مقديشو ـ من يارا بيومي: يتلقون تهديدات بالقتل ويحتاجون الى حراس مسلحين لمرافقتهم ولا يسلكون الطريق نفسه مرتين.. إنهم الصحافيون الصوماليون الذين يغطون الأحداث في بلادهم التي ينعدم فيها القانون ويتعين عليهم أن يتخذوا احتياطات شديدة للحفاظ على أرواحهم.كان الصومال مسرحا لصراع لم يتوقف تقريبا على مدى الأعوام العشرين الماضية تصدر عناوين الصحف بوصفه ساحة لتفجيرات انتحارية واشتباكات في الشوارع وهجمات قرصنة على سفن الشحن.والآن ظهرت أخبار أفضل مع مولد مقديشو من جديد بعد انسحاب متشددين إسلاميين العام الماضي وأجراء انتخابات رئاسية اتسمت بسلاسة نسبية هي الأولى التي تشهدها البلاد منذ 45 عاما.لكن الصومال لايزال واحدا من اخطر الدول على الصحافيين سواء كانوا يغطون الأخبار من الشارع او من قاعة للمؤتمرات.كان الصحافيون أهدافا سهلة في الاشتباكات بين القوات الحكومية والمقاتلين الإسلاميين كما ان المخاطر التي تواجه وسائل الإعلام الصومالية مألوفة لسكان مقديشو الذين أنهكتهم الحرب وظلت مدينتهم لسنوات واحدة من اخطر المدن على وجه الأرض. يعمل عبد الفتاح احمد صحافيا في الصومال منذ اكثر من عشر سنوات.وهو صحافي كفيف يرتدي نظارة شمسية بعدسات مستطيلة مميزة ويقول إنه تعرض لاعتداءات من الجانبين حين كان يغطي اخبار الصراع بين متشددي حركة الشباب والقوات الحكومية الصومالية بين عامي 2008 و2011.وقال احمد وهو يقوم بمونتاج مادة لمحطة جوبجوج (إف.إم) المستقلة التي انضم لها مؤخرا ‘تلقيت عدة رسائل تهديد… كانت حركة الشباب ترسل لي رسائل تهديد تقول لي إننا نصورهم بصورة سيئة وإننا منحازون وإننا نأخذ صف الحكومة. حذرونا من أننا اذا لم نتوقف فإن أرواحنا ستكون في خطر’.وأضاف بمقر المحطة الذي تم تجديده مؤخرا حيث كان العمال يقومون بتركيب كاميرات المراقبة ‘وترسل لنا الحكومة رسائل ايضا تقول لنا إننا أخطأنا نقل تصريحاتها’.وعلى الرغم من أن مقديشو أكثر أمنا مما كانت عليه منذ عام حين كان إسلاميون متشددون يتجولون في الشوارع ويقاتلون القوات الحكومية الصومالية وقوات حفظ السلام الافريقية فإن متمردي حركة الشباب مازالوا يشنون هجمات انتحارية.وفي الأسبوع الماضي هاجم ثلاثة انتحاريين فندقا حيث كان يعقد الرئيس الصومالي الجديد ووزير الخارجية الكيني مؤتمرا صحافيا ولاذ الصحافيون بالهرب بحثا عن مخبأ.وقالت لجنة حماية الصحافيين إن 42 صحافيا لقوا حتفهم في الصومال خلال اداء عملهم منذ عام 1992 منهم 25 قتلوا بسبب تغطيتهم الصحافية.وقال محمد كيتا منسق لجنة حماية الصحافيين في افريقيا ‘لم تسجل حكومة الصومال حالة إدانة واحدة في كل من هذه الوفيات. واذا اعتقل اي من المشتبه بهم فإنهم لم يقدموا للمحاكمة قط.’وأضاف قائلا لرويترز ‘الحصانة في قتل الصحافيين في الصومال تسبب شعورا دائما بالخوف وانعدام الأمن يجبر الصحافيين الآخرين اما على الفرار او فرض رقابة على انفسهم ويخسر العالم نتيجة خفض مصادر المعلومات’.ويقول الاتحاد الوطني للصحافيين الصوماليين إن تسعة صحافيين وعاملين في مجال الاعلام قتلوا حتى الان هذا العام مما اضطر كثيرين الى اتخاذ احتياطات أمنية في مواجهة الخطر القائم دائما.والمخاطر التي تواجه الصحافيين مقلقة للغاية الى حد أن بعض اولياء الامور منعوا ابناءهم من العمل بهذه المهنة.وقال بيل حسين الذي منع ابنيه اللذين تخرجا من المدرسة الثانوية مؤخرا من العمل كصحافيين ‘انا واثق من أنهما سيقتلان.’وأضاف ‘كل الجماعات العنيفة في الصومال لا تريد أن تسمع الحقيقة. كل الصحافيين يموتون دائما لبثهم الاخبار المهمة’.ويقول احمد إنه ينشد الأمان من خلال التواجد في مجموعات اذ يذهب عادة لتغطية الاحداث حيث تريد الحكومة التباهي بالمكاسب الامنية مع عدد من الصحافيين وهي احداث يرجح أن يستهدفها مقاتلو حركة الشباب.وأضاف ‘متى نتلقى رسائل تهديد نشعر بعدم الأمان. نتساءل متى سنستهدف؟ في العمل او حين نغطي اخبارا؟’ وعلى الرغم من المخاطر فإن مقديشو تتباهي بساحتها الاعلامية التي تتسم بالحيوية ففي العاصمة وحدها هناك 22 محطة إذاعية وسبع محطات تلفزيونية وثلاث صحف يومية. ويترجم هذا الى مئات الصحافيين العاملين بالمجال والذين لم يتدرب معظمهم على العمل في مناخ خطر.وتقول هبة محمود وهي مذيعة شابة محجبة بمحطة تلفزيونية محلية إنها تغير الطريق الذي تسلكه دائما من والى العمل.وأضافت ‘لم انضم الى هذا العمل من اجل المال إنها هوايتي. لكنني لا أسلك الطريق نفسه مرتين’.وقال صحافي آخر يعمل لحساب وسيلة إعلام عالمية وطلب عدم نشر اسمه إن تحركاته محدودة قدر الإمكان.وأضاف ‘متى يقتل زميل لنا او يصاب او يخطف نفكر: متى سنكون التالين؟’.وتابع قائلا لرويترز ‘اذا كان هناك اي خبر أعتقد أنه سيكون حساسا فإنني أبتعد عنه’.يقول محمد ابراهيم الذي يعمل لحساب صحيفة دولية تصدر بالانجليزية ويرأس اتحاد الصحافيين الصوماليين إن الكثير من الصحافيين مارسوا هذا النوع من الرقابة على أنفسهم للحد من التعرض لموضوعات قد تكون خطيرة.وينحي على مقاتلي حركة الشباب باللائمة في سقوط معظم القتلى قائلا إنهم قتلوا خمسة صحافيين على الاقل هذا العام. وبدأ متمردو حركة الشباب عملياتهم عام 2007 وسرعان ما سيطروا على العاصمة. وبعد أن سيطروا على المساجد فرض أئمتهم على القنوات الاذاعية والتلفزيونية بث ايديولوجية حركة الشباب.وفي مواجهة ضغوط من قوة حفظ السلام الافريقية التي انتزعت السيطرة على ميناء ماركا من متشددي حركة الشباب مؤخرا الى جانب حملات عسكرية منفصلة شنتها القوات الكينية والاثيوبية أصبح المتمردون في موقف الدفاع.وقال ابراهيم في مقر اتحاد الصحافيين ‘الآن يفقدون اراضي يوما بعد يوم وليست لديهم القدرة على السيطرة على الاعلام. وبالتالي يحاولون إسكات الإعلام بقتل الصحافيين.’ وفيما كان يتحدث سمع دوي عيار ناري عشوائي وهو لايزال أمرا طبيعيا في مقديشو.وقال ابراهيم إن الحكومة فشلت في التحقيق في جرائم القتل.وقال الجنرال عبد الله باريز رئيس وحدة التحقيق الجنائي ‘أجرينا تحقيقات شاملة ولدينا المزيد من المعلومات عن قتل الصحافيين في مقديشو’. ولم يدل بمزيد من التفاصيل.وتابع ابراهيم الذي تلقى تهديدات بالقتل متصلة بعمله ‘اذا لم تتخذ الحكومة اي إجراءات فسيكون هذا تهديدا للصحافيين الآخرين’.ومنذ اربعة اشهر قال ابراهيم انه تلقى اتصالا يقول له ‘يجب أن توقف ما تفعله. انت تعمل لحساب المسيحيين’.وكان الحل عند ابراهيم هو الا يرد على الاتصالات التي ترده من أرقام لا يعرفها. لكن على غرار الكثير من الصحافيين الذين يعلمون انهم لا يستطيعون حماية انفسهم مهما كانت الاحتياطات التي يتخذونها فإنه أصبح مسلما بالقضاء والقدر.وقال ابراهيم ‘كنت خائفا في البداية لكنني فهمت فيما بعد أن لا أحد يستطيع أن يقتلك الا اذا شاء الله. لهذا كنا نعمل يوما بيوم منذ عام 2007’.(رويترز)