كالمسافة بين دلهي ورام الله

حجم الخط
0

عميره هاسالضفة الغربية تشتعل، فأين أبو مازن؟ في الهند، في زيارة رسمية. ان المسافة بين نيودلهي ورام الله هي طريق اخرى لتلخيص علاقات الاغتراب بين رئيس م.ت.ف، وهي المنظمة التي ترى نفسها ‘الممثلة الشرعية الوحيدة للشعب الفلسطيني’، وبين الممَثَل.هناك طريقة اخرى لتلخيص الاغتراب: في مقدمة منطقة المقاطعة المُرممة الفخمة يخضر حقل أعشاب صغير وفي وسطه نافورة. ولم تعد النافورة تعمل. لكن رشاشا يدور مرة كل بضعة أيام ويرش الماء. وذاك لأن مئات آلاف الفلسطينيين يعيشون بلا ماء جارٍ مدة أشهر الصيف الطويلة بسبب تحديد اسرائيل لكمية ماء الشرب.ينبغي ان نفترض ان يكون مستشارو محمود عباس القريبون قد قالوا له انه يستطيع السفر في هدوء لأن الضفة لا تشتعل حقا وان كل شيء تحت السيطرة. فقد حرص الخطاب الرسمي في البدء على الثناء على المظاهرات على غلاء المعيشة التي ليست هي ‘سياسية’. أي أنها لا تسعى الى تقويض سلطة فتح. لكن حينما رُجم مبنى بلدية الخليل بالحجارة وأُحرقت اطارات عند مدخل كل مخيم لاجئين وحاصر متظاهرون في نابلس مبنى الشرطة جاء التوبيخ فورا وخشية ان يكون الحديث عن ‘جهات اجنبية تريد تسخين الجو’.ان نظريات المؤامرة تُزهر. وواحدة منها تُسمع من حلقات رسمية هي أن اعضاء فتح بدأوا الاضرابات والمظاهرات وسيلة الى عزل رئيس الوزراء سلام فياض. واذا كانت هذه الاشاعة صادقة فان ذلك أخطر من اغتراب الرئاسة كثيرا: فهل أصبح اعضاء فتح مقطوعين جدا عن الواقع بحيث لا يعلمون مبلغ سوء الضائقة الاقتصادية ومبلغ عمق خيبة الأمل؟ أولا يعلمون ان كل مظاهرة هي ثقاب يمكن ان يُحرق أكثر من الاطارات وحاويات القمامة؟ ان طبيعة الحرائق أنه يصعب السيطرة عليها. ويتحدث الناس من جنين الى جنوب جبل الخليل عن السلطة الفلسطينية وكأنها سلطة اجنبية، أو احتلال ثانٍ.ان الاغتراب عن الشعب والفرق الذي لا يمكن جسره في صورة الحياة بين القادة والمرؤوسين هو الخبز الأساسي لجميع نظم الحكم ومنها النظم الديمقراطية، وعلاقة المال بالسلطة معوجة غير ديمقراطية على نحو سافر. منذ يوم انشاء السلطة الفلسطينية اعتقدت قيادتها أنه يحق لها ان تسلك سلوك ‘الكبار’ في الدول ذات السيادة: أي ان تغنى وتُغني حلقات ما وتنشيء سُلالات أصحاب مناصب رفيعة. وتم كل ذلك برعاية المحتل الاسرائيلي واحتاج الى إذن منه. والبديل عن كونه يطلب (ويأخذ) هو ان تصبح السلطة مقاولا ثانويا للاعتقالات والتحقيقات.في 2006 أُصيبت السلطة وفتح بضربة عظيمة حينما هُزمتا في الانتخابات. وكان يمكن اعتقاد أن تتعلما من الضربة وتُغيرا سلوكهما. وقد تمت التغييرات التنظيمية والمالية التي نفذتاها بعد أن تعاونتا مع الغرب من اجل تنحية حماس الحركة المنتخبة، قبل كل شيء لارضاء الدول المانحة. وفي مسار ‘بناء مؤسسات الدولة’ زاد عدم المساواة في المجتمع الفلسطيني عمقا. ومع ذلك منح جزء كبير من سكان الضفة الغربية السلطة شيئا ما من التفويض بناءا على توقع ان يفرض الغرب على اسرائيل مقابل ذلك احترام القرارات الدولية وان تنشأ دولة فلسطينية.لم يُرغم الغرب اسرائيل على شيء. وهو لا يستطيع بسبب الازمة العالمية ايضا الاستمرار في التعويض من الخسائر التي سببها للاقتصاد الفلسطيني السيطرة الاسرائيلية. وتتمسك السلطة بدبلوماسية لا تقضي على الاحتلال ولا تُجهد نفسها ايضا لاقرار سياسة اقتصادية داخلية مختلفة تُضيق الفروق الاقتصادية التي لا تحتمل من اجل محاولة اعادة بناء ثقة الجمهور بها (التسهيلات التي أعلنها أمس فياض هي حبة تخفيف آلام مؤقتة فقط). وماذا عن الجمهور؟ بقي مع ازمة اقتصادية وقيادة تحترم التزاماتها لاجهزة الأمن الاسرائيلية.هآرتس 12/9/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية