د. يوسف نور عوضفي عام 1989 قامت القوات البريطانية بمشاركة القوات المصرية في عملية غزو للسودان، ولم يتفق المؤرخون حتى الآن على الأسباب التي أدت إلى هذا الغزو، إذ يعتقد البعض أن الهدف كان وضع حد للثورة المهدية الإسلامية والتأكد من أنها لن تتمدد إلى مصر وغيرها من بلدان المنطقة، وذهب آخرون إلى أن السبب الرئيسي هو الانتقام لمقتل الجنرال ‘غوردون’ باشا آخر حاكم من أصل بريطاني قبل الثورة المهدية، ولو صدق ذلك يبقى السؤال قائما ما مصلحة مصر في مثل هذا الغزو؟ومهما يكن من أمر فإن هذا الغزو أدى إلى الاحتلال البريطاني المصري للسودان على مدى ستين عاما، وعلى الرغم من الشراكة المصرية في هذا الحكم فإن المصريين لم ينغمسوا بصورة مباشرة في عملية الحكم، غير أنهم انغمسوا في المشروعات التي تقوي من العلاقات المصرية السودانية وخاصة في المجال التعليمي، إذ كانت المدارس المصرية موازية للمدارس التي أنشأها الإنكليز في البلاد.وعلى الرغم من أن الكثيرين ظلوا يصنفون الحكم البريطاني في السودان على أنه حكم استعماري فإن البريطانيين لم يظهروا أية رغبة في استغلال موارد البلاد لمصلحتهم وكانت سائر المشروعات التي أقاموها ذات مصلحة مشتركة بالنسبة للطرفين .ومن أهم المشاريع التي أقامها البريطانيون مشروع السكك الحديدية الذي ربط مناطق الشرق والغرب والشمال بسكك حديثة لا يقل مستواها عن السكك الحديدية في بريطانيا اليوم، ولم تصل السكك الحديدية إلى مناطق الجنوب، وذلك بسبب استراتيجية البريطانيين الذين اعتبروا الجنوب مناطق مقفولة إذ كانت مسألة العلاقة بين الشمال والجنوب قضية مؤجلة. وكان من بين المشروعات التي أقامها البريطانيون في السودان مشروع الجزيرة الذي تخصص في زراعة القطن طويل التيلة والذي أصبح المصدر الأساسي للدخل في السودان، وكان تركيز البريطانيين على هذا النوع من القطن لحاجة مصانع ‘لانكشاير’ لاستخدامه في صناعة النسيج.وأما من الناحية السياسية فقد قسم الانكليز السودان إلى تسع مديريات على رأس كل منها بريطاني يساعده عدد من الإداريين السودانيين، ووضع البريطانيون بذلك أساس النظام الفدرالي في السودان، وكان ذلك محل تقدير جميع السكان ولم تحدث حوادث اعتداء على البريطانيين طوال حكمهم للبلاد، ويلاحظ أن البريطانيين خلال فترة حكمهم للسودان حرصوا على الفصل بين الشمال والجنوب لأنهم كانوا يعتبرون الجنوب مشكلة مؤجلة وهم لم يريدوا أن يورطوا أنفسهم في حل لهذه المشكلة. وعلى الرغم من الجوانب الإيجابية للحكم البريطاني في السودان فقد ارتفعت الأصوات الوطنية المطالبة بإنهاء الحكم الأجنبي للبلاد وتسليم السلطة لحكام وطنيين، وكانت الحركة الوطنية في جوهرها مكونة من تيارين أحدهما ينادي بوحدة وادي النيل بقيادة السيد اسماعيل الأزهري ورعاية رائد الطائفة الختمية السيد علي الميرغني. و كان التيار الثاني بقيادة حزب الأمة الذي تدعمه جماعة الأنصار، ويدعو إلى استقلال السودان، وقد وجد هذا التيار دعما من السلطات البريطانية التي لم تكن تريد للسودان أن يظل في أحضان مصر.وانتهت فترة حكم البريطانيين بقيام الحكم الوطني الذي قاده التياران السابقان والقائمان على أرضية طائفية وذلك ما جعل هذا الحكم الوطني لا يستمر أكثر من عامين، حيث انتهى بانقلاب عسكري قاده الفريق ابراهيم عبود الذي كان حكمه باهت اللون ولم يتميز بطموحات سياسية على الرغم من طهارة اليد التي لم يعرفها أي حكم آخر في السودان .وانتهى هذا الحكم بثورة طلابية قادها طلاب جامعة الخرطوم وشاركت فيها جبهة الهيئات المكونة من المحامين وقادة المؤسسات الاجتماعية ،وهكذا عاد الوضع السياسي إلى حالته القديمة بسيطرة الطوائف والأحزاب التقليدية حتى قاد الرئيس جعفر النميري انقلابه في عام 1969 ،ولم يحمل النميري أية فلسفة جديدة في الحكم إذ كان طموح الضباط في كل بلاد العالم العربي هو التحرك من أجل الاستيلاء على السلطة، وذلك ما فعله الرئيس النميري الذي انتهى حكمه نهاية طبيعية بثورة شعبية ولكن الضباط تحركوا مرة أخرى في عام 1989 لتأسيس حكم الإنقاذ وهو الحكم الذي حمل التنظيمات الإسلامية إلى الحكم. وهي تنظيمات انتظرت طويلا قبل أن تتمكن من هذا المستوى من العمل السياسي، ومنذ البداية ظهر أن قيادات هذا الانقلاب لم تكن تمتلك تصورا أساسيا لكيفية بناء نظام إسلامي ،إذ ركزت في أول الأمر على مواجهة المعارضين بالعنف، وقد تمثل ذلك في بيوت الأشباح كما لجأت قيادات الإنقاذ في أول الأمر إلى تطبيق الحدود بطريقة قاسية حتى لكأن إقامة نظام إسلامي لا يحتاج إلى أكثر من إقامة الحدود، وحتى الآن وبعد ثلاثة وعشرين عاما نرى الرئيس السوداني عمر البشير يعد الناس بقيام دستور إسلامي، وإذا كان الأمر كذلك فماذا كانت تفعل الدولة خلال تلك المدة الطويلة.ومن جانب آخر فأن تأسيس نظام حكم الإنقاذ استقطب عداوة الولايات المتحدة بشكل خاص وبصفة ممعنة في التشدد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي جعلت الأمريكيين يوجهون عداءهم نحو سائر الحركات الإسلامية، وقد تمثل ذلك بالنسبة للسودان في الهجوم الذي قامت به الولايات المتحدة ضد مصنع الشفاء الذي اتهمته بالعمل على تصنيع أسلحة كيماوية، كمت ساندت الولايات المتحدة فكرة تقديم الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى محكمة الجنايات الدولية، ولم يتوقف عداء الولايات المتحدة للسودان عند ذلك بل أوحت للرئيس السوداني أن إجراء استفتاء بشأن مستقبل جنوب السودان سيجد ترحيبا من الولايات المتحدة وسيحسن العلاقات بينها وبين بلاده، وابتلع النظام السوداني هذا الطعم وذهب البعض إلى القول بأن التخلص من جنوب السودان سوف يفتح المجال لإقامة نظام إسلامي قوي في الشمال، وجاءت نتيجة الاستفتاء في آخر الأمر بانفصال جنوب السودان، ولم تقف طموحات الحركة الشعبية عند ذلك بل ذهب بعض قادتها يتحدثون عن وجود لهذه الحركة في الشمال وطالبوا بأن تتبع مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة إلى دولة جنوب السودان، وهكذا تم وضع الأساس لتقسيم السودان وتفكيكه وهو أمر يجب أن تنظر إليه حكومة الإنقاذ بمنتهى الجدية، ليس فقط بتوسيع دائرة المشاركة في الحكم بل بالبحث عن أسلوب حديث من أجل إقامة نظام متطور في السودان.’ كاتب من السودان