اذا تساوت الثورة وضدها تلاشى الوعي

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابييخطئ’من يعتقد ان ثورات الربيع العربي كانت ستترك لتقرير مصيرها بدون تدخلات خارجية. ويتفاقم الخطأ اذا لم يتم استيعاب ما يمكن تسميته ‘كيمياء التغيير’ في العالم العربي، الذي يلعب المال النفطي فيه دورا لا يقل اهمية عن (بل يتكامل مع) التدخل الخارجي الغربي. ومهما يقال عن الوضع الراهن فلا بد من الاعتراف بان اغلب الزخم الثوري تم القضاء عليه او احتواؤه من قبل قوى الثورة المضادة، وان القليل من الثورات ما يزال مستمرا بدفعه الذاتي. هذا القليل يواجه اليوم تآمرا غير محدود من قبل قوى الثورة المضادة، التي تستخدم التأثير النفسي كوسيلة لقمع تطلعات الجماهير وتحييد دور النخب السياسية والفكرية بمستويات غير مسبوقة. ويمكن تلمس عمق الشعور الغربي بالسيطرة على الوضع، من خلال التوجيهات التي صدرت مؤخرا من مصادر القرار الغربي للانظمة العربية بعدم استهداف الكيان الاسرائيلي في جلسات الدورة الحالية للامم المتحدة التي افتتحت في نيويورك. فما كان لهذا الطلب ان يصدر لو كانت الثورات قد حققت هدف التغيير الحقيقي الذي كانت آمال الجماهير مشدودة اليه. فهل من المعقول ان تصل الصفاقة الغربية الى حد اصدار التعليمات للدول العربية بعدم استهداف كيان الاحتلال، حتى في الاجتماع السنوي للمنظمة الدولية للطاقة الذرية، الذي افتتح يوم الاثنين الماضي في فيينا، رغم وجود درع غربي لحمايته سياسيا؟ مع ذلك فان هذه التساؤلات تصطدم مع تطورات الايام القليلة الاخيرة التي شهدت هجمات عديدة على سفارات امريكية أودت احداها بحياة سفير واشنطن في ليبيا وثلاثة من دبلوماسييها. انه تطور لم يكن متوقعا او منظورا في ظل الهيمنة الامريكية التي تعمقت في العامين الاخيرين لتواكب تطورات الربيع العربي. وربما من السابق لاوانه استشراف مستقبل التوازن السياسي في دول التغيير العربي بعد هذا التطور الناجم في ظاهره عن بث فيلم اهان رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام، ولكنه يستبطن شعورا عميقا لدى قطاعات واسعة بالعداء للولايات المتحدة الامريكية. ولقد كانت لدى الغرب، خصوصا واشنطن، خشية من ان تكون ثورات العربي سببا لتصاعد المشاعر العربية ضد السياسات الامريكية في الشرق الاوسط. وهذا هو الامر الطبيعي في اي حالة ثورية. فالثورة الحقيقية لا تستقيم مع منطق الصداقة لامريكا التي تعادي المنطق الثوري تماما، وتنتهج سياسة تهدف لمواجهته ومنع تبلوره. وجاء الربيع العربي مفاجئا للبعض، ولكنه نتيجة طبيعية وحتمية لعقود من التمادي الغربي ازاء الوضع العربي، خصوصا في مجالات ثلاثة: الحريات العامة وما يرتبط بها من ديمقراطية وحقوق انسان، والتصدي للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، والموقف ازاء الهيمنة الغربية، خصوصا الامريكية، على الصعد السياسية والاقتصادية في العالم العربي.لم يكن’متوقعا ان تتمادى واشنطن وحلفاؤها الغربيون الى هذا المستوى فتصدر اوامرهم للدول العربية بعدم استهداف الكيان الاسرائيلي في مداولات الدورة السنوية للامم المتحدة التي بدأت هذا الشهر. وما كانت هذه الجهات لتفعل ذلك لولا شعورها بقدرتها على تمرير الطلب، بعد ان اصبحت ضامنا اكبر لانظمة القمع بحمايتها من سطوة الثورات. وتستطيع ادارة اوباما ان تثبت لهذه الانظمة دورها الفاعل في وقف المد الثوري، كما فعلت ابان المد الشيوعي في الخمسينات والستينات، وطوال العقود الثلاثة التالية التي اعقبت انتصار الثورة الاسلامية في ايران. السياسات الغربية التي تقودها امريكا كانت عاملا حاسما في منع قيام الثورات ضد انظمة الاستبداد العربية، وبموازاة ذلك استطاعت الولايات المتحدة تخفيف الضغط على الكيان الاسرائيلي بتمييع سياسات الانظمة العربية وطرح مبادرات هدفت لتطويع الموقف العربي نفسيا على الاقل، ولتجعل مقولات ‘السلام’ و’التطبيع’ مع الكيان الاسرائيلي، مفردات مقبولة، او على الاقل غير مثيرة للذوق العربي. وما اعظم الهلع الغربي عندما اندلعت الثورات قبل اقل من عامين. فكان من الطبيعي ان يكون الشعور الفوري للساسة الغربيين منطلقا من تجربة ثورة ايران قبل اكثر من عقود ثلاثة. هذا هو معنى الثورة: انها تقلب الموازين وتغير الواقع وتطرح ما هو غير متوقع من سياسات مغايرة لما هو سائد. فبالاضافة لصعود مشروع الاسلام السياسي بعد ثورة ايران في العام 1979، منيت السياسات الغربية في الشرق الاوسط بضربة موجعة، فقد خسر الكيان الاسرائيلي اكبر حليف له في الشرق الاوسط، بسقوط شاه ايران وقطع العلاقات بين طهران وتل أبيب، وتحققت للمقاومة الفلسطينية دفعة الى الامام بالاعتراف بها ممثلة للشعب الفلسطيني ومستحقة لمعاملة دبلوماسية، من خلال اول سفارة لها في العالم. كان هذا بعبعا مقلقا جدا للساسة الغربيين، وكذلك الحكام العرب الذين استثمروا كثيرا في مشاريع التطبيع والسلام مع الكيان الاسرائيلي. ورغم قدرة الغرب على التخطيط الاستراتيجي فقد غابت عنه حقائق تعتبر قوانين وسننا لا يمكن تغييرها. ومن ذلك اعتقاده بامكان استمرار تغييب الجماهير عن اتخاذ القرار السياسي والاستراتيجي ازاء القضايا المصيرية، والرهان على امكان تحييدها وتهميشها بشكل دائم، وقدرة السياسة الغربية على دعم انظمة الاستبداد الى الابد. وكانت الحكمة مجانبة للدبلوماسية الغربية، الامر الذي اضعف بصيرتها ومنعها من تبني مشاريع اصلاحية في العالم العربي. كانت قادرة على ‘هندسة’ اوضاع سياسية وامنية اقل استبدادا وانتهاكا لحقوق الانسان، واكثر تطمينا للجماهير بمنحها دورا في ادارة مجتمعاتها والنجاة بنفسها وابنائها من القمع السلطوي الذي لا يعرف الحدود. لكن الغربيين لم يفعلوا ذلك، فجاءت الثورة نتيجة طبيعية لتلك السياسات وحتمية لا تستطيع قوة في الارض منع وقوعها. صحيح ان قطاعا كبيرا من الثورة تم تحييده، ولكن السبب الاكبر في ذلك سقوط النخب العربية بشكل مروع امام اساليب قوى الثورة المضادة، وعجزها عن استيعاب دور المال النفطي في الانقلاب غير المرئي على الثورة.هندسة’التغيير واعادة توجيه الثورات جاءت متأخرة، واصبحت الآن مفضوحة امام الجماهير. فقد انطلقت كردة فعل للحراك الشعبي الذي عم العديد من الدول العربية خلال العشرين شهرا الماضية واستهدف احداث تغيير جوهري في بنية النظام السياسي العربي باسقاط الاستبداد والديكتاتورية واقامة انظمة تختارها الشعوب. وحيث ان السياسة الغربية منذ حقبة الاستعمار تأسست وفق منظور الهيمنة الغربية، فقد استدعت دعم الاستبداد والحكم المطلق لضمان تلك الهيمنة، لان الانظمة المنتخبة شعبيا تستمد شرعيتها وقوتها من تفويض شعوبها وارادتهم، وليس من الدعم السياسي والامني الغربي. الثورات انطلقت بهدف استعادة تلك الارادة الشعبية المسلوبة، ولكنها سرعان ما تحولت الى ‘تمرين هندسي’ بادوات أنجلو ـ أمريكية لاعادة رسم هيكل الانظمة السياسية، بما يحدث بعض التغيرات في قمة الهرم مع ابقاء الانظمة قائمة. واختصرت جهود الثوار ودماء الشهداء في تغيير رأس النظام او بعض مفاصله، ولكن بقيت السياسات الخارجية محكومة بمنطق ‘الواقعية’ و’التدرج’ و’المسايرة’ على امل تحقيق التغيير لاحقا. انها سياسات لا تثبت الوقائع قدرتها على تحقيق ما تعد الجماهير به. وثمة اسباب واقعية للانقضاض الغربي على الثورات وتبديد جهودها وتحويل بعضها الى حراكات تعتمد على دعم الدول الغربية. هذه الدول تمارس، كعادتها، عملية اختيار الانظمة التي يجب ان تسقط وتلك التي يجب ان تبقى مع تغييرات طفيفة. ومعايير التغيير لديها محكومة باجنداتها التي تتضمن الالتزام بأمن ‘اسرائيل’ والحفاظ على تفوقها العسكري والاستراتيجي. اما الثورة التي ترفض استمداد قوتها من التدخل الغربي فتحاصر وتستهدف من قبل التحالف الغربي مع انظمة الاستبداد، ويتواصل السعي لوصمها بالطائفية لحرمانها من’التعاطف العربي والاسلامي.من المسؤول’عن تسليم مهمة التغيير الى امريكا وحلفائها؟ هل غابت الحكمة عن رموز المعارضات العربية حتى سمحت لنفسها بالوقوع في الفخ الغربي المنصوب ضد الامة؟ ثمة عوامل ساهمت في اضعاف وعي الزعامات الجديدة بحقائق الواقع ومخططات اعداء الثورات، وستظل تساهم في ذلك ما لم تراجع نفسها وتتعامل بوعي مع خطط اولئك الاعداء. من هذه العوامل: عدم جدية الحركات السياسية التقليدية في التغيير، وخشيتها من تسليم الامور للجماهير. هذه الحقيقة ادت الى كشف ظهر الثوار، خصوصا عندما استسلم بعض تلك الحركات لتأثير اسلحة قوى الثورة المضادة، خصوصا تلك التي تهدف لتمزيق الصف الثوري وفق خطوط الدين والمذهب والعرق. كان الاجدر بالعلماء وقادة الحركات الاسلامية رفض تلك المقولات جملة وتفصيلا، والعمل بعكس مقتضاها تماما، وتكثيف الجهود لرأب التصدعات في الجسد الوطني، والتعالي على ثقافة الحزبية والطائفية والمذهبية والعرقية. كان حريا بهذه القيادات استيعاب حقيقة اخرى وهي ان انظمة الحكم القبلية او الفردية هي المسؤولة عن امراض الامة وتخلفها، وان اصلاحها مستحيل. مطلوب من هذه القيادات شيء من الحس الثوري الذي يعتبر التغيير السياسي اولوية، وان الاستبداد رأس الشرور وأقبح اشكال الفساد والانحراف، وان كل ما سواه لا يعادله في السوء. وبدلا من التعاطي السلبي مع الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية والاستغراق في التصدي لها، فبامكان القيادات السياسية الحزبية والثورية اعتبار تلك الاختلافات مصادر ثراء فكري وحضاري، كما تفعل الدول المتحضرة. السبب الثاني سقوط دور النخب المثقفة بعد عقود من سياسات التدجين وتكميم الافواه ومصادرة الرأي الحر وتوظيف اصحاب القلم والفكر وذوي النزعات التحررية والتقدمية في مؤسسات مدعومة بالمال النفطي، الذي اصبح الوقود الاساس الذي تستعمله قوى الثورة المضادة ضد مجموعات التغيير. ان صمت المثقفين وعدم دعمهم ثورات الشعوب، واستجابتهم لارجاف انظمة الاستبداد واموال النفط اصبح وصمة عار في تاريخ الثقافة والوعي العربيين، وسلاحا بايدي الطغاة ضد مناوئيهم. ويتمثل البعد الثالث بالامبراطوريات الاعلامية التي تصدت للثورات واظهرت نفسها داعمة للثوار بينما اضمرت خططا لحرف المسار الثوري او احتوائه. هذا الاعلام المدعوم بالدولارات النفطية ساهم في تضليل الرأي العام وادى الى احتراب داخلي بعد ترويجه افكار التطرف والتكفير والتحزب والانتماء القبلي، وكلها من قيم الاستبداد المهيمن على شعوبنا المضطهدة. اما البعد الرابع فيمثله الدعم الامني والسياسي الغربي للانظمة التي تعتبرها ‘حليفة’ وترفض المساس بها، ولا يهم الغربيون ان نجمت عن هذا الدعم حمامات من الدماء واستمرار أزمة الحكم في منطقة هي الاهم في العالم في مجال توفير النفط لعجلة التصنيع الغربي.وكان من نتائج هذا التدخل الغربي السافر تحمس المسؤولين الغربيين لفرض اجنداتهم على المسارات السياسية والفكرية بشكل فاضح. وما الضغط الحالي على الوفود العربية لاجتماعي كل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدورة السابعة والستين للجمعية العمومية للامم المتحدة الا مؤشر لذلك المنحى.’ويقول دبلوماسيون إن هناك مبعوثين غربيين يحثون الدول العربية على عدم تعنيف ‘إسرائيل’ بسبب ترسانتها النووية، خلال المؤتمر السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية بذريعة ان ذلك ‘قد يعرقل الجهود الرامية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية’، وهو كلام ذرائعي مضلل.’ومن المتوقع ان تنتقد بعض الوفود العربية ‘إسرائيل’ لكنها منقسمة بشأن ما إن كان ينبغي أن تطرح مشروع قرار بشأن هذا الأمر في المؤتمر السنوي العام. وفي المؤتمر السنوي العام الماضي امتنعت الدول العربية عن طرح مشروع قرار ضد الكيان الاسرائيلي وترسانته النووية. وبموازاة ذلك ذكرت التقارير ان هذه الدول الغربية نفسها قامت بضغوط كبيرة مؤخرا بهدف اقناع روسيا والصين بالانضمام اليها في ادانة البرنامج النووي الايراني، خلال اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذان الموقفان يعكسان ازدواجية معايير الدول الغربية من جهة واستعداد بعض الانظمة العربية للاستجابة لضغوطها في مقابل دعم هذه الانظمة ضد ثورات التغيير. فكيف يمكن التوصل الى منطقة شرق أوسطية خالية من اسلحة الدمار الشامل ما دام الكيان الصهيوني يرفض توقيع اتفاقية منع السلاح النووي او السماح بتفتيش منشأته النووية؟ كيف يمكن تحقيق ذلك اذا كان الامريكيون ملتزمين بالحفاظ على التفوق الاستراتيجي الاسرائيلي كسياسة ثابتة؟ من هنا تأتي ‘هندسة التغيير’ الغربية لمنع انتصار الثورات، ومن هنا ايضا تتضح اهمية حدوث يقظة جديدة في الضمير العربي لاستيعاب حقائق الواقع ودور قوى الثورة المضادة في افشال محاولات التغيير، وكيف انها تدافع عن بقاء انظمة الاستبداد في مقابل تخليها عن المطالبة بتحرير فلسطين او التصدي للاحتلال ولو بالكلام والقرارات التي لا تجد طريقها للتنفيذ. الثورة ضرورة تاريخية لمنطقة تعرضت للاستعمار ثم الاحتلال ثم الاستبداد، ولكن نجاحها يتطلب ثبات الثوار من جهة ووعي النخب من علماء ومفكرين واعلاميين من جهة ثانية واستيعاب اساليب الثورة المضادة ثالثة، والاصرار على المواقف المبدئية والسياسات الثابتة بدون الخشية من غطرسة الغرب وتدخلاته الساعية لحماية الاحتلال من جهة وشق الصف العربي ـ الاسلامي رابعة. قد يؤمن الكثيرون بهذا التحليل ولكن ما لم تتغير السياسات والمواقف ازاء المشروع التغييري وفق هذا التحليل فسيراوح الحراك التغييري مكانه وتتبخر اهداف الثوار وتضيع دماء الشهداء. بدون هذا الاستيعاب ستدخل مشاريع التغيير منطقة مكتظة بالاعاصير التي تدفعها للدوران في حلقة مفرغة كما حدث في اليمن وكما يحدث في سورية والبحرين.” كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية