القاهرة – يو بي اي: لم يُفاجئ الرئيس المصري محمد مرسي المتابعين للشأن المصري ولقضايا منطقة الشرق الأوسط، بشكل عام برؤيته التي تضمنتها خطاباته منذ توليه سدة الرئاسة في 30 يونيو/حزيران الفائت وبخاصة خطابيه أمام القمة الأخيرة لمجموعة دول عدم الإنحياز وأمام المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية.ورأى المتابعون أن أول رئيس مدني منتخب يأتي بعد ثورة شعبية، ينطلق في خطاباته من خلفية ثورية ربما لا يدعمها الواقع في الداخل المصري.واعتبر نائب رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط،الدكتور محمد مجاهد الزيات ليونايتد برس انترناشونال، أن خطابات مرسي سواء في قمة عدم الانحياز أو في الجامعة العربية وفي الداخل تعكس رغبته في رفع سقف الموقف المصري والتأكيد على الحضور الإقليمي لمصر.ورأى الزيات أن ما جاء في كلمة مرسي أمام قمة عدم الإنحياز بشأن سوريا كان فيها شئ من ‘اللبس’، الذي تم توضيحه في كلمته أمام اجتماع مجلس جامعة الدول العربية، حيث شدَّد على رفض التدخل الخارجي في شؤون سوريا، وأن التغيير يجب أن يكون بيد الشعب السوري، مشيراً إلى أهمية قراءة الموقف المصري من القضايا الخارجية بشكل متكامل.وأكد أن رغبة الرئيس مرسي (61 عاماً) والذي ترأّس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، في التأكيد على الحضور الإقليمي لبلاده بالمشاركة في أعمال القمة الأفريقية بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا.وبالمقابل رصد الكاتب الصحافي طلعت رميح تباعداً بين خطابات الرئيس المصري والرسالة البارزة التي تضمنتها من الرغبة باستعادة الدور المصري على الصعيد الخارجي، وبين وجود خطوات عملية تنفيذية لاستعادة ذلك الدور.وقال رُميح للوكالة إن حديث مرسي عن سوريا وعدم وجود وقت للإصلاح وضرورة تغيير النظام السوري، يعكس حديث رجل جاء إلى سُدة الرئاسة من ثورة تغيير أنهت نظام حكم مصر لمدة عقود، وهو بذلك لا يملك إلا أن يتحدث بنفس النبرة الحادة التي تكلم بها، غير أنه من الناحية العملية لم يُضمِّن حديثه رؤية عن كيفية حدوث التغيير في سوريا ورحيل النظام حتى أنه لم يذكر الرئيس السوري بشار الأسد بالإسم.وأضاف أن كلمات مرسي حول القضايا الخارجية تتضمن في حقيقتها رسائل موجهة إلى الداخل المصري تصب في اتجاه الحالة الثورية التي ميَّزت الحالة المصرية طوال العام والنصف الماضي.ورأى رُميح أن ذلك التباعد بين ما تتضمنه كلمات الرئيس مرسي وبين القدرة على الفعل بوضع آليات تترجم تلك الكلمات إلى واقع تؤكده 3 نقاط رئيسية هي أن مصر تعيش حالة من الانكفاء على قضايا الداخل منذ أكثر من عام ونصف بعد اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وعدم وجود فائض في القوة الداخلية يمكن تصديره للخارج، بالإضافة إلى عدم وجود فريق رئاسي متجانس يمكنه لعب دور على صعيد السياسة الخارجية على العكس من نظام مبارك (الرئيس السابق حسني مبارك الذي أجبرته ثورة شعبية على التخلي عن الحُكم في 11 فبراير/شباط 2011).وفي سياق متصل أثار امتداح الرئيس مرسي (الخلفاء الراشدين) وثنائه عليهم في بداية كلمته بقمة عدم الانحياز بالعاصمة الإيرانية طهران معقل المذهب الشيعي، ردود أفعال متباينة وتفسيرات متعددة، فيرى الدكتور الزيات إلى أن ذلك الموقف من الرئيس مرسي يعكس نبرة تصالحية بين الدول الإسلامية، ولا تعبِّر عن حالة من الاختلاف بين المذهبين السُني والشيعي.ويؤيد ذلك الطرح ما ذكره رئيس بعثة رعاية المصالح الإيرانية في مصر مجتبي أماني، في مقابلة متلفزة مع إحدى الفضائيات المصرية ليل الأحد الفائت، من ‘أن الرئيس مرسي ذكر في خطابه 10 محاور أعلنّا تأييدنا لـ 9 منها ما عدا الهجوم على سوريا’.غير أن الواقع في الداخل المصري لا يؤيد ذلك التفسير، فالناشطين من المسلمين الشيعة ما زالوا يعانون من المضايقات الأمنية التي يبدو أنها من بين العناصر القليلة التي تتفق فيها الغالبية العظمى من المصريين مع أجهزتهم الأمنية، فعدد ليس بالقليل ممن تواجدوا بمحيط ‘مسجد الحسين’ بمنطقة القاهرة القديمة أوسعوا عدداً من المسلمين الشيعة ضرباً حينما شرعوا في إحياء مراسم خاصة بذكرة عاشوراء خارج المسجد. وفي السياق قال عدد من الساسة المنتمين إلى اتجاهات فكرية متباينة في نقاشات مع الوكالة إن الرئيس مرسي يسعى لانتهاج سياسة خارجية مختلفة عن تلك التي انتهجها النظام السابق، غير أن نجاح النهج الجديد مرتبط بإنهاء التبعية السياسية للولايات المتحدة الأميركية وتحقيق استقلال القرار الخارجي المصري.ورأى أولئك الساسة أن هناك مسافة ما بين الرغبة والقدرة على الفعل بشكل يجعل من تحقيق هدف استقلالية القرار المصري الخارجي يتطلب وقتاً ربما يطول إلى ما بعد حل المشكلات الداخلية على مختلف الصُعُد السياسية والإقصادية والإجتماعية.وأشاروا إلى أن خطاب النظام المصري الجديد، الذي ما زال في طور التشكيل، الموجه إلى الخارج مازال ينسج على منوال النظام السابق، فتتسم ملامح كلا النظامين بالقول وإبداء الرغبات من دون طرح خطط محددة وآليات واقعية للتنفيذ لاسيما على صعيد القضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام.ويبدو من القراءة المتأملة لخطابات الرئيس مرسي أن الرؤى التي تحملها باتجاه الخارج تتراوح ما بين الرغبة في لعب دور يعيد إلى مصر مكانتها إبان عقدي الستينات والسبعينات وما بين عدم امتلاك الأدوات اللازمة لاستعادة ذلك الدور.وتدفع تلك الرؤى المراقب للشأن المصري إلى أن يُدرك أن خطابات رئيس الدولة المصرية والتي تعتمد على عناصر شعبوية إنما تصب في اتجاه ترميم الجبهة الداخلية المصرية التي انقسمت إلى جزئين تقريباً ما بين دعم الرئيس الجديد بتحمل مصاعب الحياة وإن إلى حين، وما بين الترحّم على مرحلة الاستقرار التي اتسمت بها سنوات حُكم الرئيس السابق حسني مبارك برغم المعاناة التي تكبدها المواطنون، وهو ما يمكن معه وصف تلك الخطابات بأنها ‘ضجيج بلا طحين’.