ما هكذا ندافع عن نبينا يا قوم!

حجم الخط
0

بعض البسطاء يظنون أن أمريكا عبارة عن حارة، عندما يخطئ أحد سكانها على مختارها أن يعاقبه بصورة فورية! نذكّر هؤلاء بأن أمريكا قارة واسعة مترامية الأطراف، يزيد عدد سكانها عن 300 مليون نسمة، وتتألف من خمسين ولاية تتباين قوانينها وأنظمتها. نقول هذا لمن يريدون معاقبة أمريكا كلها بسبب جريمة إنتاج ذلك الفيلم التافه من جانب حفنة من الأوغاد الذين يحاولون، عبثاً، النيل من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام. إن منطق هؤلاء يشبه منطق الجهلة الذين يدعمون فكرة الثأر القبلي، فلا يجدون غضاضة في قتل أحد أقرباء غريمهم إن عجزوا عن الظفر بهذا الأخير!في أمريكا، تم إنتاج أفلام وكتب في منتهى الوضاعة والابتذال، وصلت سفالتها إلى حدود اتهام السيد المسيح عليه السلام بالشذوذ الجنسي ورمي القديسة مريم أمه عليها السلام بالبغاء، وبالرغم من احتجاجات وغضب الدوائر الدينية هناك، وعلى رأسها الحركات اليمينية المسيحية المتشددة، التي تشكل قوة عملاقة لا يستهان بها، إلا أنها لم تستطع فعل شيء لمنع انتشار تلك الكتب والأفلام أو تجريم ومعاقبة صانعيها! ما أريد قوله إن أمريكا لا تملك سلطة منع مثل تلك الأعمال المشينة حسب قوانينها المعمول بها، ومن ثم فإن من أعتى ضروب الحمق قتل دبلوماسي أمريكي، بعد تحميله الضمني جريرة إنتاج فيلم مسيء عن الإسلام!في سورية التي يشوهها الأسد، يقوم بلطجيته الأوغاد بسب الذات الإلهية صباح مساء، بل وصل بهم الأمر إلى اقتحام المساجد وتدميرها وذبح من فيها، فلماذا لم نجد قتلة السفير الأمريكي ينتفضون بدرجة كافية ضد الأسد وعصاباته غضباً من إساءتهم إلى رموز دينهم هناك!؟الإنجازات التاريخية التي لم نكن نحلم بها، والتي حققتها شعوب الربيع العربي في بعض الأقطار ممهورة بدماء آلاف الشهداء، يريد ثلة من البؤساء إجهاضها، وباسم الإسلام! فهم يفكرون ويتحدثون ويتصرفون وكأن على البلدان التي أسقطت أنظمة البغي فيها أن تسارع إلى إعلان الحرب ضد أمريكا، بل ضد كل ما هو غربي، وإن لم تفعل ذلك دون تردد أو تفكير أو تمهل، فهي ولا شك عميلة متآمرة عقدت صفقات مريبة مع واشنطن! ينسى هؤلاء أو يتناسون أن تلك البلدان المهشمة خارجة للتو من عقود تفشى فيها الفساد والظلم والانحراف والبعد عن الإسلام، وأنها بحاجة إلى عقود أخرى كي تنفض عنها تراب الماضي، وكي تتمكن من التقاط أنفاسها وقطع خطوات جدية على طريق النهوض. إنهم يريدون جر بلدانهم وهي ما تزال مكبلة بإرث ثقيل من التخلف والتبعية والفساد إلى حروب خرقاء خاسرة غير متكافئة مع الوحش الغربي المتربص، مفترضين أن ذلك سيخدم الإسلام ويعلي من شأن المسلمين!قولوا لي بربكم من باب النقاش، ماذا سيحدث إن قررت أمريكا الآن احتلال ليبيا عسكرياً، وبشكل رسمي، بحجة مطاردة العناصر التي اغتالت سفيرها هناك!؟ معظم دول العالم ستدعمها في ذلك، ولن تتمكن الأصوات القليلة المعارضة من منعها، وستحكم سيطرتها على البلد وتسرق نفطه وثرواته جهاراً نهاراً، ولن توقفها المقاومة البدائية هناك مهما كبدتها من خسائر، تظل لا شيء أمام حجم الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي ستمنى بها ليبيا وشعبها، تماما كما حدث في العراق! بعض البؤساء يتحدثون عن سياسة استنزاف أمريكا، وأن استفزاز أمريكا وجرها إلى مغامرات عسكرية متسرعة سوف يكبدها خسائر اقتصادية هائلة؛ ما سيسهم في تفكيكها وتدميرها، ولو بعد حين! استراتيجية رائعة! ولكنها تغفل أو تتغافل عن حقيقة أن خسارة البلدان الإسلامية من تلك السياسة الهوجاء تفوق خسائر أمريكا بمئات الأضعاف، إنسانياً ومادياً.ومن يتابع المشهد في مصر مثلاً، يدرك أن هناك عناصر مندسة تنتمي إلى فلول النظام الساقط، تسعى جاهدة لتفجير الأوضاع هناك، لعل ذلك يسهم في إسقاط حكم الإخوان، حتى وإن كان ذلك يعني حرق البلد، عن طريق إشعال فتنة طائفية قد لا تنطفئ، أو تأزيم العلاقة مع أمريكا وإيصالها إلى صراع مدمر قد لا يمكن تجنبه! ومع الأسف الشديد، يسهم إسلاميون عن حسن نية أو عن سذاجة في دعم تلك العناصر.على المسلم أن يغضب ولا شك لله ولرسوله ولدينه، غير أن الغضب الأرعن المنفلت من قواعد العقل والتبصر قد يجعل صاحبه ألعوبة بيد الشيطان يحركه كيف يشاء.د. خالد سليمان – كندا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية