أظهرت أحداث الشغب الأخيرة في بعض البلدان العربية على خلفية الفيلم المسيء للإسلام ولرسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام نقاط ضعف فئة قليلة (لحسن الحظ) من المسلمين غير المثقفين وغير العارفين بالمميزات الحقيقية للحضارات الأجنبية التي يرونها معادية لحضارتنا وكذلك جهلهم الجلي لخبايا الألعاب السياسية التي يحوكها سياسيونا في الداخل وكذلك سياسيو الدول الأخرى من الخارج. وإن كانت هذه الفئة من المسلمين تمثل خطرا على مجتمعاتها أولا نظرا لقلة وعيها بالشأن السياسي فإن الأخطر الأكبر هو إستغلال هذه الفئات من قِبل أصحاب الحكم في بلدانها الأصلية بالأساس وذلك من خلال إستعمالهم كبيادق في لعبتهم السياسية مع خصومهم السياسيين في داخل بلادهم بصفة عامة وكرموز لتحرك شعبي معين وموجَّهٍ يمثل معيارا لتقييم التوجه الفكري والسياسي في مجتمعاتنا العربية حسب منظورالدول الأخرى حتى وإن كانت هذه التوجهات مغلوطة.الفليم المسبب لهذه الأحداث يُظهر أنه عمل تافه من الوهلة الأولى وانه من فعل شخص مختل عقليا ومتطرف. وبالتالي لا يحتاج حتى أن نعيره إهتمام خاص أكثر من ان نعبر عن إمتعاضنا عنه بصورة حضارية وأن نُندِّد به وبفاعليه وبالسماح بنشره وترويجه في مواقع الأنترنت الإجتماعية لا أكثر حتى لا نعطيه أكثر من حجمه لأن هناك مشاكل أخرى أكبر وأهم في ‘صراعنا مع الحضارات الأخرى’ إن شئنا القول وأهمها التنافس على المستوى الأخلاقي والإجتماعي والعلمي والتكنولوجي والإستراتيجي، إلخ.يبدو أننا قد خسرنا مرة أخرى للأسف هذه الجولة من التجاذب الحضاري مع الطرف الاخر ووقعنا في فخ نصبه لنا الحاقدون على ديننا وحضارتنا ليُظهر لشعوب العالم الآخر ‘همجية وقلة وعي شعوبنا العربية المسلمة’ حسب قصدهم ونواياهم. ولكن الأهم من هذا، أظهرت هذه الأحداث المشكلة العظمى لدى شعوبنا ألا وهي عدم رُقي الوعي السياسي لحكامنا العرب، مهما كانت توجهاتهم الإيديولوجية والدينية، إلى مستوى التحديات الأساسية التي نتمنى أن ننجح كشعوب في رفعها حتى نتمكن من الوصول إلى درجة تقدمٍ إجتماعي ورقي إقتصادي ووعي سياسي يُغنينا عن كل إرتباط وتباعية للدول الأخرى الأسبق في هذه المجالات.أظن أننا في أمس الحاجة لأن يعِيَ سياسيونا وأُولو الحكم فينا أن التحدي الأكبر هو النهوض بالعقل البشري العربي والرقي بأفكاره وتوجيهاته والتركيز على تزويده بالعلم والمعرفة اللازمين لإنجاح مسيرتنا وضمان مستقبل أفضل لأبنائنا لنجعلهم في مكانة افضل بين الشعوب في عالمنا هذا الذي يزداد فيه الصراع بين الدول العظمى خاصة على السيادة يوما بعد يوم والذي تتراجع فيه مكانتنا كمسلمين عموما وكعرب خاصة هذه الأيام للأسف الشديد. الأكيد أن من قاموا بأعمال الشغب هذه والتي راح ضحيتها البعض من شبابنا بين قتيل وجريح، الأكيد أنهم يجهلون كل الجهل حادثة ‘الإفك’ التي وقعت لرسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام مع بعض منافقي قريش الذين حاولوا الإساءة إليه في عِرضه والتي كان ردُّ الرسول الكريم فيها على هؤلاء الكفار أبعد ما يكون عن ردِّ الفئة الغاضبة من شبابنا على هذا الفيلم. والمَغزى من الإستشهاد بهذه الحادثة هو كيف لحكامنا أن يوصلوا هذه المعلومة وغيرها من الأحداث المماثلة في السيرة النبوية لشبابنا بالطريقة الصحيحة وبدون تحريف ولا تأويل لكي يُدرسونهم خُلق نبيّنا الحبيب عليه الصلاة والسلام ويُوجهونهم إلى التركيزعلى أهم الأمور ولا على أتفهِها والسعي لكسب العلم والمعرفة ومنافسة الشعوب الأخرى في ما فيه الخير لهم ولذويهم أولا ولجميع الناس على إختلاف أطيافهم ثانيا، تماما كما أوصانا رسولنا الكريم في ديننا ومعاملاتنا. نتمنا أن تكون حادثة الفيلم وأحداث الشغب التي تبعتها عبرة لشعوبنا وحكامنا بالأساس للوقوف عند نقاط ضعفنا وفتح الحوار من أجل وضع أسس للعمل والإصلاح على المدى المتوسط والمدى البعيد لنبني إطارا إجتماعيا، إقتصاديا وسياسيا أفضل لأجيالنا القادمة.نبيل بن عزوز – فرنسا[email protected]