عزت القمحاوي في بداية تعلمي قيادة السيارة، الأمر الذي لم أتقنه حتى اليوم، ارتكبت أغرب حادث مرور يمكن أن يقدم عليه سائق. صدمت سيارتين متصادمتين!كانت السيارتان متداخلتين بينما كان السائقان متوقفين بجوار الحادث يتعاركان، وعندما رأيا ما فعلت لطم أحدهما خديه كالمرأة النائحة على فقيدها في الماضي السحيق، بينما لم يتمالك الآخر نفسه من الضحك!وما فعلته المجلة الساخرة Charlie Hebdo بنشر رسوم كاريكاتورية للرسول لا يشبه إلا ذلك الحادث، إذ صدمت عربتي الجنون اليميني والحمق الأصولي المتوقفتين أمامها، لكنني في حادثي سكت مكسوفا من ضحكات ونواح المتصادمين الأصليين، بينما وجد رئيس تحرير المجلة الفرنسية في نفسه من الوقاحة ما يجعله يقول إن المجلة تنشر رسوما ساخرة لكل الناس، ولو راعت عدم نشر رسوم عن بعض الشخصيات، فإنها ستصدر باثنتي عشرة صفحة بيضاء!ليس هناك أسخف من هذا الكلام، إذ أن حياة أية مطبوعة مرهون بقدرتها على متابعة الراهن، ويجب أن تعيش في الحاضر، فما الذي جعل النبي راهنا إلى هذا الحد؟هذا الحادث ليس خطأ من رئيس تحرير أو رسام يتعلم القيادة، لكنه حادث مدبر وأكثر تدبيرا من فيلم المختل الأمريكي، ولم يستهدف سوى صب المزيد من الوقود على النار المستعرة، ويبقى السؤال هل تم التدبير بجدية تعني ما تريد تماما أم بسخرية من سهولة استثارة المسلمين وتريد أن ترى إن كان الغاضبون قد تعبوا أم لا؟الحكومة الفرنسية الأكثر رشادا من أية حكومة أمريكية اتخذت احتياطاتها، بتعطيل المدارس الفرنسية في بعض البلاد وشددت من الحراسة على سفاراتها في العديد من البلدان. وفي الوقت نفسه منعت المظاهرة الغاضبة ضد الفيلم بوصفها استيرادا لمشكلة لا تعني فرنسا من قريب أو بعيد، بينما حاول المغامرون الفرنسيون في المجلة الهازلة وضع بلدهم في مرمى النيران، لكنهم بعيدا عن الهزل يضعون ـ هم ومن سيلوح بعدهم براية العداء للدين الإسلامي ـ يضعون مستقبل العقلانية في الدول الإسلامية في خطر. كان الغرب محظوظا بمخاض الخروج من العصور الوسطى إلى عصر الأنوار. كان يخوض معركته الداخلية مع الكنيسة والإقطاع، ولم يكن هناك مغامر مسلم يصنع فيلما يسيء للمسيح فيعطل عمل العقل الأوروبي.لكن العالم الإسلامي سيئ الحظ يحاول مغادرة قرونه الوسطى في وجود الإنترنت والهواتف الذكية والفضائيات، التي تلقي بقاذورات الغرب في وجهه كل يوم. وعلى البشر المتطلعين إلى الانعتاق في العالم الإسلامي أن يعيشوا المسرحية السمجة بين المتعصبين المسلمين والمتعصبين أو المستهترين الساخرين في الغرب.إلى أي حد ستستمر هذه المهزلة؟ لا أحد يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، طالما استمرت شهوة الغرب في إجهاض كل محاولة للانعتاق، وطالما ظل يمد يد العون ولسان الإغاظة في ذات الوقت للقوى العنيفة التي تنتقم من أول بريء طالما لم تصل يدها للمذنب!وعسى أن تكون هناك فائدة لزمن الديجيتال فتختصر فترة مخاض العقلانية المسلمة وتنهي هذه المسرحية، ليمارس بشر الشرق الحزين حقهم في الحياة الحرة، وقد كشفت الأزمة عن رداءة التقمص في المسرحية التي راهنت أطرافها على إقبال جماهيري منقطع النظير.المخرج ومن دفعوه إلى ارتكاب الفيلم السيئ لم يقدموا سوى تفاهة فنية، كان يجب عدم الالتفات لها. والسلفيون وأصحاب المصلحة مثل ‘حزب الله’ تقمصوا الدفاع عن النبي، والنبي لم ولن يكون في خطر أبدا، لكن من لا يثور في وجه إبادة البشر من كل الأديان في سورية وإبادة المسلمين في ميانمار، يجب ألا ينتظر تصفيقا على دور الغيرة على النبي.الرئيس المصري محمد مرسي بدوره لم يستطع تقمص دور الثائر ورئيس الدولة في الوقت ذاته، وقد كان من الممكن أن ينطلي هذا الازدواج وقتا أطول قبل زمن الديجيتال فيعمر الرفيق فيدل في الدورين ستين عاما والأخ العقيد القذافي أربعين عاما، أما الآن فعلى من يحكم أن يختار في أي مكان يقف.بعض الصحافيين العرب تقمصوا للأسف أدوار المفكرين وزايدوا على السلفيين في الهبة الغاضــــبة، وكل الإعلام الغربي مارس التزييف. قلة فقط هي التي انتبهت إلى أن الغاضــــبين ينتمون إلى تيار واحد ساهمت أمريكا في صنعه، وأعدادهم في الميادين لا تقارن بأي حال من الأحوال مع الأعداد التي قامت بالثورات.المؤامرة موجودة حقا، لكنها تستهدف مستقبلنا وليس ماضينا، الماضي خرج من يد البشرية ولا يمكن أن يكون في خطر.