توفيق رباحي
يوم 21 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي كتبت بهذا المكان عن معاناة المراسلين العرب العاملين أو المتعاونين مع وسائل إعلام أجنبية عموما، ومحطات تلفزية فضائية بالخارج خصوصا، منطلقا من تجربة ‘فرانس 24’، ففاجأني قارئ قائلا ‘مقالك ممل حتى أنني شعرت برغبة في التثاؤب وأنا أقرأه’. قناعتي أن الرقابة المفروضة على الفضائيات العربية والأجنبية الناطقة بالعربية، موجودة في العواصم العربية أكثر منها في المقر الرئيسي. وسؤالي كان عن الثمن الذي تدفعه محطة تلفزية ما مقابل أن يكون (أو يُبقى) لها مراسل بعاصمة عربية.
وقناعتي الأخرى أن هذا هو أخطر ما يواجه التلفزيونات والصحف العربية العابرة للقارات، وكذلك الأجنبية التي تبحث عن موطئ قدم بالدول العربية. بعد أيام معدودة أنصفتني الوقائع بحادثة ‘الجزيرة’ مع الحكومة المغربية وتبعتها قصة الصحافيين الليبيين الذين زُج بهم جملة في غياهب المعتقلات. والبقية ستأتي حتما مع وقائع أخرى في عواصم عربية أخرى.
هذا القارئ معذور، فربما كان الموضوع أكبر من قدرته على الاستيعاب، وقد اعتقدت دائما أنني أكتب بأسلوب بسيط وسلس حتى نبهني ذلك القارئ مشكورا الى العكس. غير أن مراسلته تشجعني على العودة الى الموضوع اليوم وفي يدي ما أشرح وأبرهن به، عسى يسهل الفهم:
قبل أيام عشنا، نحن الصحافيين، على أخبار ما تعرض له زملاء ليبيون عاملون بوكالة أنباء ليبية خاصة، يبدو أنها مملوكة لسيف الإسلام القذافي أو مقربة منه.. هذا الرجل الذي يقول العالم أجمع، إلا هو، إنه سيخلف والده في الحكم عندما يقضي الله أمرا كان مقضيا.
حدث أن اعتقل ‘الثوار’ الأشاوس عشرة صحافيين يعملون بوكالة ليبيا برس لأسباب غير معلومة. وعندما احتج زملاؤهم وشنوا حملة في وسائل الإعلام الدولية، عاد ‘الأشاوس’ واعتقلوا عشرة آخرين، بينهم مساعد المدير العام (المدير العام سليمان الدوغة موجود في لندن، وإلا كان هو الآخر نزل ضيفا عند أولئك الأبطال). كدت اضحك عندما قرأت بلاغا وصلني من شركة ‘الغد’ فيه: ‘وقد وصلت قائمة المعتقلين لحد الساعة الى 20 صحافيا’، كأنه بلاغ عن حصيلة زلزال أو سقوط طائرة في البحر والبحث جار عن ناجين! ليس الخطأ في الذي أدخلهم السجن بغير وجه حق، بل فيهم وقد صدّقوا أنك يمكن أن تحطم صنما بيديك العاريتين، فعاد من المهجر من عاد وطلّق بعضهم وظائفهم في مسميات محلية، تلفت انتباهي دائما، لأنها مشتقة من الطبيعة كـ’الشمس’ و’الزحف الأخضر’، مثلما تشدني دائما تسميات ‘شهر الطير’ و’شهر النار’ و’شهر الماء’ (كنت مسافرا برفقة صديق ليبي في مطار خليجي مرة فأوقفوه ساعات لأن ضابط الجوازات ركب رأسه ولم يستسغ أن صديقنا مولود في ‘شهر الماء’، حسبما هو مدون على جوازه الليبي. و’شهر الماء’ هو مايو، لكن السلطات الليبية لا ترى فائدة في الشرح لغير الليبيين). الى جانب كون حادثة ‘ليبيا برس’ سببت ألما للمعتقلين وذويهم ومحيطهم، فهي أيضا شكلت امتحانا للمراسلين خصوصا ولنا، نحن الصحافيين، عموما. ربما لاحظتم أن تغطية الموضوع، تلفزيونيا، لم تتم من داخل ليبيا كما هو منطقي ومطلوب، وقد تعبت أمام الشاشات متحملا ضحالة بعض نشرات الأخبار وطول بعضها الآخر عساني أشاهد تغطية، مهما كان نوعها من داخل ليبيا، فلم أفلح.
انتظرت النشرة المغاربية مساء الأحد (المصادف 7 الجاري)، وتحملتها هي الأخرى مرغما، فلم أستفد شيئا.. لا تقارير مراسلين ولا صور ولا هم يحزنون، رغم أن لـ’الجزيرة’ مراسلين داخل ليبيا، أحدهما اسمه خالد الديب والآخر عثمان لطيف. الحضور الوحيد الذي لمسه المشاهد كان لسليمان الدوغة، باعتباره مدير عام ‘الغد’، متحدثا من لندن بزي تقليدي ليبي كأنما ليقول لخصومه لستم ليبيين أكثر مني. فجأة اختفى البشر وانطفأ كل شيء في طرابلس، لا محللون ولا خبراء ولا معلقون، كما في الأيام والأحداث الأخرى الأقل إحراجا. وأتوقع أن القائمين على النشرة حاولوا العثور على أحدهم ليتكلم شيئا، فلم يجدوا، على غير العادة. والناس هنا معذورون هم الآخرون، فالذي يجرؤ على اعتقال 20 صحافيا يعملون عند حضرة نجل الرئيس، يستطيع أن يفعل أي شيء بحيّ الله ‘محلل’. في اليوم الموالي جئت الى المكتب باحثا عن أخبار وتفاصيل في المواقع وشريط وكالات الأنباء، فخاب ظني ثانية من العثور على ما يشبع فضولي. وقد لفت انتباهي أن وكالة الأنباء الفرنسية (اف ب) غطت الموضوع باحتشام وحذر من خلال تقرير واحد لمكتبها في نيقوسيا. والمعلوم أن للوكالة الفرنسية العتيدة مراسلة في طرابلس أثبتت كفاءة وقدرة على الوصول الى مصادر الخبر في أعلى الدوائر الحكومية، اسمها عفاف قبلاوي.
أما وكالة رويترز الشهيرة، خصم الوكالة الفرنسية، فاختارت أن تغطي الموضوع من.. الجزائر.
لست هنا بصدد توجيه اللوم أو الانتقاد لأحد، فكلنا بيوتنا من زجاج وأنا شخصيا أجبن من الجميع بدليل أنني أتحدث من الخارج حيث اخترت الاستقرار بعيدا عن بطش الحكومات العربية وابتزازها.
أقصد فقط التنويه الى أنه لولا وجود أناس في الخارج سارعوا الى نشر الموضوع على أوسع نطاق، لما أخذت الأزمة تلك الأبعاد وانفرجت بتلك السرعة.
العبرة: إن مأساة الإعلام العربي العابر للقارات (والإعلام المتعاطي مع المواضيع العربية) تكمن في مكان وقوع الحدث وولادة الخبر أولاً ثم تنتقل الى مكان صياغته وتسويقه.
خط رجعةـ هناك مشاعر قومية استيقظت بقوة في الأيام الأخيرة بالمغرب تكاد تبلغ درجة الشوفينية، سببها موضوع الصحراء الغربية الموصوف بـ’القضية الوطنية’.. أي الموضوع ذاته الذي عجّل (مع أسباب أخرى) بأجل قناة ‘الجزيرة’ في الرباط.
من غير المفيد مجادلة الناس في هذا الأمر، فهذه قضية وطنية محسومة من وجهة نظرهم ولا تستحق النقاش أو التفاوض. الجدل قد يقوم حول الموقف من ‘الجزيرة’ المتهمة على نطاق واسع في الرباط بأنها تحابي البوليزاريو وتتخذ موقفا غير محايد في تغطية نزاع الصحراء الغربية.
والموقف غير المحايد هنا هو أن تقول الصحراء ‘الغربية’ (بدل المغربية) وتضع خارطة عليها حدود بين هذه الصحراء وبقية الأراضي المغربية.. الخ.
التقيت ذات مرة قياديا بالبوليزاريو في أوروبا فاشتكى كثيرا من ‘الظلم الإعلامي والتلفزيوني’ الذي قال إن قضيته تتعرض له. ومما قاله إن نشرة الأخبار المغاربية بالقناة القطرية ‘لا تستضيفنا ولا تمنحنا فرصة الكلام، رغم أنها تتناول أزمة الصحراء بشكل دوري ومستمر’. وقال أيضا إن حضور البوليزاريو في ‘الجزيرة’ يتم في برامج ونشرات أخرى ومن عواصم أخرى غير عاصمتين: الرباط والجزائر.
أعتقد أن ذلك كان بموجب اتفاق أو صفقة تريح المعنيين بها. واستمر الحال كذلك الى أن حدث الذي حدث قبل أسبوعين فانقلبت قصة الحب (التي بدأت جميلة ثم تشنجت) رأسا على عقب.
بالصدفة تابعت في سهرة الثلاثاء نقاشا مباشرا على القناة الأولى المغربية (حكومية) كان ضيفه عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية الإسلامي (الطبعة المغربية للإخوان المسلمين). كان صحافيون ثلاثة يديرون النقاش وفق محاور وضعها صاحب البرنامج مصطفى العلوي، ثم جاء محور حديث الساعة فسأل أحدهم بن كيران: سيادة الأمين العام، ما رأيك بقناة ‘الجزيرة’؟ ليرد الآخر بكلام لا يختلف عمّا يقوله الناطق باسم الحكومة خالد الناصري أو أي قيادي بحزب الاستقلال المتشدد لتبرير اجتثاث القناة القطرية من الوجود في الرباط.
السيد بن كيران تلميذ نجيب لمدرسة الإخوان المسلمون.. حاول بدءا التملص من أن حزبه والإسلاميين عموما كانوا الأكثر استفادة من حضور ‘الجزيرة’ في الرباط، ثم اعترف: واش شفتو شي درّي أمه توكله يروح ياكل عند الجيران؟ (هل رأيتم طفلا تطعمه أمه يذهب للأكل في بيت الجيران؟) إشارة الى منعه من التعبير بحرية في التلفزيونات المغربية.
استفادة ‘البولحية’ من ‘الجزيرة’ في الرباط ـ وغيرها ـ حقيقة لا ينكرها إلا أعمى. حقيقة تجد تفسيرها في كونهم لا يفوّتون فرصة تسجيل مواقفهم.. يجب الاعتراف لهم بالفاعلية والنشاط (وبعض الحظ)، ثم البكاء من الظلم والإجحاف! أما الحقيقة الأخرى فهي أن من أسباب الغضب الحكومي على القناة القطرية والقرار الرسمي باجتثاثها، كثرة استضافتها لـ’البولحية’ في صيغ مختلفة.
في لحظة ما تكاد أن تشفق على بن كيران، فهو يعطيك الانطباع بأنه محاصر من كل الزوايا في استنطاق لا يسمح له إلا بقول ما قاله. لهذا تجد في كل جواب عن أي سؤال ‘خط رجعة’، وبحنكة (الخوانجية) قال ما يجب أن يقوله في العدو الجديد (أقصد ‘الجزيرة’) مسايرة للتوجه العام، من دون أن يخسر كل أوراقه معها تحسبا للقادم من الأيام، فـ’إتم’ و’دوزيم’ لا يؤتمن جانبهما، وعسلهما اليوم قد يصبح بصلا غدا أو بعده، والرضى اليوم قد يتحول الى عداوة في أية لحظة.
محظوظون واللهـ عندما كانت التلفزيونات المغربية تلعن الجزائر في السر والعلنية في ذلك الاسبوع ‘المتميز’، كان التلفزيون الجزائري يرد اللعنة بطريقته: بث أشرطة عدة عن ‘القضية الصحراوية’ جعلتني أقتنع بأن جماعة البوليزاريو محظوظون حقا.. فالتعاطف معهم في التلفزيون الجزائري لم ينله حتى الشعب الجزائري ذاته. *كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’ [email protected]