الحرب الباردة بين ‘المخزن’ وحزب العدالة والتنمية

حجم الخط
0

محمد الزباخ الوضع السياسي الراهن في المغرب يمثل استثناء ليس له نظير في كافة أقطار العالم العربي، والعجيب أنه كان كذلك منذ الفتح الإسلامي له. ويمكن تصنيف القوى الفاعلة في المغرب إلى ما يلي: ‘المخزن’، الإسلاميون، اليسار، حزب الاستقلال، الأمازيغيون. وبفعل تراجع القوة الحركية لحزب الاستقلال وأحزاب اليسار، فإنه يمكن القول بأن الصراع قائم الآن بين ‘المخزن’ والإسلاميين. ويدل مفهوم ‘المخزن’ في الوعي الجمعي السياسي للمغاربة على السلطة الحاكمة بصفة عامة، وعلى وزارة الداخلية بصفة خاصة. أما الإسلاميون؛ فيتألفون من عدة تيارات، أبرزها جماعة العدل والإحسان ذات المرجعية الصوفية، والتي تتبنى خيار التغيير في صراعها الجلي مع المخزن، وحزب العدالة والتنمية القريب هو وحركته الدعوية التوحيد والإصلاح من فكر الإخوان المسلمين، والذي يتبنى خيار الإصلاح في صراعه الخفي مع المخزن، وهذا المقال خاص بهذا الصراع الخفي.وأول ما يجدر ذكره بشأن ذلك، هو أن حركة التوحيد والإصلاح تشكلت باتحاد حركة الإصلاح والتجديد مع رابطة المستقبل الإسلامي، ثم نجحت في إقناع عبد الكريم الخطيب بتأسيس حزب العدالة والتنمية بعد أن تعذر على حركة الإصلاح والتجديد تأسيس حزب التجديد الوطني، وقد وافق الخطيب على ذلك مشترطا الاعتراف بالمؤسسة الملكية، وهذا ما لا تقر به جماعة العدل والإحسان، حيث ترى أن الحد الأدنى لقيام ديموقراطية حقيقية يترتب عنها تغيير جذري هو الملكية البرلمانية على غرار الملكيات الغربية. وقد تأتى لحزب العدالة والتنمية بفعل ذلك تكثيف حضوره السياسي داخل البرلمان وخارجه، حيث خاض معارك عديدة أشهرها معركته ضد ما سمي آنذاك بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، والتي كانت تنادي بعدة مطالب من بينها مساواة المرأة بالرجل في الإرث، وكانت أقوى لحظاتها مشاركته الواسعة في مسيرة المليونين بالدار البيضاء بتاريخ 12 مارس 2002. ومن جهة أخرى حصل الحزب على 42 مقعدا في الانتخابات التشريعية في نفس السنة. وقد أثار هذا الحضور السياسي التصاعدي لحزب العدالة والتنمية مخاوف المخزن والأحزاب التقليدية على حد سواء، وقد تزامن ذلك مع ما كان يعرف بالحرب الدولية على الإرهاب، وكان الحزب قد رفض قانون الإرهاب الذي عرضته الحكومة على البرلمان من أجل التصويت عليه، فلما وقعت أحداث 16 ماي سنة 2003 في مدينة الدار البيضاء كشر تحالف المخزن والأحزاب التقليدية – خاصة اليسارية منها- عن أنيابه، محملا حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية عن هذه الأحداث، وكاد يترتب عن ذلك حل الحزب في ظل ضغوط إعلامية شديدة مورست عليه، وما كان عليه في ظل هذه الظروف إلا أن يقبل بحل وسط لخطة إدماج المرأة، وأن يقبل أيضا بتمرير قانون الإرهاب الذي كان يعارضه قبل ذلك، وأن يقبل بمشاركة محدودة في الانتخابات البلدية. كان ذلك هو الصدام الجلي الثاني بين المخزن والعدالة والتنمية بعد الصدام الأول الذي وقع بين الشبيبة الإسلامية المنحلة، والتي انتمى إليها كثير من قيادات العدالة والتنمية. أما الصدام الثالث الجلي، فابتدأ عند تأسيس صديق الملك فؤاد عالي الهمة لحزب الأصالة والمعاصرة الذي تولى تحجيم نفوذ حزب العدالة والتنمية، وذلك بالمزواجة بين استقطاب الماكينة الانتخابية ممثلة في الأعيان ورجال الأعمال، وبين ضم النخبة المثقفة الحاقدة على العدالة والتنمية، بل إنه سعى للتحالف مع عدة قوى أخرى أبرزها حزبان إداريان رئيسيان هما التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري. وقد ظهر هذا التصدي صارخا في الانتخابات البلدية الأخيرة، وكانت أخطر فصوله إفشال التحالفات السياسية للعدالة والتنمية في عدد من المدن أبرزها طنجة ووجدة، وكان الجميع يرى أن الانتخابات التشريعية لسنة 2012 ستؤول نتيجتها لصالح الأصالة والمعاصرة.ثم تأتى لحزب العدالة والتنمية أن يتنفس الصعداء لما هبت على المغرب رياح الربيع العربي ممثلة في حركة 20 فبراير التي تشكلت أساسا من جماعة العدل والإحسان ومن اليسار الراديكالي. لقد رأت حركة 20 فبراير في الربيع العربي فرصة هامة للتحول نحو الملكية البرلمانية كحد أدنى للتغيير الحقيقي، أما حزب العدالة والتنمية فإنه رفض الانضمام إلى هذه الحركة لسببين اثنين، أولهما إيمانه بأهمية المؤسسة الملكية في ضمان وحدة المغرب وأمنه من الناحيتين السياسية والروحية، وثانيهما وعيه بأن نسبة كبيرة من المغاربة لهم تعلق عاطفي عميق بهذه المؤسسة، وبالتالي فإن وقوفه الميداني مع حركة 20 فبراير قد يؤدي إلى ‘حرب أهلية’ مفضية إلى تفكك المغرب المتنوع في تركيبته السكانية، وإلى ضياع الصحراء الغربية دون الظفر بالمراد، ومن هنا فالأجدر اعتماد خيار الإصلاح السلمي والمتدرج على الطريقة التركية، وهذا ما يفسر مباركة الحزب للدستور الجديد الذي عين الملك لجنة كتابته ودعا للتصويت عليه بـ: ‘نعم’. ومن الجائز أن الحزب رأى في توليه رئاسة الحكومة ذات صلاحيات مهمة، وبالتالي تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية مدخلا حيويا لتوسيع قاعدته الشعبية، وهذا ما يتيح له الضغط من موقع قوة في الوقت المناسب من أجل التحول الكامل إلى الملكية البرلمانية على غرار الملكيات الغربية.ولم يكن للمخزن أول الأمر إلا الانحناء أمام عاصفة الربيع العربي، لكن لما وقع التعثر في دول الربيع العربي، وانسحبت جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير، تبين له أن وضع المغرب مختلف، وأن قلة صغيرة من المغاربة تعنيهم فكرة التغيير، ويستثنى من ذلك مدينة طنجة التي تنشط فيها جماعة العدل والإحسان بقوة. وبسبب هذه المتغيرات، صار المخزن يضع أمام العدالة والتنمية خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها، ومن المؤشرات الدالة على ذلك رفضه لشروط دفتر التحملات المتعلق بقنوات الإعلام العمومي، والتي كانت تسعى لتعزيز القيم الإسلامية واللغة العربية فيها. وفيما يتعلق بملف الفساد، صرح رئيس الحكومة قائلا: عفا الله عما سلف، ثم توالت مؤشرات الصدام بين الطرفين، وكان آخرها منع وزارة الداخلية ـ التي يخضع وزيرها لإشراف بن كيران ـ تنظيم حفل لشبيبة العدالة والتنمية في ساحة عمومية بحضور بن كيران نفسه.والحق أن موازين القوى فرضت على العدالة والتنمية قبول ‘الفرملة المخزنية’ مثلما فرضت على المخزن في وقت سابق الرضوخ لمطالب العدالة والتنمية. ويمكن استشراف مستقبل العلاقة بين المخزن والعدالة والتنمية من خلال احتمالين اثنين رئيسيين لهما صلة بدول الربيع العربي؛ أولهما فشل هذه الدول سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهنا لن يسمح المخزن في الغالب لحزب العدالة والتنمية بتحقيق أي نجاح حكومي، لأن من شأن هذا النجاح أن يقلص حتما بصورة كبيرة من سلطاته التنفيذية، وهذا يعني أن تجربة الاتحاد الاشتراكي الفاشلة بقيادة عبد الرحمان اليوسفي ستتكرر مع العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله بن كيران، وحينها لن يجد حزب الأصالة والمعاصرة أية صعوبة في اكتساح الانتخابات التشريعية القادمة، لكن ربما تنجح سياسة التطبيع التسامحية التي ينهجها بن كيران مع المخزن في تغيير نظرته إلى الأمور، فيسمح بتأويل ديموقراطي للدستور مقابل أداء الحزب للوظيفة الإطفائية للأزمات العديدة التي يتخبط فيها المغرب. وثانيهما نجاح هذه الدول في الميادين سالفة الذكر، وهنا سيكون حزب العدالة والتنمية أكثر جرأة في خطابه السياسي وما يترتب عنه من إجراءات عملية، وإذا قاوم المخزن هذه الجرأة مع عجزه عن تلبية المطالب الأساسية للناس ممثلة في العمل والسكن والدواء، فستتمكن حركة العدل والإحسان واليسار الراديكالي من استقطاب تدريجي للفئات الاجتماعية المسحوقة، وربما لن يتردد حزب العدالة والتنمية نفسه في الالتحاق بهذا التيار، وكل شيء حينها وارد الوقوع.’ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية