صحف عبريةتناول رئيس سورية بشار الاسد في مقابلة أجراها في آذار/مارس 2009 مع صحيفة ‘السفير’ اللبنانية، بصورة مفاجئة ـ علاوة على الاسئلة في امور الساعة التي تناولت كالعادة قضية الصراع مع اسرائيل وقضية لبنان ـ سؤال ما هي العلمانية بحسب تصوره. وذكر من أجروا اللقاء معه انهم فوجئوا من الصبغة الدينية (المسيحية) التي اختار السوريون منحها لزيارة الجنرال الماروني ميشيل عون لسورية في مطلع كانون الاول/ديسمبر 2008، لأن سورية كانت ترى نفسها دائما دولة علمانية. وأجاب بشار قائلا: ‘لا تعني العلمانية في نظري نفي الدين بل حرية التدين. فحرية التدين بعد كل شيء هي واحدة من أسس الوجود الاسلامي الذي نحياه ونجربه’. وبعد ذلك بوقت قصير فسر بشار في خطبة خطبها أمام مؤتمر منظمة الدول الاسلامية قائلا: ‘الاسلام دين الانفتاح والعلاقة الحضارية، وهو يستمد قوته واستمراره من انفتاحه على محيطه. وقد عاش الاسلام وما يزال يعيش الى جانب أديان اخرى في منطقة جغرافية وانسانية واحدة، وقد نجح في ان يستوعب جميع الشعوب والأعراق التي استمد منها أفكاره من غير ان يلغي ثقافتهم وخصائصهم المميزة بل عززها خاصة’.بازاء كلام بشار هذا لا يفاجئنا كلام وزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار. فقد قال في مقابلة صحافية أجراها مع الـ ‘بي.بي.سي’ في السابع من ايلول/سبتمبر 2009: ‘ان سورية دولة علمانية في الحقيقة لكن هذا لا يعني أنها ضد الدين، بل بالعكس. فهي تتقبل كل الطوائف والافكار والأديان. لكن ينبغي ان نتذكر ان الاسلام بالنسبة الينا ليس بمثابة قاعدة عمل أو خطة سياسية، ومن هنا ينبع اختلافنا مع تلك الحركات الاسلامية التي تستعمل الاسلام فأسا تحفر به لتدفع الى الأمام ببرنامجها السياسي’.وقد عبر كلام بشار وكلام عبد الستار في ظاهر الامر عن الالتزام بتصور حزب البعث الحاكم في سورية منذ 1963 عن العلاقة بين الدين والدولة، التي تربى ونشأ بشار الاسد عليها. فهذا التصور لم يرفض الاسلام البتة بل كان مستعدا لتقبله بل لتبنيه لأنه رآه ثقافة وحضارة، لكنه لم يره دين شريعة. ويدل كلام بشار في نفس الوقت على تغيير ما يتعلق بهذا التصور لأن سورية تحت سلطة حافظ الاسد أبيه لم تكن حرية التدين مفهومة فيها من تلقاء ذاتها، أعني القدرة على ان تحيا حياة متدينة تربى عليها وتدعو اليها في الأساس. وعلاوة على هذا أراد النظام في سورية في الستينيات، بل في مطلع السبعينيات من القرن الماضي ان يرى العلمانية أو القومية العربية العلمانية لمزيد الدقة، تصورا يستطيع ان يدافع الدين عن منزلته ومكانته في المجتمع بل ان تكون بديلا عنه.قد يكون هذا التصور المُلطف لبشار الاسد عن علاقة الدين بالدولة هو الذي جعله في 2003 يلغي منع وضع النساء الحجاب على رؤوسهن في مؤسسات التربية والدراسات العليا في الدولة وهذا مرسوم تقرر في فترة حكم حافظ الاسد بعد قمع الثورة الاسلامية بالنظام السوري في أواخر سبعينيات القرن الماضي. ويبدو ان هذا التصور جعله يسمح ايضا بفتح مدارس دينية في أنحاء سورية، بل يسمح باقامة صلوات وشعائر دينية في معسكرات الجيش.تشهد هذه الاشياء على تميز سورية وتفردها في مشهد الشرق الاوسط في أيامنا. وتوجد اسباب كثيرة لتميز سورية وتفردها في المنطقة المحيطة بها، وهما علامتان تميزها. يوجد في السنين الاخيرة من يربطون هذا الامر بالسياسة الراديكالية التي تبنتها دمشق الحلف الذي يزداد قوة مع ايران و’حزب الله’ بل مع حماس. فهذا الحلف جعلها دولة معزولة عن جاراتها العربيات وعلى رأسها دول المحور المعتدل في العالم العربي ـ العربية السعودية ومصر والاردن والمجتمع الدولي بالطبع بقيادة الولايات المتحدة. لكن الجذور التاريخية لهذا التميز والتفرد لسورية ليست كامنة في ارتباطها بالمحور المتطرف الاسلامي في الشرق الاوسط، بل تكمن في محاولة سورية ان تداوم على رفع راية القومية العربية العلمانية على مذهب حزب البعث. وجاءت هذه المحاولة لتعرض بديلا عن ظاهرة أسلمة أكثر المجتمعات العربية في الشرق الاوسط التي تشتمل على اعتراض على شعور الالتزام والانتماء الى هوية عربية عامة جامعة وضعف شعور الهوية السياسية المناطقية، والعودة بدل ذلك الى الاسلام باعتباره الهوية العليا من جديد، والى جانب ذلك العودة الى الهويات الأساسية الهوية المحلية والهوية الطائفية والهوية القبلية، وأهم منها جميعا الهوية العائلية.ان محاولة سورية المتميزة رفع راية العلمانية العربية قد تعرضت في العقود الاخيرة لاختبار تحديات مركبة. وقد استطاعت الدولة السورية التي انشأها حزب البعث حتى الآن، ان تصمد لهذه التحديات. والتحدي الرئيس الذي صمدت له سورية كان الأسلمة التي جرت على أكثر المجتمعات العربية، ولم تتجاوز المجتمع السوري أو الجمهور المدني السني على الأقل، الذي كانت أجزاء كبيرة منه في الماضي شريكة في التصورات الأساسية لحزب البعث. وهناك تحد آخر صمدت له سورية هو قوة الهويات الأساسية ولا سيما القبلية والطائفية والعائلية. ينبغي ان نذكر انه يقوم في أساس نجاح النظام السوري في مواجهة هذه التحديات مع الاستمرار في التمسك بتصور القومية العربية العلمانية، واقع اجتماعي خاص بسورية، وهو حقيقة ان نحوا من 40 في المئة من سكانها من أبناء طوائف الأقليات، وفي مقدمتها الطائفة العلوية التي تبلغ 12 في المئة من السكان وتستولي على مؤسسات الدولة. وترى الطائفة العلوية العودة الى الاسلام تهديدا لمكانتها المتقدمة في الدولة، بل ربما تراها تهديدا لاستمرار وجودها في المجتمع السوري ولهذا ما تزال تقف في مواجهة الطوفان وتحتفظ قدر استطاعتها بصبغة سورية بصفتها دولة عربية علمانية أو دولة غير دينية، على الأقل رغم أنها ترتدي العباءة الاسلامية. ومع ذلك، منذ انتقلت مقاليد الحكم في دمشق الى بشار وربما قبل ذلك، أخذ النظام السوري يبدي استعدادا يزداد لتملق الدوائر الاسلامية السنية في الدولة. ومن الواضح ايضا انه تخلى عن طموحه الذي كان في الماضي الى علمنة سكان سورية وعن طموح انشاء ‘انسان عربي سوري جديد’، أي انسان علماني يكون لبنة قوية لا يمكن ازاحتها في مبنى الدولة السورية العربية العلمانية.منذ آذار/مارس 1963 عرّض نظام البعث وبخاصة نظام البعث الجديد في السنين 1966 1970، حركة الاخوان المسلمين للتحدي، وهي الحركة الجامعة للدوائر الاسلامية في سورية وكان تحديا من جهة عقدية وسياسية واجتماعية اقتصادية. وهذا التحدي هو الذي جعل هذه الحركة تنهج نهج نضال عنيف كان هدفه اعادة العجلة الى الوراء وان تُعاد الى الاسلام مكانته الرائدة في المجتمع السوري. وهكذا ومنذ منتصف ستينيات القرن الماضي حدثت مواجهات مكررة بين ناشطي الحركة والنظام السوري. وكانت هذه المواجهات العسكرية محدودة المقدار والقوة اضرابات تجارية ومظاهرات وشغب في الشارع ولم تكن لها يد تنظمها وكان أكثرها بمثابة رد محدود عفوي على اجراءات النظام.نظام حافظ الاسد ـ النضال من اجل شرعية دينيةبعد تولي حافظ الاسد السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 1970 عمل على تخفيف النهج المعادي للاسلام الذي ميز أسلافه، راميا الى فتح صفحة جديدة في علاقات النظام بالدوائر الاسلامية في سورية. وكانت هذه الخطوة جزءا من اجراء شامل للاسد كان هدفه توسيع قاعدة الائتلاف الحاكم في سورية، وأن تضم اليه قوى اخرى، لا سيما من أبناء الطبقة المدنية السنية. وبدأ الاسد يشارك في الصلاة في مساجد سنية في دمشق وأدى العمرة، وحسن أجور رجال الدين وعمل على ادماجهم في اجهزة حكم الدولة. وفي النهاية، وهو الأهم، عمل الاسد بجد على احراز اعتراف بأن أبناء طائفته العلوية مسلمون بحيث يُزال عنها وصم الكفر الذي التصق بها.كان طموح الاسد الى شرعية دينية مرتبطا بورطة دُفع اليها بسبب رغبته في صوغ دستور جديد لسورية. فحينما عرض أسلافه في 1969 الدستور المؤقت لم يشتمل على مواد من الدستور السابق قضت بأن الاسلام هو دين رئيس سورية ومصدر التشريع في الدولة. وحينما أراد الاسد في شباط/فبراير 1973 ان يأتي بهذا الدستور ليجيزه باستفتاء الشعب نشبت اضطرابات في أنحاء سورية كلها واضطر الاسد الى التراجع عن نيته وزاد عليه مواد تتعلق بمكانة الاسلام في سورية.ان المواجهة المتعلقة بقضية اشتمال الدستور السوري على الاسلام سلطت الاضواء على سؤال ملح آخر وهو: هل يستطيع حافظ الاسد الذي ينتمي الى الطائفة العلوية ان يكون رئيسا لسورية، لأنه توجد علامة استفهام عن التزام هذه الطائفة بالاسلام وانتمائها في الحقيقة لهذا الدين. فقد قضى فقهاء من أهل السنة كابن تيمية (1263 1328) بصراحة بأن هذه ‘طائفة كفار دمها مباح اذا لم يعبروا عن ندمهم عن كفرهم ويعودوا للاسلام’. وفي منتصف 1973 على كل حال استطاع الاسد احراز مطلوبه فنجح باقناع زعيم الشيعة في لبنان موسى الصدر بالاعتراف بأن العلويين شيعة ومسلمون.لكن جهود الاسد لمصالحة الدوائر الدينية في سورية والحظوة بتأييدها لم تنجح وربما تمت متأخرة كثيرا. وفي 1976 بدأ مسلحون مسلمون كان عدد منهم ناشطين سابقين في حركة الاخوان المسلمين تركوا الحركة وانشأوا مجموعات مستقلة ذات صلة ضعيفة بالحركة الأم بدأوا نضالا عنيفا لنظامه بقصد اسقاطه وانشاء دولة اسلامية بديلة عنه. وكان تحدي الحركة الاسلامية هذا في سورية لنظام البعث هو الاول في نوعه في العالم العربي في ذلك الوقت، بل انه سبق الثورة الاسلامية في ايران التي أفضت في أواخر سبعينيات القرن الماضي الى سقوط نظام الشاه. كان الاخوان المسلمون في سورية اذا هم الرائد الذي يسير أمام المعسكر والذي بشر بصعود موجة الاسلام السياسي التي هددت باغراق العالم العربي والاسلامي كله.التمرد الاسلامي على نظام البعث 1976 1982كان التمرد الاسلامي الذي بدأ في بداية سنة 1976 واستمر الى بداية سنة 1982 واحدا من أصعب التحديات التي واجهها نظام البعث السوري مدة سني وجوده. بل كان يبدو في ذروة التمرد في الاشهر الاولى من 1980 ان ايام النظام معدودة. فقد حظي الاخوان المسلمون بتأييد كبير من الطائفة السنية ونجحوا في السيطرة جزئيا على الأقل على عدد من المدن الرئيسة في الدولة. لكن ذروة التمرد كانت بدء نهايته ايضا، ومنذ ذلك الحين أخذ النظام المبادرة من أيدي الاخوان المسلمين. وفي شباط/فبراير 1982 على أثر قمع الانتفاضة في مدينة حماة انتهى التمرد الى فشل ذريع.نبع فشل التمرد الاسلامي من حدود القوة نفسها ونقاط الضعف التي ميزت حركة الاخوان المسلمين في مستهل طريقها. وكانت المشكلة الرئيسة عدم نجاحها في توسيع مراكز التأييد التقليدية لها، بحيث تتعدى قاعدة القوة التي كانت لها منذ نشأت وهي الطبقة الوسطى المدنية السنية ولا سيما في التجمعات المدنية شمال الدولة. وقد استطاع النظام السوري في مواجهة الدوائر الاسلامية ومؤيديها ان يوحد حوله حلفا واسعا شمل طوائف الأقليات والسكان السنيين في المناطق القروية وفي الضواحي بل عددا من السكان السنيين المدنيين ولا سيما في دمشق. ووقفت الى جانبه مؤسسات الحكم والحزب ووحدات الجيش وقوات الامن بالطبع. واستمر حلف القوى هذا الذي نشأ على أثر انقلاب البعث في آذار/مارس 1963 الذي ثبته وقواه الاسد بعد ان تولى الحكم في سورية في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، استمر في تأييد النظام الآن ايضا ومنحه النصر على أعدائه. ونجح النظام اذا في قمع التمرد الاسلامي لا بسبب الخطوات الصارمة التي خطاها فقط بل وقبل كل شيء لأنه حصل على تأييد اجزاء كبيرة من الجمهور السوري، فقد فضل هؤلاء استمرار وجود النظام على البديل الذي عرضته الدوائر الاسلامية في الدولة.صار انتصار نظام البعث على أعدائه نموذجا يُحتذى، بل مصدر الهام لنظم حكم عربية اخرى واجهت في ذلك الوقت الموجة الاسلامية التي أغرقت الشرق الاوسط. وكما كانت الحركة الاسلامية السورية الرائد الذي يسير أمام المعسكر الاسلامي بقرارها الخروج لنضال لا هوادة فيه للنظام في دمشق، بشر انتصار النظام السوري على هذه الحركة، في حين كان يبدو ان الموجة الاسلامية في ذروتها، بشر بانتصار النظم العربية في نضالها للحركات الاسلامية في دولها. وقد سادت سورية في الحقيقة ظروف خاصة سهلت جدا على النظام نضاله ضد الدوائر الاسلامية، لكن الحالة السورية أثبتت بوضوح أنه في الصراع بين الاسلام الاصولي واجهزة الدولة الحديثة في الشرق الاوسط ومؤسساتها العسكرية الامنية والسياسية والاجتماعية الاقتصادية فان يد هذه الأخيرة هي العليا.نظام البعث ـ حامي الاسلامان الضربة التي وجهها نظام البعث في بداية ثمانينيات القرن الماضي للاخوان المسلمين تبين بعد ذلك أنها ضربة ساحقة كسرت العمود الفقري للحركة وشتتت مؤيديها وقادتها في كل اتجاه، وهكذا انتهت فترة طويلة تحدت فيها الدوائر الاسلامية في سورية نظام البعث.صعب على الاخوان المسلمين سنين طويلة ان ينعشوا أنفسهم من الضربة التي وجهت اليهم وان يجعلوا لأنفسهم موطئ قدم في سورية من جديد. وقد ضعف نظام البعث في الحقيقة على مر السنين وصار يبدو انه فقد جزءا كبيرا من التأييد الشعبي الذي حظي به في سني انشائه الاولى. ومع ذلك لم يستطع الاخوان المسلمون استغلال ضعف النظام وان يحلوا محله في قلوب سكان الدولة. وامتنع النظام السوري عن مد يد المصالحة الى الاخوان المسلمين. فقد كان مستعدا لأن يتقبل قادتهم أفرادا تائبين مع التعبير عن الخنوع للنظام، لكنه رفض تمكينهم من العودة الى سورية جماعة منظمة وتجديد نشاطهم في الدولة.ان نظام البعث من اجل تعزيز قوته في الصراع مع الاخوان المسلمين في سورية عقد حلفا مع الحركات الاسلامية المتطرفة في أنحاء العالم العربي كله. وقد كانت هذه الحركات ترى في الماضي ان نظم الحكم العربية العلمانية هي تهديد للاسلام ولهذا يجب تقديم نضالها على النضال ضد اسرائيل والغرب. وكان النظام السوري نموذجا ممثلا كريها لهذه النظم رأوه نظاما علمانيا بل معاديا للدين. لكن منذ بدء تسعينيات القرن الماضي غيرت أكثر الحركات الاسلامية توجهها وصارت ترى النظام السوري حليفا مرغوبا فيه في مواجهة رياح التغيير التي هبت على دهاليز السلطة في العالم العربي، وهي رياح مصالحة للغرب ولا سيما اسرائيل والولايات المتحدة. وعزز هذا الحلف بين نظام البعث والحركات الاسلامية في العالم العربي مكانة النظام السوري الى درجة منح وجوده الشرعية الدينية. وعبر عن هذا التوجه زعيم حركة حماس الفلسطينية احمد ياسين في زيارته لدمشق في أيار/مايو 1998. فقد أثنى ياسين على سورية بسبب ‘الدعم الذي تمنحه للقضية الفلسطينية والجهد العظيم الذي تبذله من أجلنا’، وأضاف ان ‘سورية وحركة حماس تقفان في الخندق نفسه في مواجهة العدو الاسرائيلي’. وينبغي ان نذكر ان قيادة حماس وقيادة منظمة الجهاد الاسلامي الفلسطيني بقيادة رمضان شلح (وريث فتحي الشقاقي) موجودتان في دمشق منذ سنين كثيرة.كان الحلف بين القوى الأصولية في العالم العربي ونظام البعث ضربة شديدة لحركة الاخوان المسلمين السورية بالطبع. فقد كان لهذه الحركة في الماضي مواطئ قدم في العراق والسعودية والاردن ومصر واستعانت بنظم الحكم وبالناشطين الاسلاميين في هذه الدول. وقد أُبلغ من عمان مثلا في منتصف 1998 أنهم في مؤتمر للاخوان المسلمين بادر اليه ناشطو الحركة السوريون بقصد تجنيد تأييد لنضالهم ضد نظام البعث، وجه اليهم انتقاد لاذع بل ان أحد المشاركين الاردنيين في المؤتمر تحداهم بقوله: ‘سورية هي الدولة العربية الوحيدة التي تواجه اسرائيل وتقدم مساعدة ودعما لكل مقاومة للاحتلال الصهيوني. وعلى ذلك فلا يمكن ان يهاجمها عربي أو مسلم أو يحاول المس بها وبزعامتها’.العلمانية والاسلام في حياة الدولة والمجتمع في سورية في بداية القرن الواحد والعشرينحدث منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين تحول في معاملة النظام السوري للدوائر الاسلامية في الدولة وللاسلام أصلا للدين ومؤسساته. وقوي هذا التحول بعد ان تولى بشار الاسد الحكم ومهد له مسارات اجتماعية اقتصادية حدثت في سورية في العقود الأخيرة، وأسهمت في تغيير وجه المجتمع في هذه الدولة. قلنا من قبل ان نظام البعث السوري قام في بداية طريقه على تأييد السكان القرويين من الطائفة السنية وطوائف الأقليات. واستطاع النظام ان يدمج هؤلاء السكان في منظومات العيش في سورية وبخاصة الجهاز الامني العسكري والجهاز السياسي. وقد مكّن هذا الادماج أبناء القرى من التقدم والحراك الاجتماعي اللذين لم يعرفوهما في الماضي، وردوا عن ذلك بمنحه التأييد في النوائب. لكن مسيرة التمدين المعجلة التي حدثت في سورية في العقود الثلاثة الاخيرة بدأت تهدد بقلب الامور رأسا على عقب، لأن جموع المهاجرين من القرى الى المدن الكبيرة ما عادوا يشعرون بأي التزام لنظام البعث، بل بالعكس، أصبح هؤلاء المهاجرون بسبب صعوبة اندماجهم في منظومات العيش في المدن الكبيرة محكومين بحياة الفقر والعُسر والضائقة التي تثير فيهم شعورا بالغربة عن الدولة وعن النظام الذي يحكمها أصلا. وتُسبب هذه المشاعر اتساع ظاهرة العودة الى الدين باعتباره ملاذا من ضائقات الحياة اليومية.ان احدى نتائج هذه العملية هي إفلاس التصور العلماني الذي كان هاديا للنظام السوري سنين طويلة لأن هذا التصور فقد صلته بالواقع السوري. ولهذا تعبر سورية عن توجه أخذ يسود العالم العربي وهو أسلمة الحياة اليومية للفرد والمجتمع. ان الاسلام السياسي الذي جعل هدفه اسقاط نظم الحكم العربية، فشل فشلا ذريعا اذا لكن السكان في أكثر العالم العربي وفي سورية ايضا صاروا يشعرون بأنهم أقرب للاسلام مما كانوا في الماضي.مقابل هذه التوجهات بدأ النظام السوري ينتهج بالتدريج سياسة اسلامية فيها ما يجعل سورية دولة اسلامية بدل الدولة العربية العلمانية التي كانتها سنين كثيرة. ومعلوم ان ليس القصد الى دولة شريعة اسلامية بل الى دولة فيها وضع كالوضع في مصر والاردن ودول عربية اخرى في الشرق الاوسط ترى نفسها دولا مسلمة. فالاسلام في هذه الدول له دور مركزي في حياة الفرد والمجتمع والدولة، ويُعرف المجتمع فيها بأنه مجتمع مسلم. وكان هذا تغييرا اذا قيس بتوجه نظام البعث التقليدي وبتوجه نظام البعث الجديد، خاصة الذي حكم سورية في السنين 1966 1970 والذي طمح الى إزاحة الاسلام تماما عن حياة المجتمع والدولة.وجهُ النظامِ الاسلاميُّبدأ النظام السوري اذا يُظهر وجها اسلاميا نحو الخارج على الأقل، وهكذا أبطل بشار الاسد مثلا بعد توليه السلطة بزمن قصير منع الحجاب في مؤسسات التربية ومؤسسات الدراسات العليا. وقد فُرض هذا المنع في عهد والده بعد زمن قصير من انتهاء التمرد الاسلامي في بداية ثمانينيات القرن العشرين. وبدأت نساء مسؤولي حزب البعث الكبار مثل رئيس الوزراء ناجي العطري ونائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات عبد الرازق الدردري يلبسن الحجاب العصري على نحو يشبه نساء قادة تركيا (من حزب العدالة والتنمية). وسمح بشار ايضا بافتتاح مدارس دينية خاصة وفتح أبواب المساجد في أنحاء الدولة ايضا بين ساعات الصلاة، وهو شيء كان ممنوعا البتة. وأذن بشار ايضا بالاحتفال علنا بيوم ميلاد النبي. وقد غطت هذه الاحتفالات التي تمت في العاشر من نيسان/ابريل 2007 كما أُبلغ من دمشق على احتفالات مرور يوبيل على تأسيس حزب البعث التي تمت قبل ذلك بثلاثة ايام في السابع من ابريل، بل ان النظام ألغى منع اقامة الصلاة في المعسكرات الحربية ودعا المعهد العسكري لأول مرة في تاريخه رجال دين ليحاضروا في الطلاب.يقظة دينية اسلامية في سوريةيوجد اليوم في أنحاء سورية بحسب تقدير وزارة الأوقاف في دمشق 9 آلاف 10 آلاف مسجد، ويشارك نحو من ثلث مواطني الدولة، أي 6 7 ملايين على الأقل في صلاة يوم الجمعة فيها. ويوجد في سورية ايضا نحو ألف معهد لتعليم القرآن تحمل اسم حافظ الاسد. والنظام هو الذي بادر الى انشاء هذه المعاهد خلال ثمانينيات القرن الماضي لتكون معادلة لنشاط الاخوان المسلمين، لكن يبدو انه فقد منذ ذلك الحين السيطرة على النشاط الذي يتم فيها. وتوجد الى جانب المعاهد كليات لدراسة الشريعة، بعضها باشراف جامعات اجنبية كجامعة الأزهر وجامعة أم درمان. وأُضيفت هذه الكليات الى الكلية القديمة لدراسات الشريعة التي تعمل في جامعة دمشق، وكانت أيام مجد هذه الكلية في خمسينيات القرن الماضي، حينما كان يرأسها مصطفى السباعي ومحمد مبارك، لكنها فقدت منذ ذلك الحين بعض مجد ماضيها. وينبغي أن نذكر ايضا مركز أبو نور، وهو مركز تربوي ديني يدرس فيه نحو من خمسة آلاف طالب منهم نحو من ألف اجنبي. ويعمل في سورية بحسب التقديرات نحو من 600 جمعية دينية وإن تكن كلها أو أكثرها ينحصر عملها في المجالات الخيرية.مكّن بشار الاسد مع توليه السلطة كما قلنا آنفا من افتتاح مدارس دينية مخالفا المنع الذي بدأ منذ منتصف ستينيات القرن الماضي لنشاط مدارس خاصة بغير رقابة حكومية. وعلى أثر قراره افتتحت عشرات المدارس الدينية؛ افتتح أكثرها وعددها 35 في دمشق وحلب. لكن وزارة التربية السورية أصدرت في 2008 أمرا باغلاق هذه المدارس. وأثار الامر احتجاجا قويا بين رجال الدين وقدم المسؤول عن تعليم الدين في وزارة التربية السورية استقالته احتجاجا. وقد أظهرت وزارة التربية السورية في البداية تصميما على اغلاق المدارس الدينية، لكن في أعقاب تدخل شخصي لبشار الاسد تراجعت عن نيتها تلك. وينبغي ان نذكر انه تُدرس في المدارس الرسمية في سورية التعليم الديني الاسلامي ساعتين أو ثلاث ساعات كل اسبوع (صف الديانة). ويدرس الطلاب المسيحيون في تلك الساعات دراسات مسيحية. وقد استعملت هذه الخطة الدراسية في سورية ايام الوحدة مع مصر (الجمهورية العربية المتحدة)، وغرضها منح الطالب تصورا يرى العروبة والاسلام وجهين لعملة واحدة. ويبدو أنهم في سورية لا ينظرون بجدية الى الخطة التعليمية هذه، فالدرجة الممنوحة للطلاب لا تُحسب في الدرجة النهائية ولا تؤثر أصلا في احتمالات القبول لمؤسسات الدراسة العليا.إدخال الطائفة العلوية في الاسلامتابع النظام السوري جهوده بقوة لادخال الطائفة العلوية في الاسلام. وقد بدأت هذه الجهود كما قلنا من قبل في 1973 حينما عمل حافظ الاسد في الحصول على فتوى من زعيم الشيعة في لبنان موسى الصدر تقول ان العلويين شيعة خالصون. وأُرسل علاوة على ذلك على مر السنين الى ايران طلبة جامعات علويون لدراسة التعليم الديني في مؤسسات دينية، وفي المقابل جاء رجال دين ايرانيون الى منطقة العلويين. وفي 1992 بادر حافظ الاسد الى انشاء مسجد في القرداحة مسقط رأسه قرب قبر أمه أنيسة التي توفيت في تموز/يوليو من ذلك العام، وقد دُفن داخل هذا المسجد باسل ابن الاسد ايضا الذي قتل في حادث سير في كانون الثاني/نوفمبر 1994، وبعد ذلك حافظ الاسد، بل جاءنا من سورية وجود حملة من السلطات على مواقع عبادة شعبية مفرقة في أنحاء ‘جبل العلويين’ وفيها ‘حُسينيات’. وتم تفسير هذه الخطوة بأنها موجهة الى جميل الاسد عم بشار الذي حاول جمع ثروة سياسية من نشاط ديني بين أبناء الطائفة. لكن كان هناك من فسروا هذه الخطوة على أنها موجهة لمجابهة الاتجاه الى التشيع الذي اتسع بين أبناء الطائفة اتساعا أثار قلق السلطة نفسها. ومهما يكن الامر فان زعيم الاخوان المسلمين صدر الدين البيانوني زعم ان الطائفة العلوية تجري عليها مسيرة تشيع ترمي الى تعزيز تأثير ايران في أبناء الطائفة. وأضاف البيانوني ان قرى كاملة في منطقة العلويين صارت شيعية.ينجح العلويون في ارتداء عباءة اسلامية (وإن يكن ذلك جزئيا) وذلك خاصة بسبب استعدادهم لقبول حكم الاسلام الصلاة في المساجد والحج الى مكة وغير ذلك، بخلاف الدروز غير المستعدين للانضمام الى الاسلام ولا يُجهدون أنفسهم في عرض أنفسهم على أنهم مسلمون مخلصون. فعلى سبيل المثال جهد النظام السوري في بناء مسجد في القرداحة رغم أنه لا يكاد يعمل. أما في السُويداء، عاصمة جبل الدروز فلا تكاد توجد مساجد. ويبدو مع ذلك ان أكثر أبناء الطائفة العلوية وعلى رأسهم بشار نفسه ما زالوا يرون أنفسهم علمانيين، وعلى ذلك فان الهوية الاسلامية التي يلبسونها منشؤها بواعث انتهازية غير أصيلة.رعاية رجال دين معتدلين في خدمة النظاميشجع النظام السوري رجال دين سنيين معتدلين يُبدون استعدادا لتأييده، وهكذا مكّنت السلطات في دمشق مثلا رجال دين معتدلين، حتى من اولئك الذين هم خارج المؤسسة الدينية الرسمية الموالية، من الترشح بل ان يُنتخبوا مرشحين مستقلين لمجلس الشعب. وعشية الانتخابات لمجلس الشعب في 1990 بادر النظام الى انشاء حزب اسلامي معتدل برئاسة محمد سعيد البوطي، وهو رجل دين مشهور مقرب من السلطات، لكن هذا الاجراء لم ينجح نجاحا حسنا. ومع كل ذلك انتُخب منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي رجال دين غير قليلين في انتخابات المجلس في اطار فئة النواب المستقلين.الاخوان المسلمون في طريق بلا مخرجرغم ضعف النظام السوري لم ينجح الاخوان المسلمون كما قلنا آنفا بأن يعيدوا لأنفسهم المكانة التي كانوا يتمتعون بها في الماضي عند الجمهور السوري، فقد غرقوا الى أعناقهم في صراعات داخلية بين فصائل وشيَع متخاصمة. وبقي مركز الاخوان المسلمين في لندن التي يمكث فيها قائدهم صدر الدين البيانوني. والبيانوني في صراع مع اعضاء الحركة الذين يقودهم عدنان سعد الدين والذين فروا في ثمانينيات القرن الماضي الى العراق؛ وطلبوا في أعقاب سقوط نظام صدام حسين في 2003 العودة الى صفوف الحركة. وهذا الصراع جزء من الصراع داخل قيادة الاخوان المسلمين منذ نشأت الحركة بين كتلة حلب التي يعتبر البيانوني منها وبين كتلة دمشق التي يعتبر منها عدنان سعد الدين قائد الفصيل العراقي من الاخوان المسلمين الذي يعارض البيانوني عودته الى صفوف الحركة معارضة قوية.يشهد على ازمة الاخوان المسلمين وعلى تيه الحركة استعدادهم للعمل تحت رعاية الولايات المتحدة، واستعدادهم ايضا للعمل مع عبد الحليم خدام، نائب رئيس سورية سابقا الذي انفصل عن صفوف النظام السوري في أواخر 2005 وجاء الى فرنسا. وقد انشأ خدام والبيانوني في 2006 جبهة انقاذ وطني تشمل جميع جهات المعارضة لنظام بشار الاسد. لكن هذا الحلف بين خدام والاخوان المسلمين لم يصمد وقتا طويلا لأن خدام كان في آخر المطاف واحدا من أساطين نظام حافظ الاسد الذي اضطهد الاخوان المسلمين بلا هوادة. وصعب على الاخوان المسلمين كذلك قبول بعض مواقف خدام من قضايا مختلفة. فقد التزم خدام اثناء عملية ‘الرصاص المصبوب’ مثلا بمواقف معتدلة بهدي من مواقف رُعاته السعوديين في حين وقف الاخوان المسلمون الى جانب حماس. وينبغي ان نذكر ايضا ان عددا من رجال الدين ذوي المنزلة في العالم العربي ظلوا يعملون من اجل التقريب بين النظام السوري والاخوان المسلمين بحجة انه ينبغي توحيد الصفوف لمواجهة اسرائيل. وأبرز من تولوا هذا النشاط الشيخ يوسف القرضاوي.الاسلام المتطرف يرفع رأسهيواجه النظام السوري في السنين الاخيرة مرة اخرى تحديا اسلاميا واجهه في الماضي وهو ظهور حركات دينية متطرفة أشد تطرفا من الاخوان المسلمين تعمل بوحي وهابي. وهذه الحركات وعلى رأسها جُند الشام استمدت الالهام من الجهاد الذي أعلنه أسامة بن لادن زعيم ‘القاعدة’ لمجابهة وجود الولايات المتحدة في العراق. واختار النظام السوري ان يتجاهل حقيقة ان ناس ‘القاعدة’ جعلوا سورية ارض انتقال وقاعدة تدريبات من اجل الجهاد في العراق. لكن تبين للنظام سريعا ان تأثيرات هذا الجهاد قد بلغت الى سورية. فقد نفذت هذه الحركات الاسلامية المتطرفة منذ ابريل 2004 اعمالا ارهابية موجهة لمنشآت حكومية ومنشآت قوات الامن في أنحاء سورية حدث آخرها في الثالث من ديسمبر 2009 قرب قبر الست زينب وقتل فيها ثلاثة اشخاص.تصرف النظام السوري في تردد بل اختار ان يُظهر الليونة في معاملته لهذه الحركات. وقد يكون فضل اغماض عينه عن نشاطها لأنه استحسن نضالها لوجود الولايات المتحدة في العراق، وهو نضال كان يخدم أهدافه البعيدة الأمد وهي طرد الامريكيين من العراق. وكانت النتيجة كما قلنا آنفا تعزز هذه الحركات في سورية باعتبارها ارضا انتقالية سهلة للمتطوعين والناشطين في طريقهم للجهاد في العراق. ولم يحجم هؤلاء بعد ذلك عن تسديد سلاحهم الى النظام السوري ايضا. ويبدو ايضا ان النظام في دمشق ظل يرى الاخوان المسلمين التهديد الرئيس له، رغم الضعف السياسي لهذه الحركة في ذلك الوقت. وكان سبب ذلك ان قدّر النظام ان للاخوان المسلمين جذورا عميقة في الجمهور السوري بخلاف الحركات الاسلامية المتطرفة التي كان تأييدها ضئيلا. وقد نجحت هذه الحركات في الحقيقة في تنفيذ عمليات ارهابية محدودة، لكن صعب عليها ان تسوق وراءها السكان السوريين وعملت على كل حال في جبهات حرب اخرى مثل العراق ولبنان، حيث خدمت أكثر من مرة وإن لم يكن ذلك بصورة مباشرة مصالح النظام السوري.يمكن ان نجد مثالا بارزا على ازدواجية نظرة النظام السوري لنشاط حركات اسلامية متطرفة في سورية هو حالة محمود قول أغاسي المسمى أبو القعقاع الذي كان يرأس الى ان قُتل في ايلول/سبتمبر 2007 منظمة ‘غُرباء الشام’، وقد ولد أغاسي لعائلة فلاحين من أصل كردي في قرية شمال حلب. ودرس الدراسات الدينية في جامعة دمشق واستكمل دراسته بعد ذلك للقب الثاني ولشهادة الدكتوراه في الجامعة الاسلامية في الرياض، وبعد ان أنهى دراسته استقر في حلب، حيث عمل مديرا لمدرسة دينية. وأصبح سريعا خطيبا عظيم التأثير في مسجد التوابين في المدينة. واجتمع جمهور من آلاف الناس كل يوم جمعة للاستماع الى خطبه. وفي منتصف التسعينيات أسس منظمة ‘غُرباء الشام’. وقد أعدمت السلطات السورية أخاه في ثمانينيات القرن الماضي بسبب عضويته في حركة الاخوان المسلمين.اعتقلت السلطات السورية محمود قول أغاسي إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن أُفرج عنه سريعا. وبعد احتلال العراق جند نفسه ليناضل ضد قوات الولايات المتحدة في العراق. وتحدث شباب من أنحاء العالم العربي كله اعتقلوا في العراق بسبب مشاركة في اعمال ارهابية عن ان أغاسي ساعدهم على الوصول الى العراق. وزعمت عدة وسائل اعلام انه دعا الى ‘ذبح الجنود الامريكيين في العراق كما تُذبح الشياه’. لكن أغاسي أنكر هذه المزاعم في مقابلة أجراها مع قناة التلفاز ‘العربية’ بل وجه انتقادا الى بن لادن بزعم ان ‘القاعدة’ انشأها جهاز الاستخبارات المركزي الامريكي بقصد تأجيج الكراهية وإحداث شقاق وانقسام بين السنيين والشيعة.في 28 سبتمبر 2007 أُطلقت النار على أغاسي حينما خرج من المسجد الذي عمل خطيبا فيه في حلب. وتحدث المقربون منه بأن القاتل كان عضوا في جماعة اسلامية متطرفة أُفرج عنه من اعتقال طويل في العراق قبل ذلك بسنين، بل اتهموا الامريكيين بأنهم كانوا وراء القتل. وجاء عن مصادر سورية رسمية ان القتل تم كما يبدو لاسباب شخصية. ومهما يكن الامر فقد غُطي نعش أغاسي في الجنازة بالعلم السوري وشارك فيها كبار مسؤولي حزب البعث في حلب.أثارت حادثة أغاسي تساؤلات وحيرة بالطبع، فكان هناك من اعتقدوا انه عمل من قبل السلطات السورية وذكروا في الدلالة على ذلك حقيقة انه أُبيح له ان يخطب في مسجد مركزي في حلب، وحقيقة ان المواقف التي انتهجها لاءمت مواقف السلطات. وقد اقتبس من كلام أغاسي مثلا وهو يدعو الى انشاء دولة اسلامية في سورية، لكنه يرفض البتة استعمال العنف لاحراز هذا الهدف. ومع ذلك رآه آخرون اسلاميا متطرفا فقدت السلطات السيطرة على نشاطه. وقد رأت وسائل اعلام عربية واجنبية ايضا منظمة ‘غُرباء الشام’ بقيادة أغاسي مسؤولة عن هجوم متطرفين اسلاميين على مبنى التلفاز في دمشق في فبراير 2006.ليست تصفية أغاسي الغامضة شاذة. ففي السنين الاخيرة قُتل في ظروف غامضة رجلا دين سوريان بارزان آخران. ففي ديسمبر 1998 أطلق مجهولون النار على محمد امين يكَن، وهو شيخ معروف من حلب كان متصلا في الماضي بحركة الاخوان المسلمين لكنه تركها بسبب معارضته لنضالها العنيف للنظام السوري، وجاء عن السلطات في دمشق ان القتل تم بسبب صراع على الارض بين عائلة يكَن وسكان من قرية قرب حلب. وفي مايو 2005 اختطف رجل دين من أصل كردي هو معشوق الخزنوي، من بيته. وبعد ذلك باسبوعين أبلغت السلطات عائلته أنها وجدت جثته وأضافت ان الباعث على القتل هو تصفية حسابات أو صراعات شخصية.الخلاصةيواجه النظام في دمشق في السنين الاخيرة تحدي عملية الأسلمة التي تجري على المجتمع السوري. وقد استطاع النظام في هذه المرحلة مواجهة هذه المسيرة لاستعداده ارتداء رداء اسلامي والتعاون مع الدوائر الدينية في الدولة كي لا تتحداه، وكي تستمر في منحه شرعية دينية. ويثور بالطبع سؤال: هل يُمكّن هذا التوجه من التعايش زمنا طويلا بين نظام البعث والدوائر الاسلامية الجائعة الى القوة والتأثير والتي تعمل في جد لصبغ حياة الفرد والمجتمع والدولة بالصبغة الاسلامية. ويبدو أنها لم تقل حتى الآن كلمتها الاخيرة وأنها تستطيع ان تعود لتؤدي دورا مهما في كل ازمة تنشأ في المستقبل في سورية لسبب اجتماعي اقتصادي مثلا لأن وزنها ومكانتها اليوم أخذا يعظمان بين قطاعات مهمة من السكان.ومع ذلك فان انضمام سورية الى المحور المتطرف في الشرق الاوسط يعزز مكانة النظام في الأمد القصير على التأكيد لأنه رغم انخفاض وزن العروبة العلمانية باعتبارها تصورا عاما قائدا في المنطقة العربية، بقيت الهوية العربية ذات معنى وأهمية. ولهذا فان رؤية بشار ‘فارس العروبة’ الذي يحمي حقوق العرب ويناضل ضد الغرب واسرائيل تقويه في الداخل والخارج.ان الانفتاح للاسلام والاستعداد لارتداء رداء اسلامي ليسا اتجاه عمل النظام الوحيد. فنظام البعث يُبدي اليوم انفتاحا مفاجئا ايضا للحزب القومي السوري، وهو عدوه اللدود من الماضي. وما يزال هذا الحزب يحافظ على برنامج عمل وعلى فلسفة علمانية، وما يزال معظم تأييد هذا الحزب يأتيه من طوائف الأقليات ومنها المسيحيون والدروز والعلويون.ما يزال نظام البعث اذا يرفع راية القومية العربية. ومع ذلك يبدو انه لم يبق الكثير من التصور العلماني الذي كان في الماضي عنصرا مهما من فلسفته العامة. وقد أصبح في الأكثر شعارا فارغا يُمكّن النظام بل يشجع به لمسار بطيء لكنه منهجي لأسلمة المجتمع السوري أو الطائفة السنية في الدولة على الأقل. وبقي بشار يلتزم بالعلمانية بصورة شخصية فهو علماني خالص وليست الهوية الدينية أصيلة بالنسبة اليه. ومع ذلك غير في السنين الاخيرة من عادته الامتناع كوالده عن بدء خطبه بعبارة ‘بسم الله’. ففي الخطبة التي خطبها في نوفمبر 2005 مثلا وهاجم فيها ادارة جورج بوش اختار بشار ان يختم خطبته بالاتكال على الله: ‘ستبقى وحدتنا بعون الله. وسيظل الشعب السوري وحكومته يحافظان على الوطن لكن الله هو حامي سورية قبل كل شيء’.إيال زيسر’ مركز موشيه ديان لدراسة الشرق الاوسط وافريقيا