رواية حنان الشيخ ‘صاحبة الدار شهرزاد’.. عندما يتحدث الدراويش في حضرة الخليفة

حجم الخط
0

عامر هشام الصفّارتبقى أعمال الروائية العربية اللبنانية حنان الشيخ مثيرة للاهتمام والجدل. ولا تختلف روايتها الاخيرة عن ذلك.وألف ليلة وليلة لها أكثر من مؤلف واحد أو هكذا تجمع مصادر التاريخ، وهي التي أمتدّت جغرافية حكاياتها لتشمل العراق ومنطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وايران وروسيا. وتركز حنان الشيخ على بغداد حاضرة العرب وطبيعة الحياة حينذاك اقتباسا بتصرّف من الليالي، حتى أنها تجعل من خليفة بغداد هارون الرشيد وكما هو في الليالي الألف الأولى، حاضرا في الحدث ولو أن دوره هنا أمتد وأتسع.وحكايات ألف ليلة وليلة مجموعة تقرب من المائتي قصة جاءت على ما يقرب من 1400 مقطوعة قصصية حكائية.وقد ترجم الليالي بتصرف الفرنسي أنطوان غالان المستشرق عام 1704م، وبذلك أمتد تأثيرها أدبا وفنا ليشمل العالم كلّه.اشكالية التجنيسوقد صدرت رواية ‘صاحبة الدار شهرزاد’ عن دار الآداب البيروتية عام 2012 وعلى الصفحة الأولى تقديم قصير يقول بأنها: ‘صاحبة الدار وقصص أخرى..’ فهل هناك مشكلة في تجنيس صاحبة الدار شهرزاد أذن؟..فالمؤلفة التي تعرّف نفسها روائية لبنانية لم تقصد رواية بل قصة وقصصا أخرى، دلالة مجموعة قصصية. ويستمر التقديم ليشير الى ان القصص ‘أقتبستها حنان الشيخ بتصرف من كتاب ألف ليلة وليلة’ على أن القارىء الفطن قد يستنتج أن الشيخ انما ستستمر بحكاياها وقصص شهرزادها مستقبلا وكأنها سلسلة شهرزادية روائية تناصت مع تراث خالد. وهنا لابد أن تأتي في الخاطر سلسلة روايات هاري بوتر السبع والتي سعت فيها كاتبتها المشهورة جي كي رولينغ الى أن تقتبس من الأسطورة الغرائبية مادتها لتكون على أجزاء، كان القارىء الغربي ينتظرها في منتصف الليل ليبتاع نسخته الخارجة توا من المطابع.دلالات قصصية وتبادل في الأدواروتصر حنان الشيخ على أن تجعل من صاحبة الدار تعيش حكاياتها المدهشة، وتقف وجها لوجه مع الخليفة الرشيد ووزيره جعفر، في وقت لم تكن تتخيل فيه ذلك، فهي الشهرزاد شخصية القصة ومادتها وليست القاصة الحاكية فقط، في سبيل انقاذ نفسها وبنات جنسها، وانما هي الشهرزاد مع أخواتها التي تظّل تحكي في حضرة الخليفة لتصرف انتباهه عن أمر أراد بهن بعد أن أجبرهن على زواج لم يردنه.فتنعكس الصورة الشهرزادية، فبعد أن كانت هي التي تطلب الزواج أصبحت عند الشيخ متعففّة عنه غير راغبة فيه. وليست هي الشهرزاد وحدها بل جميع أخواتها، وكأني بها حنان الشيخ تعكس وجهة نظر عن المرأة-الحواء-الشهرزاد المعاصرة، ووجهة نظرها في مقومات المجتمع المعاصر، ومن أهمها الزواج، هذه المؤسسة المركزية في العلاقات الاجتماعية.ويبدو أن أصرار الراوية على الغوص عميقا في ألف ليلة وليلة، والتصرّف بما لذ وطاب من حكاياتها ومفارقاتها أنما هو لتحقيق فكرة وزرعها في ذهن المتلقي للسرد..والاّ فقدت الرواية المعنى. ولا أظن أن شهرزاد نفسها تريد ذلك أو تبغيه.تقنية السرد بتصرّف!وفي الكتاب-الرواية-المجموعة القصصية، 19 حكاية أو فصلا دون ترقيمها او ذكر عدد لياليها التي قضيت بالسهد والأرق. وقد اختلف عدد صفحات الحكايات حسب طبيعة الحدث وضرورات القص. فبدأت بشهريار وشاه زمان، والصياد والجن، والحمّال والبنات الثلاث، لتترك الدروايش الثلاثة يتبادلون النظرات بكل رعب وخوف وكأن ‘تلاوة قصصهم هي بمثابة الموت نفسه’ (كما استخدمت كلمة تلاوة، دلالة الأهمية القصوى لما سيحكيه الدروايش وأسلوب هذا الحكي). لتنتهي الفصول بحكايات صاحبة الدار نفسها وأخواتها، ثم ردة فعل الخليفة الرشيد الذي أصطحب معه أبو نؤاس شاعر بغداد، ليساهم في فعل الحكي والشعر وطريف المواقف. وتتفرع الحكايا والقصص فتكون دليلة المحتالة والمرأة وعشاقها الخمسة وزمرّد ونور الدين (وفيها بعض مما يأتي تحت باب علاقات الشذوذ الجنسي أو السحاق وصفا). وقصة سندباد التي تحكيها شخصية الحمّال، وهو الحاكي لأكثر من قصة واحدة خلال الكتاب، والتي تأتي على النهاية المفتوحة ‘فكان أن قمت وفي ليلة واحدة بزيارة البصرة والصين والهند وبلاد الفرس، كل هذه البلاد دون الحاجة الى ركوب أية سفينة..’ وهي الزيارة عبر القلم والحكايات. ولكن الثيمة كلها تتركز في الفصل الأخير حيث لكل بداية نهاية. وفي الختام غمز من قناة الخليفة وحاكمه وحاشيته واعلاء من شأن حكمة المرأة-الحواء-الشهرزاد، والتي تختار زوجها الفقير حيث ‘أريد البقاء مع زوجي..’ وفاء وأخلاصا في نفس الوقت الذي تظّل ترفض فيه شهرزاد وأخواتها زواجا لم يجدن أنفسهن فيه فيخترن ‘خفض أبصارهن نحو الأرض، أمام الخليفة ‘ كأفضل طريقة يعبّرن بها عن تهربهّن من الزواج من غير أساءة أو أهانة’.وتستعيد حنان الشيخ في كتابها (وهي التي أرادت يوما أن تمسرح شهرزاد وحكاياتها أمام الجمهور الأوربي، ورفضت أن تكون يوما ضيفة على برنامج حواري أمريكي لملكة حوارات التلفزيون الأمريكي أوبرا ونيفري)، الأجواء الساحرة لألف ليلة وليلة بنسائها ورجالها وخمرها وعبيدها وخصيانها وملوكها والجن والسندباد والخليفة والسيّاف مسرور والوزير جعفر، وغير ذلك مما يسّر القارىء ويبقيه مشدودا لشهرزاد القرن الحادي والعشرين الجديدة.والبناء الروائي السردي جاء على شاكلة الليالي ولا غرابة. وتزين فضاء صاحبة الدار بكل الدلالات السيميائية التي فصّل فيها الباحثون عن أجواء قصص وحكايات ألف ليلة وليلة.حتى ذكرت بيسان طي مؤخرا أنها ‘عدّت 12 جدولا أستبداليا عن الهوية والفرح والجمال والأسرار والأغواء والفن والشعر بشكل خاص، والمكان والعذاب والثراء والتراتب الاجتماعي في قصة واحدة فقط تلك هي الحمّال والبنات الثلاث’. (أنظر عدد مجلة نزوى الـ69 الصادر في بداية عام 2012).ثم أن في الأصل الرمز الى عدد الليالي وعدد الحكايات مما لم تلتزم به الروائية حنان الشيخ والتي يبدو أنها استظرفت الكتابة بتصرف فوضعت كلمة أوكي الأجنبية لمرتين دلالة الموافقة في متن السرد!. وكان أن ربطت بين حكاية وأخرى ولم تجعل قصصها منفصلة سائبة دون شدّ خيوطها مع بعضها وكأنها تغزل حريرا أو قل صوفا.على أن الرواية نجحت من خلال اقتباساتها التي جاءت بتصرّف واضح في تحقيق ما أرادت، وجذب انتباه المتلقي- القارىء الى أجواء الليالي العربية الأولى، دون أن تقصّر في أضافة المعاني الجديدة بروح معاصرة تم نسجها بذكاء في ثوب المتن السردي المحكم.وللقارئ بعد ذلك أن يسأل لماذا العودة لشهرزاد وحكايات ألف ليلة وليلة اليوم؟ وهل كانت الليالي الأولى قد كتبت بقلم رجالي أم نسائي أيضا؟ وكم من هذا السرد الغرائبي التفصيلي يخدم هدف الكتابة في الزمن العربي الجديد؟.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية