بحث عن عالم ذاب كمكعبات ثلج هشةنائل بلعاوي1 ـ هي متعة السير البطيء في امكنة لم تعد تقول او تشير الى ذاك البعيد الذي اشارت يوما اليه، وقالت، ما لا تقوله الان عنه.. متعة التجوال في افقٍ رفيع البعد، ساحر المعنى وشديده. في عوالم خيالية الوقع، تشبه السحر، ولعلها السحر بعينه.. لكنه السحر القريب،اللطيف، المُعاش، ما نحسه ونراه، ونذهب ،بمودة العاشقين واحلامهم، اليه: المقهى الصغير على زاوية الشارع.. طاولات الخشب، كستنائية اللون في المطعم المجاور… حديث الاديب، قليل الخبرة والموهبة، عن روايته الجديدة.. اخبار الحروب البعيدة في الصحف.. اعلانات الاوبرا وامسيات الشعر..تسريحة الشعر الغريبة للمغنية الاسبانية.. فنون توزيع الكتب.. اسعار اللوحات في المعارض الكثيرة.. حكايات الفقراء.. الاثرياء.. الجياع.. المرضى.. انواع الادوية الحديثة.. اقتراب احزاب اليمين من سدة الحكم .. تراجع اليسار.. الحرب.. الذهاب، بلا عودة، الى ما وراء المحيط.. الغناء على السفن .. الدخول في متاهة العيش العجيبة.. الموت.. الانتحار.. واشياء اخرى واخرى، نحس ايقاعها حين يرتفع، نمسك بالدقيق من تفاصيلها.. كاننا كنا هناك، في الازقة عينها، في المقاهي.. على الطاولة التي غاص سطحها في غابة الاوراق والاقلام، وفي حقل المواجع والذكريات العالية.الى عالم لا تخطىء العين ولا النفس ملذاته واسباب رفعته يعود بنا شتيفان سفايك في نصه الاستثنائي: (عالم الامس). يسير بنا، معه، في دهاليزه، يدلنا على الخفي والجميل، كما القبيح والجلي، في متونه، يدخلنا الى ساحة المسرح المركزي في فيينا.. نسمع وقع الكلمات على الخشبة. نشاركه الحوارات الساخنة في مقهى (لاندمان) المجاور، نوافقه الرأي، على اي شيء، او نختلف، على اي شيء، معه. وحين يعود، سيرا على الاقدام، الى بيته في وسط المدينة، نعود معه، نقاسمه العشاء الخفيف والنبيذ، شديد الاحمرار والتأثير، ونقرأ الفصل الاخير من كتاب النجوم والافلاك.. وحين ينام، نتابع نحن القراءة.. نحتفي بالحكاية، بتلك المدينة، بذلك الاسطوري منها، برهافة المفردات على الورق، وانسياب النص، مثل جرعات النبيذ: (لم افكر يوما، او اصدق، ان لذاتي ما يميزها ويرفع من شأنها. ولم اجرؤ على تقديم تلك الذات في نص ما، تكون هي مركزه الفعلي. كان لا بد لاشياء عديدة وصارمة ان تحدث، كان لا بد من نقلة يصنعها الزمن وتؤكدها الاحداث، ان تجيء، وان تبدل كل ما حولي، لاكتب.. لاقدم الكلمات لا اكثر، فالزمن، هو الذي يصنع الصور والمشاهد، وما انا سوى راويها).وهو الراوي الاجمل، صاحب التفاصيل الدقيقة والذكية والقدرات العجيبة على استحضار ما يمكن ان يفوت، ما نظنه بلا قيمة تذكر او اشارات رفيعة، لنكتشف ان العكس هو الصحيح تماما، وان التفاصيل، قليلة الاهمية كما تبدو من الخارج،هي الاكثر سطوة ومقدرة على صناعة المشهد، واعادة نشكيله من جديد: (من صباح السبت الى صباح السبت الذي يليه يلتقي جداي حول الطاولة في حديقة بيتنا الكبير، ويكرران الحديث عينه حول اسعار الاراضي والاشجار المثمرة، وما يجدر بهما ان يتناولاه من الاطعمة على العشاء، قبل ان يحين موعد الغداء بكثير، وما على القيصر ان يتخذه من قرارات لحماية البلاد من الحرب… اين هي الحرب تحديدا.. لا يعلم جداي عنها اي شيء، انها مجرد خبر صغير في زاوية الصحيفة).في زاوية صغيرة من الصحيفة هي الحرب. مجرد خبر محايد عن جغرافيا محايدة لا تطالها العين، ولا يترك صداها الكثير من المتاعب والازمات، فما يجري هناك.. في الامكنة البعيدة، هو هناك في البعيد، اما هنا، في عالم ما قبل الحرب، عالم الامس الذي يعمل شتيفان سفايك، وبحرفية عالية، على تقديمه. فلا شيء يدعو للقلق، لا شيء يعكر صفو الحياة وانسياب احداثها: (ينشغل الناس من حولنا بهموم العيش اليومي وتحسين مستواه.. لقد ظهرت العديد من شركات التامين على الحياة والممتلكات، وزادت الاموال المدخرة في البنوك، صارت فكرة التوفير عامة تماما ومنتشرة بين مختلف الشرائح الاجتماعية، كذلك فكرة التامين الصحي ومراقبة امراض الجسد بطريقة حديثة). وفي مقطع اخر يضيف: (كان الاحساس العام بالامن والامان هو المتفوق على ما عداه، امنة كانت الطرقات من البيت الى اي مكان اخر، امنة كانت المطاعم والمقاهي والبارات، لقد وفر ذلك الاحساس الرفيع بالامن مناخا جيدا للابداع الاقتصادي والادبي، لم يكن لدينا ما نخشاه، بل الكثير مما نخشى على فقدانه).في ذلك العالم الذي يخشى المرء فداحة فقدانه: يبدع سفايك، يتحول من مجرد :(ولد عابر ومدلل) لعائلة ثرية (يهودية، دون مظاهر خارجية او داخلية، تدل على دينها) كما يصفها هو. الى كاتب تتلقف الصحف والمجلات الثقافية نصوصه باحترام كبير، قبل ان تبدأ دور النشر السعي الى اصدار اعماله الادبية العديدة، اذ لن يمر الكثير من الوقت، ويصبح سفايك : واحدا من الكتاب الاكثر شهرة في عموم المنطقة الالمانية، الى جانب شهرته ،التي تحققت، بفضل الترجمات المنتظمة لاعماله المختلفة،على امتداد القارة العجوز ولغاتها المتنوعة.تعددت ابداعات سفايك، في العالم المفقود، وتنوعت. لم تركن لحقل ادبي واحد وتزرع نباتها الجميل فيه، فالى جانب الرواية التي الصقت صفة: الروائي به، هناك العديد من الصفات الاخرى التي تُضاف، عادة، الى اسمه : الشاعر.. الباحث.. المترجم.. كاتب الاوبرا.. المقال الادبي، ناهيك عما عرف عنه من هوايات شخصية : جمع التحف القديمة والكتب النادرة، اضافة الى شغفه الدائم باقتناء الممتلكات الخاصة لبعض الاسماء التي يحب:/ قام، على سبيل المثال لا الحصر، بشراء المقتنيات الشخصية التي ضمها البيت الاخير لبيتهوفن 1770- 1827 في فيينا) وقد اعلن سفايك اكثر من مرة: (سرير بيتهوفن، طاولته الصغيرة،اوراقه.. كل ما خلفه، وصار ملكي الان، هو الثروة الحقيقية التي املك). ولكنها الثروة التي لن تدوم، بالمعنى الشخصي، ايضا، فقد تغيرت الاحوال والاجواء وغابت اسباب الاحساس بالامن والامان: (سقطت اوروبا في مستنقع حماقاتها وجنونها غير المفهوم)، واصبح الرحيل بعيدا عن القارة التي يحب، هو الخيار الوحيد، فرحل شتيفان سفايك، ليكتب في البعيد: كتابه الاخير، وربما الاجمل، ‘عالم الامس’.- 2-سيرة المكان المفقود والمنشود هو عالم الامس، سيرة تنهل بشغف قوي من علاقة الذات بمحيطها الجغرافي والعمراني، كما الثقافي والسياسي، وتصنع، عبر ذاك التناغم الرفيع، بين الانا والمكان: صورتها، حدود احلامها واوهامها وبحثها العظيم عن لحظة اللقاء، تصالحي المعنى، مع نفسها اولا، ومع هذا / ذاك العالم الذي ذاب: (مثل مكعبات الثلج الهشة في كؤوس الماء).لا يبحث سفايك عن الاجوبة او يقدمها، ولا يطرح الاسئلة، هو لا يفتش عن اليات ذوبان عالمه الساحر، او يسعى لتفكيكها، بل يقدم: بلغة العاشق، الواقعي مرة، والحزين مرات اخرى: صورة ذلك العالم البديع قبل وقوع الكارثة.. ثم لحظة وقوعها وما قادت اليه من متاعب والم، دون ان يُسقط، على الصورة في الحالتين، اناه، اذ لا فرق في النص / واقع الحال هو ايضا كذلك / بين الانا والمكان، فنسيج العلاقة الكثيف بينهما هو الكفيل بتقديم المشهد، هو الضامن الاصدق للحكاية برمتها، وهو الحكاية عينها، فالمكان في هذا الكتاب هو شتيفان سفايك، لا فرق بين الكاتب المهووس بتفاصيل عالمه، وبين التفاصيل التي ينشكل منها ذلك العالم، لا فرق بين الراوي والحكاية التي يقص: (لم اعد اعرف حين غادر القطار الحدود النمساوية عابرا الى سويسرا، من منا سيسافر الان، وربما بلا عودة، انا ام هذه الامكنة الرائعة). و: (ما جدوى البحث، حقا، عن امكنة جديدة امنة ؟ لقد ذهب عالمي الامن وذهبت انا معه).على هذا المنوال: حيث التداخل العميق بين الانا والمكان، تسير عجلة القص / البوح في عالم الامس، هكذا ندلف مع شتيفان سفايك الى الحقبة الذهبية التي عاشتها النمسا بشكل عام، وعاصمتها الطليعية فيينا بشكل خاص في الفترة الممتدة من اواخر القرن التاسع عشر/ يبدأ الكتاب من هناك/ الى العام 1914 : بداية الحرب العالمية الاولى 1914-1918، التي شكلت ما يشبه الانهيار الكامل، ليس لاحلام الكاتب وابناء جيله فحسب،بل مهدت الطريق، ايضا، امام السقطة الاخلاقية الهائلة التي مثلتها الحرب العالمية الثانية. وشاركت بصنع الظروف التي اودت بالامبراطورية النمساوية / الهنغارية التي سيطرت على اجزاء كبيرة من القارة العجوز، واضعة، في الوقت عينه: نهاية لحكم العائلة القيصرية الشهيرة:(هابسبورغ) صاحبة التاريخ الطويل في السلطة:(700 عام)، وكان السقوط المدوي للعائلة في العام 1918 قد فتح الباب على مصراعيه امام قيام الجمهورية النمساوية الاولى في السنة ذاتها.الى تلك المراحل الحاسمة من تاريخ المكان، ندلف، مرة اخرى، مع سفايك. الى عوالم لا يشبه بعضها بعضا ندخل، حيث يتنقل الكاتب ،هناك، ليرصد اسرارها ويكشف، ما استطاع، مكوناتها الثقافية والاقتصادية، كما السياسية والاخلاقية، تلك التي ستجتمع في لحظة بوح واحدة: (لحظة الكتابة) لترسم الانا: انا الكاتب.. انا المكان، معلنة، بلا حذر او تردد، عن تألق الانا الروحي: صعودها الى سماء الانسجام الكلي مع الوجود. ثم انحدارها العنيف الى درجات العبث والاحساس القاهر باللاجدوى :(كنت امام خيار واحد لا غير، ساكتب لرئيس البلدية رسالة قصيرة، اعلن له فيها عن تنازلي الطوعي عن بيت العائلة في سالزبورغ… لم يعد لي هناك ما يفرح القلب، هي الذكريات، وحدها.. تلك القاسية). ويكتب سفايك رسالته (الرسمية الاخيرة) كما يقول، ويغادر النمسا الى المجهول:(حين تفقد اسباب الاحساس الشخصي بالامان، وتبتعد مرغما عن البيت، فانت تذهب، لا محالة، الى المجهول).الى مجهول حقيقي وصارم ،وقبل ان يخط رسالته المؤرخة في العام 1934 بكثير، ذهب سفايك. فقد اطاحت الحرب العالمية الاولى بالعصر الذهبي للبلاد و(فتحت ما سيصعب اغلاقه، كما يبدو، من ابواب الفوضى).ولكنها لم ترغم الكاتب على الرحيل النهائي عن النمسا، بل، وعلى العكس من طبيعة اهتمامات سفايك غير السياسية عادة، فقد كشفت الحرب والرغبة الانسانية بادانتها عن موهبته الفذة بكتابة المقالة الصحافية، الى جانب العديد من البحوث التاريخية المشغولة بفكرة الاعلاء من شأن السلام والحوار بين الشعوب وادانة الحرب. وهي: البحوث والمقالات وغير ذلك مما انتجه سفايك من نصوص ابداعية ابان سنوات الحرب وما بعدها ايضا.هي التي ستشارك مجتمعة في تحويل صاحب عالم الامس، الى واحد من اهم دعاة الفكر السلمي في الادب الالماني، والى حدود (مزعجة احيانا) على حد تعبير توماس مان (1875- 1955).تابع سفايك حياته متنقلا، خلال سنوات الحرب، بين فيينا وسالزبورغ، الى جانب زيوريخ التي اختارها مقرا له انذاك.فيكتب حيث يكون ويساجل،اينما حل او رحل، حول السقوط الاخلاقي والثقافي الذي تمثله الحرب للقارة العجوز، ويُعلي، بين هذا وذاك، من موقفه الرافض للوقوف في هذا المعسكر او ذاك :(مع هذا القتل او ذاك) فعلى الانسان، وضميره الذي يمثله الكاتب، ان يدين فكرة الاقتتال اصلا:(تلك رسالته.. اذا كان للكاتب من رسالة).انسجاما مع موقفه القطعي هذا، سوف يرفض سفايك العديد من عروض الصحف المحلية والاوروبية للعمل: مراسلا حربيا ومعلقا على الاحداث في جبهات القتال :(هم لا يبحثون عن مراسل صحفي محايد.. يريدون العثور فيما اكتب على وجهات نظرهم لا اكثر.. يريدون تبرير حروبهم غير المبررة عندي). و :(الكتابة هي فن مقارعة الحرب وصدها اذا امكن، وليست مسرحا لتسويقها). ولكنها :(مهمة صعبة، وربما مستحيلة… كيف يصد الكاتب حربا، وكيف يقنع هؤلاء الذين تورطوا بشرورها بانهم لا يقومون، في الواقع، سوى بالرقص من حول الجثث).لا يهادن سفايك، او يلين، سيبقى، الى وفاته لاحقا، ممسكا بفكرة (السلام الممكن بين البشر)، فلا شيء اكثر اهمية لديه من : (مهمة الدفاع عن الحياة) وادانة القتل: (نقيض الحياة)، وهي المهمة التي سيلزم نفسه بها، ويكتب من اجلها، ويخسر الكثير من اجلها ايضا، فقد رفضت العديد من الصحف الهامة في المنطقة الالمانية، انذاك، فكرة التعامل معه او نشر اعماله (انا المرفوض لاني لا اريد الحرب)، كما قاطعه البعض من الاصدقاء (كانوا، الامس، على شرفة منزلي في سالزبورغ يشربون النبيذ، واليوم، بعد ان سحرتهم فكرة الدفاع عن الوطن، لا يلقون السلام عليً). ليس هذا فحسب، فقد وصل الامر ببعض الكتاب الصغار (هكذا يصفهم سفايك ولا يسميهم) الى اتهامه بالخيانة الوطنية و- اغتيال الروح العامة – وغير ذلك من (حماقات اللحظة الحمقاء تلك)، ولكن سفايك الذي سار، بالمعنى النفسي والمادي ايضا، ومنذ اندلاع الحرب الاولى،على :(طريق اللاعودة) سوف يواصل تقديم خساراته الواحدة تلو الاخرى وصولا الى اللحظة الحاسمة.. لحظة الذهاب الطوعي الى الموت.- 3- لعائلة يهودية ثرية وغير متدينة ولد شتيفان سفايك يوم الثامن والعشرين من نوفمبر 1881 في العاصمة الامبراطورية فيينا/ النمسا :(ساحرة هي المدينة التي اسندت اليها اوروبا مهمة التعبير عن مستوياتها الجمالية والثقافية والانسانية العامة)، وساحرة هي المناخات التي سيكبر الطفل المدلل فيها :(عرفت منذ ايام طفولتي المبكرة، ان هذا الشيء الشفاف الداخل بلا مقدمات للروح هو الموسيقى) وان هذه المجلدات الكبيرة المصطفة في خزائن البيت هي : (قصص وحكايات وقصائد) كما سيعرف سفايك مبكرا بأنه :(محظوظ بالصدفة) وان تلك الصدفة :(ثراء العائلة المهووسة بافتتاح مصانع الالبسة) سوف تقوده لاكمال دراسته الاولى : (دون ضغوط مادية او نفسية تذكر)، وتمهد الطريق امامه نحو الحصول على درجة الدكتوراة في الفلسفة العام 1904 :(درست الفلسفة لانني احبها اولا، ولانني لا احمل هموم ومخاوف العثور على عمل بعد ذلك). وكان سفايك، قبل حصوله على الشهادة المذكورة، قد اصدر،قبل ان يكمل عامه العشرين بقليل، مجموعته الشعرية الاولى :(الصفحات الفضية) في العام 1901، وهي عبارة عن مجموعة صغيرة تضم عددا من القصائد المتأثرة بشدة، كما راى النقاد حينها براينر ماريا ريلكه 1875- 1926 و هوغو فون هوفمانستال 1874- 1929، وكان الاخير قد ساهم بشكل كبير في تأسيس، ما سيعرفه الادب النمساوي بـ : (الحداثة الشعرية الفييناوية)، الى جانب دوره الريادي في انطلاق المهرجان الثقافي الكبير:(مهرجان سالزبورغ) في العام 1921، المستمر، مع انقطاع طارىء خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، الى الان.سوف يعود سفايك مرة اخرى في العام 1906 ويصدر مجموعته الشعرية الثانية (اكاليل مبكرة)، ولكن، وكما حدث مع مجموعته الاولى، لم يلفت سفايك النظر اليه، ولم تحتف الاوساط النقدية به كشاعر، بل، ومنذ صدور مجموعته القصصية الاولى في العام 1904 والى اليوم، سوف يتم تعميد الكاتب : نقديا وعند القراء في ان، كواحد من اهم الاسماء الروائية في الادب المكتوب باللغة الالمانية بشكل عام.تابع سفايك، منذ صدور اعماله الاولى، نشاطه الادبي المحموم. لم يتوقف عن الكتابة والنشر او توسيع دائرة اهتماماته الابداعية التي طالت كافة حقول الكتابة تقريبا، فهو الشاعر والروائي والمسرحي وكاتب البحث الفلسفي والتاريخي والسيرة الذاتية، الى جانب المقالة الصحافية والتعريف ببعض الكتاب وتقديم اعمالهم، ناهيك عن شغفه الابدي بالاعمال الاوبرالية وادب الرحلات، ولعل الرحلات الكثيرة التي قام بها سفايك الى جميع اصقاع الارض تصلح، مجتمعة، لتشكيل ما يمكن اعتباره :انسكلوبيديا للبلدان والقارات، فهو:(الباحث عن اي شيء مثير وغير مسبوق سيعثر، بلا شك، عليه في الاسفار.. لهذا اسافر وسأسافر اكثر).اندلعت الحرب العالمية الاولى في العام 1914، وُطلب الكاتب، اسوة بابناء جيله، لأداء الخدمة الاجبارية،على الجبهات العسكرية في البداية، ولكن عدم صلاحية سفايك البدنية :(وهن الجسد والقليل من الامراض)، دفعت قادته الى تحويله للقسم الصحفي التابع للجيش، ليمضي القليل من الوقت هناك، قبل ان يتم توقيفه عن العمل ،ثم طرده ،عقابا له على موقفه المناهض للحرب، نهائيا من هناك :(وكأنهم يقولون لي: عليك ان تشارك في القتل، او تسافر)، ويسافر سفايك الى زيوريخ، ليمضي سنوات الحرب في سويسرا المحايدة: كاتبا ومحاربا من طراز رفيع ضد الحرب : (تدفعك الحرب دفعا لمحاربتها.. انها الشيء البغيض الذي علينا ان نقاومه باستمرار).. ولكنه لا يملك سوى الكلمات، اسلحته الوحيدة:(سلاحي الوحيد هو الكلمات، وعليً ان لا اتوقف عن استخدامها).عاد سفايك، على اثر انتهاء الحرب بقليل، ليواصل حياته من جديد في النمسا، في جعبته الكثير من الذكريات الجميلة، كما يقول، عن الحوارات الطويلة مع جيمس جويس 1882- 1941 وهيرمان هيسه 1877- 1962: (شركاء المنفى والرغبات والليل في زيوريخ).. ولكنها : (مجرد ذكريات..)، اما الحقيقة التي عاد اليها سفايك، فهي مختلفة تماما ولا تمت الى المشاهد الجميلة المخزنة بصلة، فقد دمُرت البلد وتحولت، هي الاخرى، الى جزء حميم من الذاكرة التي يتم استحضارها بلا انقطاع بعد ان تحول الواقع الى :(مصدر يومي للشعور بالتعاسة وفقدان الامل)، كما تحول المحيط الشخصي للكاتب الى :(باعث على القلق وفقط).لم يمنع المحيط الشخصي المقلق، ولا البلاد التي ُدمرت، لم يمنعا سفايك عن مواصلة مشروعه الابداعي، ولم يؤثرا كثيرا على نشاطاته المتعددة، فهو يكتب وينشر ويشارك في الندوات الادبية ويسافر، محاولا، بين هذا وذاك، ان يخلق عالمه المفقود : عالم الامس من جديد، فقد قدمت الفترة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية الاولى في العام 1918وصعود الحزب الاشتراكي الوطني بزعامة ادولف هتلر 1889- 1945 الى السلطة في يناير من العام 1933، ثم اندلاع الحرب الثانية في سبتمبر 1939. قدمت تلك الفترة: فرصة ذهبية لاستعادة :(الروح العظيمة لاوروبا وتطويرها) كما تصور سفايك، وهو الامر الذي لن يحدث كما نعرف،فقد عادت القارة العجوز، مرة اخرى، لتنتج المزيد من اسباب العنف التي بشرت بها النازية والفاشية وحولتها الى سننٍ للعيش وتدمير الذات، اذ لن تمر الكثير من السنوات، وتعود الاجواء المرعبة الى سماء القارة، ويعود سفايك الى حزم امتعته من جديد.صعد الحزب النازي الى السلطة في العام 1933، ولم يتأخر كثيرا في الاعلان عن قوانينه الشمولية التي طالت كافة اشكال الحياة المدنية في المانيا، وصبت جام غضبها، في الوقت عينه، على السكان اليهود في البلاد، فحولتهم، بلا رحمة او وجل، الى – عرق غير نقي – على – العرق الاري النقي – ان يحاربه ويلغي تاثيره الثقافي والاقتصادي في المانيا اولا، ثم في جارتها الصغيرة: النمسا، التي شهدت هي الاخرى نشاطا كبيرا للحزب النازي فيها، قبل ان يضمها هتلرفي العام 1938 رسميا لالمانيا.احُرقت اعمال سفايك الادبية ليلة العاشر من ايار/ مايو 1933 في برلين، الى جانب العديد من الاعمال الاخرى للكتاب الالمان اليهود، وكانت ليلة المحرقة تلك : هي التعبير الاقسى عن سياسة الحزب النازي العازمة على تطهير الثقافة الارية من مصادرها غير الارية. كما ُمنعت دور النشر والصحف والمسارح، من التعامل معه :(لقد تحولت، دفعة واحدة، الى شخص غير مرغوب فيه، وعليً ان اغادر او ان انتظر النهاية العنيفة القادمة لامحالة).لم ينتظر سفايك ليرى نهايته القادمة لا محالة في احدى معسكرات التجميع الشهيرة، فقد حزم امتعته و(القليل من الكتب) وغادر النمسا، مهاجرا الى لندن، في العام 1934،هذه المرة، حيث سيقضي السنوات الست القادمة هناك،يسافر خلالها مرات عديدة الى اجزاء متفرقة من العالم، ثم يحصل في العام 1940 على الجنسية البريطانية، ويغادر، بصحبة زوجته الجديدة، الى امريكا ومنها في العام 1941 الى مدينة بيتروبوليس : مدينته الاخيرة، في البرازيل. حين لا تعود جيل اللاعودة هو جيلنا، يقول سفايك في مقدمة كتابه الفاتن : ‘عالم الامس’، فحين : (لا تعود الى اي شيء، او لا تستطيع ان تعود، فانت تذهب دون ان تحس احيانا الى ذلك الدفين فيك لتبحث عنك.. عن اي شيء تود ان تعود اليه). ويعود سفايك الى اناه.. يحاول بدقيق العبارة ان يعود، فينجح مرة ويفشل مرات، وما بين النجاح والفشل : في تلك المسافة الشفيفة بين الانا المشغولة بالامكنة البعيدة المفقودة، وبين ما يقترحه الواقع الجديد عليه في المدينة الجديدة : يكتب.. ويبعث، في مطلع العام 1942، بروايته الشهيرة (الشطرنج) الى دار نشر صغيرة. ويحلم، بين هذا وذاك، بأمكنة ترد الى روحه المتعبة شيئا من الامل :(قد يتمكن الغريب، ذاك الذي لا يعود، من العثور على امكنة تشبه الاخرى.. قد يتصالح هناك مع ذاته ويصنع اسبابا جديدة للحياة). ويحاول هو فعلا.. يسافر داخل الاراضي البرازيلية الشاسعة ويكتشف : ان (البلاد جميلة وتحمل فرصا رائعة للبقاء..ربما اعيش الى النهاية هنا). فهناك، في القارة العجوز التي احب وراهن طويلا على طاقاتها الخلاقة وقدرتها على اعادة الاعتبار لنفسها، هناك : تكسرت احلام جيل كامل، جيله هو واحلامه هو كما يقول، فالى (اين يمكن ان اعود).لا يعود سفايك الى امكنته المحببة ولن يعود، ولم يتمكن، في الوقت عينه، من بناء عالمه الشخصي في البرازيل، فيقرر، بصحبة زوجته لوته التمان، الذهاب الطوعي الى الخيار الاخير..الموت.. حيث يمكن للانا هناك ان تتصالح، مرة والى الابد مع نفسها ومحيطها المضطرب.منتحرا، مع شريكته الاخيرة، غادر شتيفان سفايك، ليلة 22 فبراير من العام 1942. هذا العالم. لم يترك خلفه وصية معروفة، ولم يخبر احدا من معارفه بقراره الاستثنائي ذاك.. لقد قرر الرحيل وفقط، تاركا، في بيته الصغير.. في المدينة البرازيلية الصغيرة: بيتروبوليس، الكثير من الكتب والاوراق الى جانب مخطوطته الرائعة : عالم الامس، كتابه الاجمل والاهم، هذا الذي سيجد طريقه للنشر، للمرة الاولى، في العام 1944عن دارالنشر الالمانية الشهيرة (فيشر)، في المانيا بداية، ثم النمسا، في ذلك العالم الذي احب : عالم الامس .فيينا 2011- عالم الامس.. مذكرات اوروبي / 452 صفحة من القطع الوسط- شتيفان سفايك- الطبعة الاخيرة، عن دار النشر الالمانية فيشر 2010- جميع الفقرات الواردة، بين قوسين، في النص اعلاه هي من الكتاب.