عباس كيارستمي شاعر السينما الايرانية

حجم الخط
0

بمناسبة حضوره العرض الاوروبي لفيلمه ‘كالعاشق’:لوزان – من عارف أبو مريفة: في حضور جمهور مهم من النقاد وصُناع السينما والإعلام كان العرض الآوروبي الأول لفيلم عباس كيارستمي (كالعاشق) في وجود صاحبه، في قاعة سينما الكابيتول في لوزان سويسرا.ليس هذا السبب الوحيد الذي دفعني اليوم للكتابة عن (شاعر) السينما الإيرانية ، فلقد تردد اسم عباس كيارستمي أكثر من مرة في الأيام الاخيرة وكُتبت عنه مواد كثيرة في صُحف عالمية مُهمة ليس بسبب فيلمه (الياباني) الأخير (كالعاشق) فقط، ولكن أيضاً وبسبب دخول أحد أفلامه (كلوز أب – 1991) لائحة أهم مائة فيلم في تاريخ السينما، وقد حصل على المرتبة ال42 ، ولم لا (فكلوز أب) فيلم مبني على قصة حقيقية متمثلة بقيام أحد الأدعياء (علي صابزيان) بانتحال شخصية المخرج الإيراني (محسن مخلمباف) ثم يتقرب من إحدى العائلات ويبدأ توزيع الوعود لأفرادها بأدوار في فيلمه الروائي الطويل القادم! ولكن المخرج الحقيقي يعلم بالأمر … يقوم عباس بمزج الوثائقي والروائي في هذا الفيلم.والجدير بالذكر أن تغيرا آخر مهما طرأ على هذه اللائحة التي تعدها مجلة (سايت آند ساوند) السينمائية بناء على استفتاء عدد كبير من المختصين بصناعة السينما ، وذلك بصعود فيلم المخرج الشهير الفريد هيتشكوك (الدوار- 1958) إلى المرتبة الأولى مطيحا بفيلم المخرج آورسين ويلز (المواطن كين) إلى المرتبة الثانية بعد أن تربع على عرش أفضل فيلم في تاريخ السينما لمدة نصف قرن، وهذا الامر يشير ربما إلى تغير الذائقة السينمائية عند النقاد ال823 الذين شاركوا في الاستفتاء؟!وأخيراً إدارة مهرجان كان المتعالية والتي نادرا ما تقبل أفلاما عُرضت سابقا ، أعلنت وبكل فخر أن (كالعاشق) سينافس على السعفة الذهبية في الدورة القادمة من مهرجان كان، فهل ينال عباس السعفة الذهبية الثانية بعد ان نالها بجدارة عن سيمفونيته الرعوية الخالدة (طعم الكرز) في العام 1997؟!يبيع الماء في حارة السقائين بل ويجد من يشتريه ؟!السبب الآخر أن عباس كيارستمي الذي شارك قبل أيام في مهرجان نيويورك في دورته ال50 لهذا العام وعرض فيلمه كالعاشق ضمن (العروض الخاصة)، أقام دورة تدريبية على هامش المهرجان لأساتذة المخرجين، تخيل هذا المخرج المثير للجدل يحاضر في السينما وفي نيويورك بالذات وليس للطلبة بل لمخرجين بعضهم ذوي باع طويل في هذا الفن؟!(انا لا أعُلم السينما ، بل أشارك في ورش سينمائية في جميع انحاء العالم ، لا يمكن تعليم السينما ،هناك بعض التقنيات يمكن تعلمها فقط، ولكن ليس الفن ، وإذا كان من فائدة تذكر لمدارس السينما هي أن تقول لطلابها: إنسوا كل شيء تعلمتموه في اليوم الأول الذي تبدأون به العمل في السينما؟! والمشكلة التي لاحظتها عند الشباب أنهم يريدون قول كل شىء دفعة واحدة وفي الفيلم الأول ، وهذه كارثة ، فقد اطلعت على إحصائات مخيفة في هذا المجال تفيد أن ’80 من خريجي مدارس السينما يتوقفون عن العمل في هذا المجال بعد فترة قصيرة من تخرجهم ، بسبب خوفهم ؟! من حسن حظي أني لم أدرس في مدارس السينما ، درست في كلية الفنون الجميلة ، ولكني لم أمارس الرسم بل أخاف من الرسم؟!) .تذكر الموسوعة الحرة عن عباس كيارستمي أنه استغرق 40 يوما في تصوير مشهد واحد من مشاهد فيلمه (الخبز والشارع – 1970) وأصل الحكاية ان كيارستمي أختلف في وجهات النظر مع مدير التصوير فيما يتعلق بمشهد هجوم الكلب فمدير التصوير يريد ان يقطع المشهد فيصور الصبي وهو يقترب، ثم لقطة كبيرة ليده وهو يفتح الباب ويدخل المنزل ثم يغلق الباب ، ثم لقطة للكلب ، كيارستمي كان يرى أن يتم تصوير المشهد دفعة واحدة وهذا سيمنح المشهد زخما باتجاه (تشكيل الحالة) واستغرق الأمر أربعين يوما لتصوير هذا المشهد حتى وصل كيارستمي إلى الشكل الذي يرضيه ، لاحقاً سيعلق عباس على هذه الواقعة بقوله : إن تقطيع المشهد كان سيكسر إيقاع الفيلم ، وبالتالي مضمونه ، لذلك رأيت أن المشهد يطرح نفسه بنفسه في هذا الشكل . أغرب مدرسة سينمائية في تاريخ السينما: الرقابة تَصنع السينما الإيرانية!عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في نهاية السبعينيات من القرن الماضي (1979) غادر كثير من أهل الفن إيران خوفاً من (النظام الإسلامي) إلا أن عباس كيارستمي قرر البقاء ، وقد عبر عن قراره هذا بهذه الاستعارة : ( إذا اقتلعت شجرة متجذرة في الأرض ، وزرعتها في أرض أخرى ، فلن تعطي هذه الشجرة ثمرا ، وإن أثمرت فلن يكون ثمرها جيدا كالذي كانت تطرحه في بيئتها الأصلية ، هذه قوانين الطبيعة ، أعتقد أني لو غادرت بلدي فسأكون شبيهاُ بهذه الشجرة )كثيرا ما سآلت نفسي: من أين خرجت السينما الإيرانية ؟! أبحث حولي فلا أجد لها أباً ولا أُما ولا أجد لها مثيلا ، وقد أرقني هذا السؤال وحيرني سنوات طويلة ، إلا أن وجدت الجواب – أو هكذا أعتقد الأمر ببساطة شديدة أن قوانين الرقابة في ايران لديها قائمة طويلة من الممنوعات والمحظورات وعلى رأسها الجنس والعنف ، وهذا ما دفع العاملين في السينما الإيرانية إلى اجتراح حلول إخراجية مبتكرة لا تُدرس في مدارس السينما ، فترى الجنس وتحسه دون ان تراه ، وترى العنف بأقسى صوره ، دون أن تراه ، ونجحت السينما الإيرانية في الابتعاد عن المباشرة في الطرح التي هي مقتل السينما ولامست حدود الشعر وهي تتحايل على الرقيب ، فجاءت هذه السينما الفريدة التي فرضت نفسها وفي خلال أقل من عقدين كواحدة من اهم مدارس السينما في التاريخ المعاصر ، بل واستطاعت تغيير الصورة النمطية عن إيران الموجودة في أذهان الكثيريين، وعن هذه التجريبة الفريدة يصدر تعريف جديد للسينما عن كيارستمي نفسه : ( السينما هي الصورة التي لا تكون محصورة ضمن حدود ما تراه. إن لها طبقات عديدة مختلفة، وتلك الطبقات أحيانا تغمر الصور التي تراها، فلا تفكر إلا في هذه الطبقات. تلك هي السينما ) هذا ما قصدناه بان ترى العنف ولا تراه وترى الجنس ولا تراه ، كيارستمي يسميها ، بلغته السينمائية العالية ، طبقات الصورة !عنفٌ مُقنع وعُزلة في اليابان؟!كُنت أود أن أسأل عباس كيارستمي ، بعد انتهاء العرض: لماذا اليابان ؟ هل هو البحث عن التجربة الإنسانية ، وإثبات أن أحلام البشر متشابهة في كل مكان؟ كما فعل في تجربته الايطالية قبل سنوات ، انه المهجر هذه المرة ، سيما بعد حبس المخرج جعفر بانهي بعد أحداث 2009؟!لحسن الحظ فإن زميلا صحفيا سأله نفس السؤال وكان جوابه : ( لم يكن الامر خياراً ، بل كان أقرب إلى الصدفة، صار البقاء في ايران امتحاناً ، فيلم يبق خيارً لنا سوى واحد من اثنين : إما ان نقبل بشروط وصعوبات العمل في الخارج ، أو أن نظل في البلد ونتحمل جميع انواع المشاحنات ؟! أنا شخصياً اخترت أن أبتعد )(كالعاشق) فيلم ياباني بإمتياز (القصة والمكان والممثلين والانتاج) ولكن بنكهة كيارستمي ، لذا فقد خرج أكثر هدوءا وأشد تعقيدا من الأفلام اليابانية ، يجري الحديث عن وصفة ناجعة ، وهناك إحساس بان كيارستمي هو مخرجي حضري أيضاُ ، بعيدا عن التلال الحميمة إلى قلبه .ينفتح الفيلم على بار ملبد الأجواء، ونسمع صوت امرأة تحلف أغلظ الأيمان بأنها لا تكذب وانها شريفة ، ولكننا نكتشف سريعا ان الجميلة (أكيكو) 20 عاما ، تكذب بالفعل على صديقها ، فهي طالبة ولكنها تكسب عيشها من العمل في الدعارة (تحت الطلب) ، بعد قليل يأتي صاحب البار إلى مائدتها ويعرض عليها أن يحل لها كل مشاكلها المالية فقد وقع هذه المرة على (زبون مهم) ، بعد قليل ستكتشف أكيكو المشتتة أن جدتها قد وصلت للتو من القرية وانها ترغب برؤيتها قبل أن يتحرك القطار الأخير،وأخيرا فأكيكو لديها امتحان غدا ،كل هذا يحرمها النوم …..هذا السلوك غير السوي ، وحاجتها الماسة إلى المال الذي تجنيه ببيع جسدها ، وحنينها إلى الحياة الطبيعة كل هذا يولد في المشاهد الآولى حالة من الخوف، النار تشتعل تحت الرماد ، نشعر بوهجها ، يدور الفيلم خلال أربع وعشرين ساعة فقط ، الجزء الأكبر من الوقت داخل السيارة ، فرحلة أكيكو في التاكسي إلى بيت الزبون المهم (قام بتصوريها بجمالية خارقة مدير التصوير الشهير كاتسونجي ياني جيما ، الذي عمل مع المخرج الياباني الشهير تاكيشي كيتانو) ، الزبون المهم هو استاذ جامعي متقاعد يتضح من النظرة الآولى انه ليس بحاجة إلى خدمات أكيكو المعروفة ، بقدر حاجته إلى الصحبة ؟!الجزء الثاني من الفيلم حين يقود الاستاذ الجامعي أكيكو إلى الجامعة ، حيث يكون في انتظارها صديقها العاشق الغيور والشكاك ، وأمام وقع المفاجأة يقدم الاستاذ نفسه على أنه جد أكيكو ، ولكن إلى أين ستؤدي هذه الكذبة ؟!العنف حاضر في الفيلم ، ولكن عندما نشعر بأنه قادم لا محالة وانه سينفجر حالأ يوقف كيار ستمي التصوير ، فهو لا يصور العنف لأنه مشغول بقضايا التوحد والقلق والمبادىء والأخلاق والحضارة والنفس البشرية ، مشهد الاستاذ الجامعي المرهق خلف مقود السيارة وهو يدور على غير هدى يشي بكل هذا .عن العزلة والمهجر يروي عباس كيارستمي في لوزان هذه القصة : ( زارني صديق ياباني ، وقد كان مساعدا لكيراساوا لمدة أربع سنوات ، وسألني : كيف الحال ؟ وقبل أن أجيب تابع كلامه قائلا : لا تقل شيئاً ، أعرف ما هو شعورك ، لأني عندما كنت مع كيراساوا في روسيا أثناء تصوير فيلمه Dersou Ouzala كُنت أراه يبكي كل مساء ، فقلت له باني لا أبكي كل مساء ، ولكني غالبا ما أفعل .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية