نحو رؤية استراتيجية لأحداث الثورة السورية

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوضظلت سورية على مدى عقود تحتل مركزا سياسيا مهما في العالم العربي، واعتقد الكثيرون خلال مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي أنها توفر الأساس الفكري الذي يمكن أن تواجه به الأمة العربية مد الفكر اليساري، وخاصة الماركسي الذي بدأ ينتشر في تلك المرحلة. ويلاحظ أن كثيرا من الشباب في مختلف الدول العربية، خاصة السودان بدأوا يكونون خلايا لحزب البعث على اساس أن ايديولوجية الحزب هي التي ستحقق الوحدة العربية المنشودة، ولم يكن هناك أحد في تلك المرحلة يفكر في الأسس الطائفية التي يقوم عليها حزب البعث، والتي تتعارض أساسا مع فكرة الوحدة العربية، وانتظر الناس طويلا حتى تتفجر ثورات الربيع العربي ليكتشف الناس حقيقية القواعد التي يقوم عليها النظام السوري في دمشق، وهناك حقيقة أولية لا بد أن يبدأ منها الجميع، وهي ان النظام القائم في سورية لم يأت بوسائل ديمقراطية مشروعة، وحتى لو أتى بأسس ديمقراطية فلا يحق له أن يقتل أفراد شعبه على هذا النحو البشع، ونحن ندرك أن مثل هذا الوضع لا يمكن أن يستمر في الدول المتحضرة، خاصة بعد أن لحظنا أن كثيرا من السياسيين في العالم الغربي تركوا مناصبهم لمجرد أن إشاعات خرجت تمس سمعتهم، لكن لا يبدو أن هذا ديدن النظام السوري الذي هو على استعداد لإفناء أفراد شعبه جميعهم من أجل الاستمرار في الحكم. ويقودنا ذلك إلى التوقف من أجل التعرف على حقيقة هذا النظام القائم في دمشق ومواقف الأطراف منه.تصنف دائرة معارف ويكيبيديا أحداث سورية بأنها ضرب من الحرب الأهلية، على الرغم من أن كثيرين يعرفونها بأنها انتفاضة سورية، وترى أن الصراع يدور بين القوات المؤيدة لحزب البعث والحكومة، وبين الذين يريدون إسقاط الاثنين، وترى أن هذا الصراع بدأ في الخامس عشر من شهر اذار (مارس) عام ألفين وأحد عشر واتخذ في أول أمره شكل تظاهرات لم تختلف في طبيعتها عن ثورات الربيع العربي، التي انتظمت كثيرا من الدول العربية في تلك المرحلة، وقد حدد المتظاهرون في سورية أهدافهم بشكل واضح وهي تتلخص في إنهاء خمسة عقود من حكم البعث، وبالتالي استقالة الرئيس بشار الأسد وإقامة نظام حكم ديمقراطي في البلاد، وكغيرها من الحكومات ذات الطبيعة التسلطية فإن الحكومة السورية لم تستمع لنداءات الشارع، وفي شهر نيسان (إبريل) من العام نفسه قررت الحكومة السورية مواجهة المتظاهرين بالعنف وصدرت الأوامر للجنود بفتح النار على المتظاهرين، من دون اهتمام بعدد الضحايا الذين يقعون جراء العنف الحكومي، وبالطبع لم تستسلم المعارضة لهذا الوضع إذ سعت للحصول على السلاح الذي تواجه به قوات الحكومة، وقد نجحت في الحصول على كميات كبيرة من السلاح من دول أجنبية. وعلى الرغم من اتساع المعارضة للحكم فقد ظلت هذه المعارضة مجزأة ولم تخضع لقيادة موحدة، وذلك ما شجع الحكومة السورية على أن تقول إنها لا تواجه ثورة بل تواجه جماعات إرهابية، وعلى الرغم من هذا الادعاء فالملاحظ أن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جميعها شجبت استخدام العنف ضد المواطنين على هذا النحو الذي أقدمت عليه السلطات السورية، ولم يكن ذلك موقف الصين وروسيا اللتين رفضتا اتخاذ موقف ضد النظام السوري وعارضتا قرارا مقدما لمجلس الأمن يدين ممارسات الرئيس الأسد ضد أبناء شعبه، وعلى الرغم من ذلك فقد قامت الجامعة العربية بوقف عضوية النظام السوري، ولكنها أرسلت بعثة إلى سورية من أجل إيجاد حل سلمي للمشكلة، ومن جانبه قام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بإرسال كوفي عنان إلى سورية على أمل أن يحقق حلا سلميا للمشكلة، وفي الخامس عشر من شهر تموز (يوليو) عام ألفين واثني عشر قام الصليب الأحمر بتصنيف ما يجري في سورية على أنه نوع من الحرب الأهلية يستدعي عونا انسانيا، بحسب ما نصت عليه معاهدة جنيف.وتراوحت مع ذلك أعداد الذين قتلوا في هذه المواجهة، لكن المؤكد أنهم أكثر من أربعين ألفا، بينما شرد أكثر من مليون ونصف المليون طردوا من منازلهم التي دمرت، وقد بدأ الآلاف من هؤلاء الهروب إلى الدول المجاورة، مثل الأردن ولبنان وتركيا، ويبدو واضحا أنه مهما بلغت دقة التقديرات فإنها لن تقدم صورة متكاملة لما يجري في سورية.ومن جانب آخر قالت بعض المؤسسات الدولية إن الحكومة السورية لم تكتف بطرد الناس من مساكنهم، بل أرسلت جماعات الشبيحة لملاحقتهم وتعريضهم للأذى من جانب آخر قامت هيئة الإذاعة البريطانية بإعداد ندوة شارك فيها عدد من المشاهير لتقويم الوضع في سورية، وكان الهدف من هذه الندوة إقامة تصور سليم لما يجري في تلك الدولة. وقد ذهب بعض المشاركين إلى أن الثورة السورية هي ثورة الطبقة العاملة الريفية ضد الطبقة العلوية التي تسيطر على القوات المسلحة، وأيضا الطبقة البورجوازية التي أفادت من نظام حكم بشار الأسد ومن والده من قبله. لكن البعض يرى أنه على الرغم من أن أهداف الثورة واضحة بالنسبة لهم فإن هناك خشية مما ستسفر عنه هذه الثورة وما سيتبعها من نظام قد لا يلقى قبولا من سائر أفراد المجتمع، آخذين الواقع السوري في الاعتبار، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك الكثيرين الذين يستبعدون السقوط القريب للنظام السوري، لأن النظام مازال يستند الى قاعدة شعبية قوية بحسب وجهة نظرهم. ويرى الكثيرون أن سقوط نظام بشار الأسد إذا تم فسيكون بسبب إجماع دولي لا يبدو أنه قائم في الوقت الحاضر، وقال بعض المشاركين في هذه الندوة إن نظام الأسد مدعوم من روسيا والصين وأيضا من إسرائيل التي تتعامل مع النظام على أساس أن الشيطان الذي تعرفه خير من الشيطان الذي لا تعرفه. ويعتقد بعض المشاركين في الندوة أن الأمر كله يعتمد على توحد السوريين والحديث بصوت واحد، وهذا أمر لا يبدو أنه قائم في الوقت الحاضر، إذ لا يكفي في نظر هؤلاء أن يتحدث الناس عن نظام ديمقراطي قادم، بل يجب أن يحددوا لمن سيكون هذا النظام الديمقراطي ومن هم المستفيدون منه.وإذا نظرنا لهذا الوضع برمته، وجدنا أن هناك غيابا للرؤية الاستراتيجية الشاملة بشأن الثورة السورية، ذلك أن هذه الثورة لم تنشأ بسبب مطالب شعبية كما يعتقد الكثيرون، بل حركت من جانب المستفيد الأول من حالة الفوضى التي تعم العالم العربي، وهي إسرائيل، ذلك أن إسرائيل سعدت كثيرا بسبب انشغال العالم العربي بثوراته ونسيانها، لكن الثورة السورية أدخلت بعدا جديدا وهو البعد الطائفي الذي سيجد دعما من بعض القوى الإقليمية، كما سيجعل إسرائيل أمام تحدي ‘حزب الله’ في لبنان بصورة مباشرة.’ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية