بسام البدارينلا يمكن بحال من الأحوال الإستنتاج بأن الخيارات التي وضعها العاهل الأردني الملك عبدلله الثاني الأسبوع الماضي في حضن الحركة الإسلامية سياسيا وإعلاميا ووطنيا تتطلب إنتاج وصلة {ردح سياسي} مكررة وممجوجة مارسها بعض كتاب التدخل السريع في الصحف التابعة لحكومة تقول يوميا للشعب الأردني : أنا حكومتكم البائسة جدا.ولا أستطيع إطلاقا كمراقب وكمواطن أن أفهم بأن واجبي بعد حديث الملك الشهير عن خيارات الوقت المأزوم وإنطلاقا من قواعد الولاء والإنتماء يتطلب {تصديق} مسلسل الأكاذيب والتشهير الذي طال الأخوان المسلمين بعد نحو 20 مقالا معلبا تشهر في الواقع بالنظام ومؤسساته ولا تقدم كالعادة إلا خدمات جليلة للإسلاميين. لست مع الأخوان المسلمين ولدي تحفظات وملاحظات كثيرة على خطابهم السياسي المراوغ في بعض الأحيان خصوصا عندما يتعلق الأمر بموقفهم من الدولة المدنية والتعددية السياسية. لكن أتفهم بالمقابل شكوى رئيس شعبتهم السياسية الزميل مراد العضايلة وهو يعدد الجهات الخارجية التي إتهم الأخوان المسلمون بالتبعية لها قائلا: لم يبق إلا إتهامنا بالتبعية لكوريا الشمالية.وأقدر بالمقابل أنهم مساهمون كبار في الأمن والإستقرار الإجتماعي وأنهم اليوم العنوان الأبرز وقد يكون الوحيد للوحدة الوطنية في البلاد ولا أرى أبدا إلا سعيا للهدم والعبث بإستقرار البلاد عندما يسعى أحد المغامرين في الإعلام أو السياسة لشيطنة الحركة الإسلامية أو لفلسطنتها في سياق موضة التصنيف والتمييزالتي أصبحت{مهنة} بالنسبة للكثير من المجازفين …هذه المهنة تعمل على تدمير ملامح الوطن الأردني كما يقول الشاعر الصديق حبيب الزيودي وهو يشير لأوراق العنب المحيطة بجميع منازل قريته قائلا: كيف يريدني البعض أن أنسى بأن هذه {الدالية} خليلية ثم يضيف: الخليل قدمت دوالي العنب للكرة الأرضية وداليتي أداعبها كل صباح فتذكرني بفلسطين والأردن وبالإنسان معا. ولعلي لا أبلغ إذا شعرت اليوم بان المواطن الأردني {أعقل} من حكومته وأكثر رشدا منها فمن يساهم بزعزعة أمن النظام وتأليب الحراك وإستفزاز الشارع هم نخبة من المجازفين بقرارات بيروقراطية سقيمة تدلل فقط على حقيقة يتيمة تتمثل في وجود مراكز قوى أساسية داخل مؤسسات النظام لا زالت في {غيبوبة} ولا تقرأ الواقع الإجتماعي والإقتصادي والسياسي كما هو أو لا تريد أو لا تعرف كيف تقرا أصلا. المواطن الأردني اليوم لا يصدق الحكومة والسلطة وأي شخص يخطط لإستلاب عقل الجمهور الجمعي وتعزيز مكانته في الخارطة كل ما عليه فعله المعارضة والمناكفة ورفع الصوت والسقف.وفي غالب الأحيان تلعب شتائم الحكومة وإتهامات فريق التدخل السريع دور الرافعة التي تسحب من رصيد النظام وتضيف في رصيد من يناكفه ويعارضه. مأزق من هذا النوع والحجم منتج حصريا داخل مؤسسات السلطة ولا علاقة له بالشيخ زكي بني إرشيد ورفاقه ولا بأجندات خارجية ولا بمؤامرة كونية خفية متصلة بالمشروع الصهيوني فالأخير لديه سفارة في قلب عمان والأخيرة لها سفارة في قلب تل أبيب وأحبال الود متصلة بين إسرائيل والحكومة الأردنية. ومن يحرصون علي ذلك الود أو يسهرون على إدامة التواصل مع إسرائيل هم أنفسهم الذين يحرضون النظام يوميا على الإسلاميين وعلى المعارضة وعلى الحراك.وهم أنفسهم الذين يدخلون بالعتمة وراء الكواليس على صاحب القرار لكي يقنعوه بأن الأخوان المسلمين في الواقع {تنظيم فلسطيني} في الأردن وبأن الإصلاح الحقيقي سينتهي بتسليم الدولة الأردنية الهاشمية للفلسطينيين أو الإسلاميين. إنها لعبة مضجرة ومملة تعطل الإصلاح الحقيقي وتخيف النظام لمصلحة فئة من الإنتهازيين ورموز الحرس القديم الذين لا مكان فعلا لهم على الخارطة في إطار إصلاح حقيقي وإنتخابات نزيهة والذين يرتبط إستمرار مصالحهم أصلا في تواصل لعبة تخويف النظام وصاحب القرار من كلفة الإصلاح والتغيير رغم أن الإصلاح الجذري هو الطريق الأسهل لتعزيز النظام وحمايته لعدة قرون مقبلة.مرى أخرى يتورط الإعلام الرسمي للأسف بالمنطق البائس السقيم الذي يطلق إتهامات جزافية لا أساس لها من الصحة عبر أقلام شابة وموهوبة يفترض أن تركز أولا على المهنة قبل تحويلها لخشب في محرقة الإعلام الرداح الذي تجاوزه الواقع الموضوعي ليس في العالم ولكن في الأردن أيضا. وأزعم أن خيارات الملك التي قيل أنها مباغتة وحساسة وحرجة كانت تعبر عن سلوك سياسي بإمتياز وأن تقليب هذه الخيارات على أي جنب لا يدلنا ولا بالأحلام على أي إشارة يمكن أن نفهم منها بأن المقصود مهاجمة الإسلاميين وبهذه الطريقة المؤلمة المؤسفة فقبل أسابيع من وصلة الردح المؤذية كان الشيخ حمزة منصور في القصر الملكي يتعانق مع ملك البلاد. وبعد أسابيع سنشاهد الشيخ منصور يتجول برفقة علية القوم على سجاد القصر الملكي وقد يقسم ولاء القسم الدستوري كرئيس لوزراء المملكة ..هذا هو الأردن كما عرفناها وهذه هي مؤسسة القرار الأردنية كما عهدناها وإذا كان خطاب مؤسسة القصر عاتب على الأخوان المسلمين أو غاضب منهم أو حتى يلاعبهم بالسياسة فالفرصة مواتية لنا جميعا لأن نصمت ونراقب أو لنقل كلمة حق أو نسكت أبدا فالتشهير بالإسلاميين والحراك وتبرير الإعتداء على الحريات الصحافية وإعتقالات النشطاء اليوم لا يفيد أحدا وأول المتضررين منه هو النظام والولاء والإنتماء لا يعني التجديف والإفتراء وترديد إتهامات لا تنطلي على طلاب الصف الخامس الإبتدائي. وسبق لنا أن شاهدنا وسائل إعلام المؤسسة الرسمية وهي تخدم المعارضة الإسلامية في الشارع وتعزز حضورها وأسهمها في الإنتخابات بعد وصلات تشهير غير مهنية مماثلة. وقد سمعت مباشرة من أحد أقطاب القصر الملكي بأن اليد لا زالت ممدودة للبحث عن مخرج للأزمة مع الإسلاميين والملك عندما قال بأن أمام الإسلاميين خيارين هما الشارع أو المشاركة في الإنتخابات كان يوصل رسالة سياسية بإمتياز لا تنطوي على تهديد ولا تلوح به بل تعرض الواقع كما هو وتسعى للتحريك والتغيير في المعادلات الجامدة. أنا شخصيا أفهم كلام الملك على هذا الأساس ولا أراه تحديا للإسلاميين ولغيرهم أو قطعيا ونهائيا فمؤسسة الحكم في بلادي لا زالت ملاذا للجميع والشيخ عبد اللطيف عربيات كان يتصل فورا بالملك الراحل حسين بن طلال عندما يرغب بقتديم شكوى له ضد الحكومة والأجهزة الأمنية..كان الأردن دوما بهذه الصورة وينبغي أن يبقى فسؤال شرعية النظام لا يطرحه اليوم ـ رغم كل الفساد- أحد في الشارع أو المعارضة ومن يطرحه هم أزلام النظام وأدواته البائسة التي تتصرف على طريقة الدببة وسط كومة من الجرار فتجثم على صدر صاحبها وتحطم الجرار وتدمي عابر السبيل والمتفرج.الأردن وطن جميل ومدهش بمؤسساته وشعبه ويستحق خيارا ثالثا بالتأكيد ومن غير المعقول أن يتخندق الناس حول خيارين لا ثالث لهما بعنوان خيار الدولة أو خيار الأخوان المسلمين ..بين الخيارين توجد أغلبية صامتة من المسحوقين والشرفاء الذين يريدون النظام والأخوان المسلمين والمعارضة والولاء معا.لابد من مبادرة بإسم الخيار الثالث تنهي حالة الإستقطاب المتأزم وشعبنا الأردني الوفي يستحقها. مثل هذه الخيارات {وطنية}.. ليست رسمية ولا حزبية ..معنى ذلك واضح ويتمثل في أن تقدم جميع الأطراف تنازلا من أجل مصلحة الوطن حتى نغادر معا ما يسميه المخضرم عبد الإله الخطيب بحفرة الشك والشكوى.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن