحيلها وتداول نفس الوجوه والأشخاص يعطي مؤشرا للناس أن ثمة من يراهن على صبرهم، أو ربما يراهن على شيء غير معروف، لا بل إن بعض الناس يعتقدون أن ثمة من يدفع باتجاه المواجهة بين الشعب والنظام وإيصال العلاقة إلى طريق مسدود وصولا إلى مرحلة اللاعودة.هذا ما يخص تشكيل الحكومات، أما في ملف الانتخابات فيبدو المشهد المتخبط أكثر وضوحا، فالحكومة كأنها غير معنية، والهيئة المستقلة بلا خطط ولا رؤية، والإجراءات التي يتم بها تسجيل الناخبين تبدو ( تطفيشية) ومعقدة، فلا أحد معني بأن يذهب لمراجعة دائرة الأحوال المدنية والتعرض لكل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي من أجل مستقبل غامض لا يثق بمن يديره ولا من يرسم خططه، فمجلس النواب فقد قيمته الاعتبارية منذ دورتين خلتا، والمواطن لا يحس بأن صوته له قيمة ما دامت القوائم معدة سلفا كما يعتقد أغلب الناس.أما ملف الفساد فهو ثالث الأثافي، إذ إن كل ما جرى لا يعدو كونه محاولات لتغطية الشمس بغربال، وذر الرماد في العيون، ومحاولات بائسة لإقناع الناس بجدية الموقف، لكن التناقض الصارخ أن عمليات الفساد تزداد يوما بعد يوم، وخير دليل على ذلك ما جرى من تعيينات في المواقع العليا في الأيام الأخيرة، والقصص لا تنتهي عند الحديث عن شخصيات تتهم بالفساد وتتسلم مواقع عليا في الدولة بنفس الوقت، ومن المفارقات المبكية المضحكة أن أحد الأشخاص في يوم من الأيام كان أستاذا في إحدى الجامعات وتمت إقالته بسبب سرقة أبحاث علمية، وبعد طرده من الجامعة تم تعيينه أمينا عاما لوزارة التربية والتعليم، أليس هذا غريبا أن يتحول السارق إلى أمين عام؟! وهذا ليس في زمن غابر، بل الأدهى من ذلك أنه تسلم عدة مواقع وهو الآن وزير عامل في الحكومة الحالية وبعد ذلك يريدون من الشعب التصديق أن هناك إصلاحا ومكافحة فساد.إن ما يجري اليوم في الأردن ليس حالات خطأ فردي، يمكن حلها بسهولة، بل هو نهج كامل من التخبط السياسي والهروب من استحقاقات المرحلة ومتطلباتها، وهناك مستشارون حول الملك يعتقدون أن إدارة الدولة يمكن السيطرة عليها ببرنامج (باور بوينت) على (اللاب توب)، ويعتقدون أن الفرق بين الثورات في الدول العربية والثورة في الأردن هو مثل الفرق بين التفاح والبرتقال، كما قال يوما أحد المستشارين في الديوان، ولهذا يبدو أن النظام لم يعد قادرا على تجديد ذاته، فخيارات الملك باتت محدودة، وكل الذين يثق بهم متهمون شعبيا بالفساد، واختيار أي شخصية من الشخصيات المعروفة في الدولة لن يكون باستطاعتها حل المشكلة، لأنها لن تكون مقبولة من الناس بسبب فقدان الثقة – بل يمكن تسميتها القطيعة- بين الدولة والشعب.لذلك كله تبدو الحلول المتوقعة في المستقبل ليست ذات قيمة، واذا استمر التفكير بهذا الشكل فإن الثورة ستقوم وتخرج الناس إلى الشارع للمطالبة بإسقاط النظام والحكومة تنفي وتؤكد أن ما يحدث هو عبارة عن مجموعات من الشباب الطائش وبعض الأحزاب التي لها أجندة خارجية. فالحلول المطلوبة يجب أن لا تكون حلولا تقليدية أكل عليها الزمان وشرب، بل لا بد من عمليات جراحية عميقة دون خطوط حمراء ومقدسات ورموز وطنية، وأن على مؤسسات الدولة أن تتولى مسؤولياتها الوطنية والتاريخية، وأن تحدث ثورة من الداخل تتجاوز كل الإجراءات السابقة، لأن الكل قابل للتغيير والتبديل ما عدا الوطن فإنه يصبح في اللحظة الحاسمة أهم من الأشخاص، والدولة تصبح هي الحامية لدماء الناس ومستقبلهم، وبغير ذلك ستبقى الحلول مبتورة، وتزيد المشكلة، وتدفع بالاتجاه الخاطئ نحو المصالح الشخصية الضيقة. كاتب اردني