في بلدان كثيرة ومحترمة، تشكل صحة الرئيس أو الملك موضوعا هاما ومحوريا من مواضيع الدولة الأساسية، تؤسس لذلك الغرض الهيئات الدستورية أو الرسمية والناطقين الرسميين لإزالة أي لبس، والإجابة عن أي تساؤل، والرد على كل ريبة، وطمئنة الشعوب التي لها كامل الحق أن تعرف حال صحة من بيده زمام أمور مستقبلها، وتطمين الدول التي تأخذ وتتعاطى معها، وهي حساسة لكل إشاعة أو خبر يقين.في الجزائر، لا زالت الإشاعة سيدة المكان وملكة الزمان، ‘يقتل الرئيس’، وتجرى له العمليات، ويخضع للفحوص، ولا مجيب، ولا ملبي ولا مضيء، حتى إذا فعلت الأكاذيب فعلتها وهز الخبر أركان الدولة، بخطوات مضطرة سلحافاتية، يقدم لنا الرئيس بالصورة، في عمل ‘فني’ يظنون خائبين أنهم نالوا جائزة الأوسكار للشريط القصير، وهم في الحقيقة لم ينالوا إلا جائزة الأوسكار في تجاهل الشعب وازدراء ذكائه، في المرة الأولى أتوا لنا بمغني ‘الراي’ الشاب مامي ليطمئننا على صحة رئيسنا، وفي هذه المرة كنا نتصيد ممثلا تلفزيونيا، أو لاعب كرة قدم مشهور أو حتى صاحب الميدالية الذهبية الأولمبية، لعله يخبرنا ويهدئ من روعنا وقلقنا.نحن الجزائريين، على اختلاف تموقعاتنا السياسية، واختلافاتنا الإيديولوجية، لا يمكن إلا أن نسعد بصحة رئيسنا، أو أي شخص مناوئ أو موافق، لا يمكننا إلا أن ندعو بطول العمر وسلامة الصحة للجميع، ولكننا لن نقبل أن توضع مصلحة الجزائر العليا في الدرجات الثانوية بعد المصالح الشخصية لجهات، أو مكاسب سياسية لأخرى. نريد الرئيس القوي القادر الرزين، المدافع عن بلدنا، الساهر على رقيه، وليكن خصمنا.و بينما تبحث دوائر الدراسة والتحليل والاستخبار اسم خليفة الرئيس من بين أسماء كثر، تطل علينا أخبار وتصاريح مبطنة أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يمكن أن يطلب عهدة رئاسية رابعة وأن يخلف نفسه بنفسه. وبغض النظر عن محصلات عهداته الإيجابية والسلبية، فليس هنا موضوعنا، هل عقمت الجزائر إلى هذا الحد حتى لم يعد بمقدورها إنجاب رئيس آخر يواصل مسيرة التشييد، ويصحح الأخطاء ويشجع الصواب ؟ أم هي ‘حبوب منع الحمل’ السياسية، و’عمليات الإجهاض السلطوية’ تفعل فعلتها ؟ هل الأمريكيون والأوروبيون لهم فائض من الكفاءات القيادية، ونحن نعاني من نذرة الحاكم القادر الرشيد ؟ هل سيظل المثل الشائع عندنا ‘ الوالفة خير من التالفة’ فرملة لأي رغبة تغيير نحو الأفضل، وتحطيما لأي إرادة للبناء؟ حتى أنك لن تجد مشقة لسبر آراء الشارع الجزائري لمعرفة نتائج الانتخابات المحلية القريبة، ستجدهم يجيبونك أن 90 ‘ من رؤساء البلديات سيعاد انتخابهم، أو عرابيهم، لأن هؤلاء حسب تحليلهم، لقد نهبوا بما فيه الكفاية لكي يشتغلوا بمصالح المواطن بدل إعطاء الفرصة لجديد، متعطش للمزايا. إن الفكر السياسي لما يهبط إلى هذه الدرك من الإدراك، ويؤسس لمشروعية الفساد السياسي، والبحث عن تبريره، والبحث عن الأعذار له ينبئ عن أزمة مبادئ غير مسبوقة في الطبقة السياسية الجزائرية. هل سيطلب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عهدة رابعة أم أنه سينسحب بشرف ليعطي المشعل لمن لم ‘يطب بعد جنانه’؟ سؤال سيتصدر مجموعة الأسئلة التي تشغل بال الجزائريين على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم، يبقى أن نتمنى من أعماق قلوبنا أن لا يخلد أي مسؤول، كبير أو صغير، في أي موضع من مواضع ممارسة السلطة، وأن يتداول الجزائريون الصادقون الأكفاء على كراسي السلطة بصدق وإتقان وتضحية ووفاء، فلو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم، كل شيء يمر، وكل شيء يزول، وتبقى المحامد أو المعايب.عبد الكريم رضا بن يخلف[email protected]