عبد الحميد صيام خيب أوباما آمال العرب والمسلمين في الولايات المتحدة لسبب بسيط وهو أن نسبة الأمل التي عقدت عليه كانت أعلى مما يجب. فكلما كانت فسحة الأمل أوسع كلما زاد حجم الإحباط عند الخيبة. لقد ظن الكثيرون، ونحن منهم، أن أوباما، سيجعل شغله الشاغل قضية فلسطين والعمل على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والانسحاب من العراق وأفغانستان وإغلاق معتقل غوانتانمو الكريه، واحترام الحقوق المدنية وتصحيح العلاقة مع الشعوب العربية والإسلامية. لذا اندفع العرب والمسلمون في الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق للتصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008 بشكل شبه مطلق لبراك أوباما. لقد زادت نسبة تصويت العرب والمسلمين لأوباما عن 85′ وهي أعلى نسبة تصويت بعد الأمريكان من ذوي الأصول الأفريقية. أربع سنوات تمكن أوباما من الوفاء ببعض الوعود لا بالوعود كلها لأنه بكل بساطة لا يستطيع حتى ولو كان يتمنى ذلك. فالولايات المتحدة بلد المؤسسات الأقوى من الأشخاص، والرئيس لا يتسطيع أن يأخذ قرارا دون أن يتجاوز سبع حلقات على الأقل من بينها الكونغرس بمجلسيه القويين والوزارة المعنية ومجلس الأمن القومي والصحافة الشرسة واللوبيات المرعبة كالإيباك والرأي العام ومراكز الدراسات والخبراء والشركات العملاقة. بداية أوباما كانت موفقة ولكن…بدأ أوباما يومه الأول في البيت الأبيض يوم 20 كانون الثاني (يناير) 2009 على خلفية مجزرة غزة التي توقفت بضغط أمريكي قبل يومين فقط من حفل التنصيب. فكان من أولى قراراته أن عين الدبلوماسي القدير جورج ميتشل مبعوثا خاصا لإحياء العملية السلمية المجمدة منذ عام 2005 وتقريب وجهات النظر بهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة وقابلة للحياة كما كرر أوباما مرارا. وقد إختار أوباما أن يلقي أول خطابين للعالمين الإسلامي والعربي لتصحيح العلاقات المتوترة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، الأول في إسطنبول بتاريخ 6 نيسان (أبريل) والثاني في القاهرة بتاريخ 5 حزيران (يونيو) 2009. وفي خطاب القاهرة ولأول مرة يتحدث رئيس أمريكي عن معاناة الشعب الفلسطيني ‘منذ أكثر من 60 عاما’ مذكرا أن مرجعية المأساة الفلسطينية ليس الاحتلال الذي حدث عام 1967 ولكن نكبة عام 1948 وقيام دولة إسرائيل. ثم تابع أوباما مواقفه الشجاعة في خطابه الأول أمام الجمعية العامة في 23 أيلول (سبتمبر) 2009 حيث قال إننا نتوقع أن تكون فلسطين دولة مستقلة وعضوا في الأمم المتحدة مع بداية الدورة القادمة. ثم تجرأ أكثر في أيار (مايو) 2011 وأعلن أن الدولة الفلسطينية لا بد أن تقام على حدود الرابع من حزيران (يونيو) وقال ‘إن إسرائيل لن تكون دولة تتمتع بسلام حقيقي قائم على احتلال دائم’.لا نشك أبدا أن نوايا أوباما كانت صادقة ولم يكن يعرف أن القوى المناهضة للحقوق الفلسطينية أكبر بكثير من قوة الرئيس وخاصة في غياب أي ضغط عربي. لم تكن القوى المناهضة للرئيس تتمركز فقط بين أنصار إسرائيل واللوبي الأشرس ‘أيباك’ بل إنقض على الرئيس صقور الحزبين الجمهوري والديمقراطي لدرجة أن الحزب الديمقراطي خسر الانتخابات النصفية عام 2010 حيث تمكن الحزب الجمهوري من السيطرة على المجلسين. لقد إعترف أوباما في مقابلة مع مجلة التايم في 20 كانون الثاني (يناير) 2010 بمناسبة مرور عام على توليه الرئاسة أنه لم يكن يتصور صعوبة العملية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتعنت الأطراف وتمترسهم حول مواقف ثابتة دون مرونة واعترف لو أنه كان يعرف حجم الصعوبات لخفف من سقف التوقعات التي أطلقها في بداية ولايته.إنجازات لم تكتمل بعدلقد جاء أوباما بعد سنوات الخراب والحروب والإفلاس الثمانية لإدارة بوش والمحافظين الجدد وكانت مهمة أوباما الأساسية أن يوقف تدهور العربة وانزلاقها نحو الهاوية وهي مهمة صعبة بالنسبة لدولة عظمى يعادل اقتصادها ربع اقتصاد العالم بأكمله. ومع ارتفاع سقف التوقعات المحلية والدولية في إدارة يعتبر وصولها إلى البيت الأبيض معجزة في حد ذاته كان هناك خيبة أمل على المستويين المحلي والدولي. فالاقتصاد وإن شهد نوعا من التعافي إلا أن نسبة البطالة ما زالت عالية وما زال معتقل غوانتانمو مفتوحا وتراجع اهتمام الإدارة بالشأن الفلسطيني تماما ومورست الضغوط على السلطة الفلسطينية كي لا تتقدم بطلب عضوية كاملة في الأمم المتحدة واستخدم الفيتو الأمريكي لمنع إدانة النشاط الاستيطاني في شباط (فبراير) 2011. كما أن مواقف الإدارة الأمريكية من الربيع العربي اتسمت بالذبذبة والتردد أحيانا والدعم بالمال والسلاح أحيانا أخرى والصمت واللعثمة والتقلب عندما تعلق الأمر بالبحرين واليمن. كما أن أوباما توسع في استخدام الطائرات بدو طيار في استهداف عناصر القاعدة في باكستان واليمن والصومال وتمكن من تصيد أسامة بن لادن في باكستان وأنور العولقي في اليمن ونشطاء آخرين في الصومال.قوة الدبلوماسية أم دبلوماسية القوةرغم كل المثالب التي ميزت فترة رئاسة أوباما لكننا لا يمكن أن نقارنه بالرؤساء الجمهوريين السابقين مثل بوش الأب والإبن وريغان أو المرشح الجمهوري ميت رومني الحامل لعصا غليظة والذي اتهم أوباما بأنه قذف بإسرائيل تحت عجلات الحافلة. فالجمهوريون معروفون بأنهم رعاة الحروب وتسخين الأزمات الباردة وخلق بؤر التوتر والإسراع إلى استخدام السلاح وتهميش دور الدبلوماسية والوساطة وإقفال قنوات الحوار والانصياع لمؤسسة الصناعات العسكرية وتقديم كل ما تطلبه إسرائيل سياسيا وعسكريا. ومن نسي فليتذكر اتفاق بوش مع شارون عام 2004 حول القدس وعدم الانسحاب لحدود 2004 وإلغاء حق العودة.أوباما بـرّ بوعده وسحب القوات الأمريكية من العراق وظل يردد أن تلك الحرب لم تكن ضرورية. ووعد أن ينسحب من أفغانستان مع نهاية 2014 وهو يعمل الآن على مساعدة أفغانستان لبناء قدراتها الذاتية ولا يمانع من فتح حوار مع طالبان إذا ما كان في ذلك خير للبلاد.وأوباما خفف من عمليات التعذيب وتصدير المتهمين إلى الدول الدكتاتورية لتعذيبهم واستجوابهم. كما أنه في أكثر من مناسبة عبر عن احترامه للمسلمين وعقيدتهم وحقهم في ممارسة شعائرهم دون خوف أو وجل بل وتدخل لمنع القس المهووس تيري جونز من إحراق نسخ من القرآن. وعين من بين العرب والمسلمين وزراء ومستشارين. وتنفس العرب والمسلمون الصعداء بعد أن خفت حدة ملاحقتهم والتنصت عليهم ومراقبة حركاتهم وتجمعاتهم بل وتشجع العرب والمسلمون بعد انتخاب أوباما للانخراط في العملية السياسة والمشاركة والاستمتاع بحقوق المواطنة وقد شارك نحو 65 عضوا عربيا / مسلما في مؤتمر الحزب الديمقراطي في شارلوت بكارولاينا الشمالية.وأهم ملف في رأينا آثر أوباما استخدام الدبلوماسية فيه بدل القوة هو ملف الأزمة الإيرانية. فرغم كل ضغوط إسرائيل وحلفائها في الحزبين وقوة الأيباك إلا أن أوباما رفض الرضوخ للضغط وظل يفضل الدبلوماسية على القوة بل وأرسل رسائل لإيران يؤكد أنه لن يستخدم القوة. وقد أدت هذه المواقف إلى توتر في العلاقات بينه وبين ناتنياهو ولم يقم أوباما بزيارة لإسرائيل طوال سنواته الأربع. لقد كان أول رئيس يطرح قانونا للتأمين الصحي الشامل لكافة المواطنين كما أنه أقر قوانين في منتهى الرحمة للمهاجرين غير الشرعيين من بينها تجميد الترحيل القسري لمدة سنتين.إن محاولة سحب جملة القدس عاصمة إسرائيل الأبدية من برنامج الحزب الديمقراطي جاء بناء على توصية من روبرت ويكسلر وبموافقة أوباما. وويسكلر أحد قيادات الحزب اليهود والناشط في مجال السلام وذلك كي يكون برنامج الحزب منسجما مع سياسة الدولة الرسمية التي يمثلها الرئيس أوباما والتي تعتبر القدس منذ عام 1967 وحتى الآن شأنا لم يحسم وتقرره الأطراف المعنية بعد أن يخضع لمفاوضات الوضع النهائي. فسفارة الولايات المتحدة مقرها تل أبيب والسفير الأمريكي يعمل من تل أبيب ولا يوجد دولة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. لكن إطلاق حملة فورية من الحزب الجمهوري ضد أوباما واتهامه بالتخلي عن إسرائيل عاد وأقنع الحزب بإعادة الجملة بعد سحبها من البيان الحزبي بعد التصويت على الجملة ثلاث مرات كي لا تكون سلاحا مجانا يستخدمه المتطرفون الجمهوريون والليكوديون الأمريكان ضد أوباما. إن مجرد المحاولة شيء إيجابي ويعكس قناعات متنامية لدى الأجيال الجديدة من الديمقراطيين.ونود أن نؤكد أخيرا أن الانتخابات الحالية ستتمحور حول الاقتصاد والبطالة والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والهجرة وستكون السياسة الخارجية ثانوية وهامشية. لكننا نثق أن أوباما في دورته الثانية سيكون متحررا من قيود الدورة الأولى وأن قدرته على التحرك ستكون أوسع. لن نتوقع أن يقوم أوباما بالتخلي عن إسرائيل لكنه بالتأكيد يفهم الوضع الفلسطيني أكثر من غيره ليس مثل رومني الذي اتهم الفلسطينيين بالتخلف الحضاري قياسا لإسرائيل وأطلق حملته الانتخابية من القدس. ولذا نرى أن الجالية العربية والإسلامية ليس أمامها خيار غير التصويت لأوباما لأن الخيار الآخر أسوأ ولا نتوقع هروب الأصوات العربية والمسلمة من رمضاء أوباما إلى نار رومني كما قال عمرو بن الحارث: كالمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار ‘ أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك