استعادة العلامة روكس العزيزي رائد الحركة الثقافية الأردنية: حب عميق للغة العربية ومعارك أدبية لافتة

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: تأتي أهمية الندوة التي أقامها منتدى الرواد الكبار في العاصمة عمان حول الأديب الراحل روكس العزيزي، كونها توثق وتستذكر العزيزي الذي لم يكن معلماً وأديباً وحسب، بل كان مناضلاً من طراز رفيع، فلقد عالج تلك المرحلة المتهالكة بتأسيس جمعية سرية لمواجهة مساوئ ضعف وتخلف الحكم العثماني، وطالب بعروبة الكهنة في المناطق العربية وذلك لتخفيف ومجابهة الأطماع الغربية في المنطقة من خلال الرعاية الدينية.إلى ذلك أصدر نحو ثمانين كتاباً، منها: قاموس اللهجات والأوابد الأردنية، ومعلمة للتراث الأردني، وسلسلة المنهل في تاريخ الأدب العربي، وسلسلة الزنابق. وله دراسات عن العشائر الأردنية وقصص مستوحاة من الصحراء. تواصل روكس مع كثيرين من أعلام عصره كشيخ العروبة أحمد زكي باشا والدكتور أحمد زكي أبو شادي رائد جماعة أبولو الشعرية. كما كان أول مراسل صحفي أردني لجريدة ‘الأحوال’ اللبنانية. وكان رئيس رابطة الكتاب الأردنيين عام 1976. وهو ممثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956 حتى وفاته، وعضو شرف في مجمع اللغة العربية الأردني.الندوة أقيمت ‘مساء الثلاثاء’ في مقر المنتدى شارك فيها الدكتور أسامة شهاب ونايف النوايسة وابنه فايز روكس العزيزي، أدارها المدير التنفيذي للمنتدى عبدالله رضوان، استهلت بكلمة ترحيبية قدمتها رئيسة المنتدى هيفاء البشير.هيفاء البشير:رحبت رئيسة المنتدى هيفاء البشير بالحضور، في باكورة نشاطه بعد غياب في شهر رمضان وعيد الفطر، مفتتحا البرنامج الثقافي للفصل الثالث والأخير من العام الجاري 2012م بإقامة هذه الورشة المتخصصة حول المنجز الثقافي والإبداعي والفكري لمبدعنا ومثقفنا الكبير المرحوم الاستاذ روكس بن زائد العزيزي، هذا العلم الثقافي والإعلامي والتربوي والإبداعي الأردني المتميز، الذي أسس بعطائه وعطاء عدد من مجايليه الحياة الثقافية والأدبية الأردنية، فهو من جليل الرواد الأوائل جيل عرار والفاعوري وحسني فريز وعبدالحليم عباس، هؤلاء الأعلام الكبار الذين بنوا ورسخو الحياة الثقافية والإبداعية الأردنية فقد حفروا في أرض بكر فأعطو وبنوا وأسسوا. مؤكدة على أهمية’ما أنجزه مبدعنا الراحل الكبير مجالات المسرح والقصة القصيرة والمقالة والأبحاث المتعددة في التراث الشعبي والموسوعي وعمله المميز (معلَمَة) روكس الشهيرة’.شهاب: سنديانة الوطن.. روكس بن زائد العزيزي من جهته قدم الباحث الدكتور أسامة شهاب، ورقة بينت علاقته المتصلة والقوية مع الراحل روكس بن زائد العزيزي، مضيئا جوانب من حياته كما رواها له العزيزي شخصيا..بدأ شهاب ورقته بالتعريف بالعزيزي، وهو من عشيرة العزيزات التي جاءتها هذه التسمية من سدانة وعبادة (العزى) آلهة الحب عند العرب ومن كون سدانة هذه الآلهة كانت فيها، لأنهم بطن ( بني سليم) الذين كانوا سدنة العزى وحجابها وكانوا حلفاء بني هاشم.ولدت في (مأدبا) في السابع عشر من شهر اغسطس 1903 حيث يقع في هذا اليوم عيد للقديس روكس شفيع مرض الطاعون فسماه والده بهذا الإسم الغريب تيمناً بهذا القديس وعلى أمل أن يصير قديساً فحاولت أن أكون إنساناً.مرضت أمي فاختار لي أبي ( ظئراً ) مرضعة سيدة قديسة قيسية اسمها غالية كانت مقيمة مع زوجها وبنتيها ( فاطمة وصفية ) في مأدبا، بقيت عندها ثلاثين شهراً ثم أعادتني إلى والدي.لما بلغ السادسة من عمره أخذه والده إلى مدرسة اللاتين في مأدبا فلما رأى الطلاب يجلسون على مقاعد من الخشب وأمامهم كاهن بولوني مديد القامة اسمه (أبونا حنا يونفيل) وهذا مشهد لم يشاهد مثله، أفلت من يد أبيه وهرب وهو يصرخ: ماودي هالمدرسة من عين أصلها، ركض الطلاب وأعادوه محمولاً وقف أمام الكاهن فهز الكرباج في وجهه وقال له (اثكت) لانه كان يحول السين ثاء فسكت مذعوراً.سنة 1914 وقعت الحرب الكونية الأولى فاستولت الدولة العثمانية على المدرسة وحولتها مدرسة حكومة تعلم الدروس بالتركية وكان المعلم فيها من حمص صديقا لاخي المرحوم عبد الأحد فأقامني عريفا للصف… وقد كان التلاميذ يحترمونني ويراعون النظام كأن الخواجا المعلم موجودا وكان خط هذا المعلم ممتازا لكنه كان مشغولا بكتابة الاستدعاءات.عقد زواجي في القدس في كنيسة بطريرك اللاتين الخاصة وكان الذين باركوا زواجي المونسنيور يوسف مرقص ومعه اثنان من ذوي الرتب الكنيسية العالية وقد حصل بيني وبين المرحوم عمي سليم باشا مرار خلاف.. هو يريد أن يكون الإكليل عند الروم الأرثوذوكس وأنا اصريت ان يكون عند اللاتين.حضر الى مادبا الدكتور بروننج كاهن حاول ان ينشئ كلية للزراعة في عجلون فأغراني بأن أرافقه إلى عجلون فقبلت فأطلق يدي في المدرسة.عدت من عجلون الى عمان ثم الى كلية تراسلنطة في القدس ثم عدت الى كلية البطريرك اللاتين اعلم العربية وادابها.حاول صديقي المرحوم سعيد باشا المفتي وصديقي المرحوم شكري باشا شعشاعة ان يعيناني رئيساً لمجلس مادبا البلدي حسما للخلاف الذي حصل بين اهل مادبا واخوانهم الذين ارادوا ان يكون رئيس البلدية مسلماً.عينني المرحوم عبدالحميد شرف عضوا في المجلس الوطني الاستشاري الذي حل محل مجلس االنواب وهذه المرة الأولى هي الاخيرة التي اعمل فيها موظفا حكومياً.لي خمس بنات وثلاثة أبناء أكبرهم مهندس ميكانيكي والثاني دكتوراة في الحقوق والثالث فنان رسام، الأكبر والأصغر عملا في الجيش اما الحقوقي فلم يرد أن يعمل في الوظيفة.توفيت المرحومة زوجتي هيلانة بنت سليم باشا مرار بعد زواج دام أكثر من خمسين سنة لم نتعاتب يوما حتى تعجب الناس كيف يمكن أن نعيش هذه المدة الطويلة من غير أن نتعاتب يوماً.قبل أن يمر على موت زوجتي اربعون يوما جاء أحد اشقائها وقال لي ‘أنت رجل معروف ولايجب أن تبقى بدون زواج’ فقلت له انا رجل معروف حقا ويجب أن أبقى بدون زواج لان البيت الذي نعمت به معها لا اسمح ان تدخله زوجة غيرها.وها أنا الحمدلله إني بصحة جيدة…. أبدأ نهاري من الساعة السابعة بعد الاستحمام والحلاقة بتناول الفطور وادخل مكتبي اقرأ فعلاً من الإنجيل وسورة من القرأن الكريم واقرأ التوراة باعتبارها تاريخاً لانها تاريخ اليهود الذي رفعوه ببراعة الى مرتبة القداسة.الساعة الواحدة أتناول الغداء مع ابنتي التي تعد الطعام…ذكريات: بعض الذين خدمتهم أعظم الخدمات سعوا في قتلي… فنجاني الباري.النوايسة: روكس بن زائد العزيزي ابن مأدبا الخالدمن جهته استهل الباحث نايف النوايسة ورقته بالقول: من السهل أن يقف المرء على مشارف عَلَم من أعلام الأمة ويذهب في رحلة الحديثعنه وكأنه من العارفين الملمّين بأخباره وانجازاته، وفي واقع الحال لا تتجاوز هذه الرحلة الجدار الخارجي من هذا العَلَم، وقد أجد في شرط العارف العليم ما يضعنا على الحدود الفاصلة ما بين الكتابة بعلم ودراية والكتابة المرسلة على عواهن التخمين والتحطيب بليل، ومن هنا يتولد الظلم والإساءة للكثير من أعلامنا؛ الكتابة بلا دراية وفيها رحيل مع الوهم ثم الوصول إلى عنوان آخر، والأمر الآخر هو الدراية الكاملة بأحوال العَلَم وعدم الكتابة عنه أو تصحيح ما يُكتب، وفي ذلك من خطيئة السكوت ما يحرم هذا العَلَم من العدل والإنصاف.وزاد: المرحوم الأستاذ روكس بن زايد العزيزي من الأعلام الثقافية الأردنية الذين لهم حق الريادة في أمور الثقافة بعامة، وله شرف تغذية المكتبة الأردنية والعربية بفرائد الكتب والمقالات، فضلا عن اشتغاله على المسرح مبكرا، والدراما الإذاعية والتلفزيونية، وخص التراث الشعبي الأردني بجهد كبير لا ينكره احد، هذا النتاج الغزير يضعه محل درس وبحث مستمرين عند الباحثين جميعهم، ومن لا يعرف الرجل معرفة حقه سيتيه في بحره الواسع وحياته العريضة التي كرسها حتى آخر لحظة لشؤون الثقافة وشجونها.ويستذكر النوايسة: في بواكير حياتي أواخر خمسينيات القرن الماضي وجدت احد الكتب القديمة للأستاذ روكس ملقىً في ارض خلاء وقد طالته يد البِلى بعد أن نفته يد الجهل من إحدى المدارس التي كانت تقتنيه، وكان الكتاب إجمالا شحيحا، ونادرا ما تجد من يهتم به، هو كتاب(المنهل في تاريخ الأدب العربي)، الجزء الثالث، الصادر بطبعته الأولى سنة 1956م في ‘حبش’ المطبعة التجارية/القدس، وثمن النسخة’360′ فلساً، والكتاب كان مقرراً للصف الرابع الثانوي آنذاك.لقد تأثرت كثيرا بما ورد في الكتاب وكنت لم أزل في الصف السادس الابتدائي، ويشتمل الكتاب على أربعة أبواب هي (مباحث عامة عن الأدب تناول الأستاذ روكس تحديد كلمة الأدب وتطورها وتقسيم المؤرخين الذين اشتغلوا عليه، وأما الباب الثاني فكان عن الأدب الجاهلي، وخص الباب الثالث بأدب صدر الإسلام، وختم حديثه بالباب الرابع عن أدب الأندلس). للكتاب أهمية نابعة من حب الأستاذ روكس للعربية والدفاع عنها واحترام الإسلام وتقدير الدور الذي لعبه في النهوض بالأمة من سباتها العميق.ولم تقف علاقتي بأستاذنا الكبير عند هذا الكتاب وإنما وقع بين يدي بعد سنوات كتابه المعنون بـ(مأدبا وضواحيها)، واشترك معه في التأليف الأب جورج سابا، وتناول فيه تاريخ المدينة ووجدانها الشعبي، ومن فواصل الكتاب المهمة الفترة التي حكم فيها الأنباط، وتوقف المؤلفان كثيرا عند خارطة الفسيفساء ثم الحياة الاجتماعية في مأدبا، وفي أثناء البحث رصد العزيزي في معرض حديثه عن العزيزات ومسيحيي الكرك الذين نزح بعضهم إلى مأدبا، رصد جزءا من تاريخ الكرك، وهذا ما شدّني إلى قراءة الكتاب أكثر من مرة، والجميل فيه هو دعم المعلومة بالصورة، وهذا نهج حميد لرصد المكان وتوثيقه. هذان الكتابان مهدا الطريق لي لتوثيق الصلة مع العزيزي فيما بعد وعلى مسار الحركة الثقافية في الأردن إجمالا، ومنذ بدأت رحلتي في عمان سنة 1967 كنت دؤوباً على الإطلالة على هذه الحركة ورموزها، وكان الأستاذ روكس يصول ويجول عبر المجلات والصحف والإذاعة، والحقيقة لم يكن بعيداً عني حينما التقيته في دائرة الثقافة والفنون في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وكنت أحرص على اقتناء ما تصدره هذه الدائرة وكان من ضمن إصدارتها مجلة الفنون الشعبية.. في ذات اليوم كنت وجها لوجه مع الأستاذ روكس، هو يريد نسخة من المجلة التي يواصل فيها كتابة سلسلة من مقالاته عن الشعر البدوي، وأنا أريد الحصول على المجلة لأتابع ما كتب هو وغيره من التراثيين.. وجدته شيخاً جليلاً وأستاذاً مهيباً، وابتسم لي حين عرف أنني من الكرك، وسألني كشأن أي معلم في مدرسة: ما معنى كلمة الكرك يا بني؟ قلت له: حسب ما أوردتَ في كتابك ‘مأدبا وضواحيها’ هو كذا وكذا، ففرح فرحاً شديداً حين علم أنني قرأت الكتاب واقتنيته.حرصت على مجالسة الرجل كلما سنحت لي الظروف، إلى أن انتقلت إلى دائرة الثقافة في منتصف السبعينات وشاء لي الله تعالى أن أكون سكرتيراً لتحرير مجلة الفنون في نهاية تلك السبعينيات، وكان الأستاذ روكس وبعض الزملاء أعضاء في اللجنة الاستشارية للمجلة، وهنا بدأت جلسات الدرس المفيد مع أستاذنا إذ كان يصحح المقالات المعروضة علي، كما كان يصحح لنا تصحيحنا عليها، ومن جملة ما كان ينبهنا إليه دائماً ألا نخطئ في القرآن الكريم والحديث النبوي، وهالني ما يحفظه من الآيات الكريمة، وكان يقول: لا تستغربوا ذلك هو قرآن كريم للمسلمين، وكتاب جليل لنا العرب، حفظ لنا اللغة والأخلاق، ورفعنا من قاع الإهمال والنسيان والظلم إلى سدة الحضارة العليا ووضعنا في مقدمة شعوب الأرض وجعل منا امة وسطاً ذات همة، وحسبنا من القرآن الكريم انه أكّد التسامح الديني من منطق ألاّ إكراه في الدين.كانت زياراتي لاستأذنا في بيته لا تنقطع، وكثيرا ما كنت أترافق والمرحوم الدكتور عبد الله رشيد في بعض الزيارات، أما إذا قدم إلى دائرة الثقافة فيكون الاحتفاء به من قبل الزملاء يتناسب مع مقام الرجل ووزنه، وجاءت زيارتي الأخيرة له قبل وفاته بشهور برفقة المرحوم عبد الله رشيد الذي لحقه هو الآخر بعد شهور أيضاً، وكانت ذاكرته قد ضعفت، وصار يطلب من زواره الكتابة على دفتر قريب منه للتعرف عليهم. قرأت معظم كتب العزيزي التي توفرت في السوق الثقافي مثل: فريسة أبي ماضي، نمر العدوان، الشرارات، قاموس العادات واللهجات والأوابد الأردنية، معلمة للتراث الأردني، أبناء الغساسنة، الأرض أولاً. كما شاهدت الكثير من المسلسلات التي كتبها مثل: نمر العدوان، رجم الغريب، زلة الطنيب، الأرض أولاً، محاكم بلا سجون.أهداني المرحوم العزيزي مسرحيته المطبوعة(الأرض أولاً)، وهي تصور هجوم إبراهيم باشا المصري على الكرك في منتصف القرن التاسع عشر مطارداً المناضل الفلسطيني قاسم الأحمد الذي هرب من فلسطين واحتمى بالكرك وأهلها الذين هبّوا لحمايته ورفضوا تسليمه لإبراهيم باشا، وأظهر العزيزي دور الشيخ إبراهيم ضمور وزوجته علياء وكيف أنهما ضحيا بولديهما( السيد وعلي) من دون الكرك ومن احتمى بها، وقد وجدت في المسرحية ما ينبغي الكتابة عنها، فكانت لي مقالة حولها في جريدة ‘الرأي’، بينت فيها بعض الهفوات التي ما كان ينبغي أن يغفل عنها أستاذنا الكبير، فقد قصر مهمة الدفاع عن الكرك على عشائر دون عشائر مغفلاً دور إسماعيل المجالي الملقب (بالشوفي) الذي أُعدم بالقدس بسبب مواجهته لجيش إبراهيم باشا المصري كما انه نسب جلحد العرود الحباشنة إلى عشيرة أخرى، فاتصل بي معاتباً على ذكر مثل هذه الملاحظات، فقلت له: لقد تعلمنا منك أستاذنا الكبير أن الدقة التاريخية تستوجب من الباحث أن لا يساوم عليها، فهذا هو منهجك ولم آتِ بجديد. فسُرّ كثيراً من إجابتي، ولم تعكر هذه الحالة شيئاً من صفوالعلاقة بيننا.حين توفيت زوجته المرحومة (هيلانة بنت سليم مرار) سنة 1981م كتب المرحوم العزيزي كتاباً خاصاً بها عنوانه (جَمَد الدمع) وأهداني نسخة منه في 22/7/1981، وبدأ الكتاب بمقدمة مؤثرة قال فيها: (أجل، وضعته تخليداً للمرأة الفضلى أم عادل رداً لتحيتها التي كانت تخصني بها كل صباح، وهي تقدم لي فنجاناً من القهوة، كانت تحرص كل الحرص على أن تصنعه هي بنفسها! ‘يسعد صباحك، يطلق جناحك، يجعل الخير هو كله استفتاحك!’ مع ابتسامة مشرقة ما فارقت ثغرها إلى أن جفت الابتسامة العذبة على شفتيها وهي تواجه ربها راضية مرضية)، وحزن الأستاذ على زوجته حزناً كبيراً حتى انه قال والوجع يقطر من كل كلماته: (أنت في السماء تنعمين في جنات نعيم، وانا هنا وحيد كالتائه في الصحراء المخوفة بلا سلاح ولا دليل ورفيق ولا مؤنس لي، غير أنّات ارددها لأني أخشى الشامتين:(كل المصائب قد تمر على الفتى/ فتهون غير شماتة الأعداءوتجلدي لشامتين أريهم/ إني لريب الدهر لا أتضعضع).ويستعرض المرحوم روكس في هذا الكتاب فصولاً من حياته الطويلة العريضة مع زوجته، ويثبت في آخر الكتاب كل برقيات النعي بالمرحومة، والجميل في هذا الكتاب الذي يقع في 166 صفحة انه قد خُطَّ بيده.حينما اتضحت عندي معالم مسودة معجمي (أسماء الأدوات واللوازم في التراث العربي) وجدت في الأستاذ روكس خير من يضع إصبعه على مفاصله ويرشدني إلى ما يجب أن أخلص إليه، فتركت عنده المسودة شهراً بكامله ثم اتصل بي لألتقيه في عمان، وسلمني المسودة وهو يقول مبتسماً: هذا عمل معجمي كبير وأتمنى لك التوفيق وأرجو أن تأخذ بملاحظاتي، وكانت لملاحظاته على حواشي المسودة الأثر الكبير في وضع المنهج الذي اتبعته لانجاز هذا العمل، وأثنى على ذلك المرحوم حسني فريز الذي قرأ المسودة الأخيرة، وبينت له بأنني استرشدت بآراء وتوجيهات الأستاذ روكس وكان بينهما صداقة، ففرح بذلك.الحديث عن أستاذنا المرحوم العزيزي يطول، وإنما أردت بهذه الشذرات أن أحييه واشكر هذا المنتدى الذي آل على نفسه أن يتناول بين حين وآخر عَلَماً من أعلام الثقافة في الأردن كمثل الأستاذ روكس الذي خدم الثقافة والتراث الشعبي في الأردن خدمة لا يمكن أن تُنسى..كلمة فايز روكس بن زائد العزيزيمن جهته حيا نجل العلامة ـ روكس العزيزي- فايز روكس بن زائد العزيزي جهود د.اسامة شهاب الذي قرر أن يتابع إحياء تراث العزيزي الذي يخلد به الأردن ورجالاته من الأبطال المخلصين لترابه فها هو يصدر مجموعات جديدة من أوراق روكس العزيزي، والتي دون بها ما غفل عنه المؤرخون منذ سنة 1922 بداية الثورة العربية الكبرى، وتشمل: المذكرات، والمراسلات، ومن أوراق روكس العزيزي، وبذلك أعلن نيته إصدار ما قد يصل إلى عشرة مجلدات جديدة تضاف إلى ما سبق من المجلدات الأربعة التي جاءت بعنوان: ‘روكس العزيزي وجهوده في تدوين أعلام الأدب والفكر’، وبذلك تكتمل على يديه موسوعة العزيزي.ونوه نجله: كان العزيزي مرهف الحس القومي، يقول الشعر، وبطلاقة، ولا يلقب نفسه بالشاعر، وإن كان يستشهد بالشعر في معظم المواقف، وله من الشعر العاطفي والرثاء الشيء الكثير.وكان العزيزي يتمنى لوطننا العربي التحرر والاستقرار ليلحق بركب الدول العظيمة، ولكن كثرة الانقلابات العسكرية فيه انذاك كانت تثيره بما تخلفه من سفك الدماء للأبرياء، وتكبيل للحريات.وزاد: ‘ما اشبه اليوم بالأمس، ولو عاش ـ والدي روكس- هذه الأيام ورأى ما يكتنفها من الفوضى السياسية لردد مع الزركلي:إن الدم المهراق في جنابتهالدمي وان شفارها أشفاريدمعي لهما منيت به جاد هناودمي هناك على أثرها جاري.ولا عجب في ذلك… الم يكن العزيزي الممثل لحقوق الانسان في الأردن؟!!.واضاء ابنه فايز حادثة تظهر صفاء سريرته وبعض صفاته الانسانية، وذكر الحادثة التالية: ‘كانت وزارة الثقافة الاردنية قررت الموافقة على طباعة ونشر أحد مؤلفات روكس العزيزي، فأرسلت المخطوطة إلى الطباعة، وقبل المباشرة بالتنفيذ زاره في بيته أحد الاصدقاء العراقيين منتخيا بنفوذ روكس الادبي، آملا بمساعدته في طباعة كتاب له من قبل وزارة الثقافة الاردنية، فبين له أن هذه المكرمة خاصة بالادباء الاردنيين والقانون واضح وصريح.. فكيف تريدني مساعدتك؟! وتحت الضغط والالحاح قال له: ‘عين خير’، وسحب كتابه المعد للنشر ليطبع بدلا منه كتاب صديقه.ولعل سيرة العزيزي تطول فمن بدأ حياته الأدبية، في سن مبكرة قضى جلها لرصد تطور الحياة الأردنية في مختلف نواحيها، فيسجل في مذكراته ما لم يدونه سواه من المؤرخين، وقد طال به المقام في هذه الفانية- بما يزيد على المائة عام، فيستحق بجدارة وامتياز كل ما قدم له، أو ما سيقدم من تقدير واحترام، من قبل مختلف الجهات الرسمية والاجتماعية داخل الأردن وفي الخارج، وهو الذي لم يسع إلى ذلك في حياته قط.روكس بن زائد العزيزي رائد الحركة الثقافية ويسجل لروكس العزيزي أنه أول من وقف على مسرح القرن العشرين مزهواً بافتتاح الصفحة الأولى للأحداث الجسام، لكأن قدومه إلى الدنيا من بوابة مادبا، عام 1903 كمولود جديد لعشائر العزيزات المسيحية، والضاربة في العروبة عميقاً حتى الغساسنة الاقحاح، روكس هذا الشاهد الحي أبدا، منذ كان طفلاً يشهد تحول القبائل إلى تحضر سريع لا تتزن خطاه، وكادت تأخذه الأقدار إلى الكهنوتية لولا ضيق الفرص، فوالده المتدين بتعقل أخذه إلى الدير في القدس وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره علهم يقبلوا به فيصبح كاهناً، لكنهم اعتذروا بسبب صغر سنه في تلك الفترة، غير أن الفوضى عمت المنطقة مع بدايات الحرب العالمية الأولى وانبلاج فجر النهضة العربية وانطلاق الثورة العربية، فتشرب روكس كل معطيات الأحداث وغاصت بعيداً في أعماق هذا الفتى بعيد النظر، الذي عين عام 1918 معلماً للغة العربية والفرنسية في سن مبكرة في مدرسة دير اللاتين، لتتفتح بوابات مواهبه المتعددة كاشفة عن ثقافة ورهافة حس، ووعي سابق لسني عمره، حيث كتب المقالة، وبدأ بالتأليف المسرحي من خلال مسرحية (الملاك والشيطان) ليسجل بذلك ريادته في هذا المجال، وليحتضن مسرح مدرسة دير اللاتين في مادبا أول عرض مسرحي في شرق الأردن.في العام 1925 انتقل إلى السلط مدرساً ومؤسساً لفرقة مسرحية وفنية، ومستمراً بالكتابة لمجلة ‘الإخاء’ القاهرية، وليقدم روكس نموذجاً فريداً للموهبة التي لا تقف عند حد، فهو كاتب جامع لأجناس الأدب، ومؤرخ وناقد وفنان مسرحي، أخرج بعض نصوصه على الخشبة، مذكراً بكبار الفلاسفة العرب، فلقد أضاف إلى كل ذلك الدراسات التراثية والكتابات الصحفية بالإضافة إلى الدراما الإذاعية والتلفزيونية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية