د. يحيى مصطفى كاملحين كتبت عن الفيلم المسيء منذ أسبوع عبرت عن غضبي ورفضي لما اعتبرتها معارك تفرض علينا في توقيتاتٍ لا تفيدنا إطلاقاً، بل والأنكى من ذلك أن كل المؤشرات والتحليل المنطقي تفيد بافتعالها لتمرير مصالح أعدائنا رهاناً على ردود أفعالنا التي يسهل التنبؤ بها والاعتماد على تكرارها شبه الحتمي ؛ حينذاك لم تكن تلك الصحيفة الهزلية الفرنسية التافهة قد نشرت بعد صورها القذرة المنحطة، وللحق فلم يدهشني إقدامها على ذلك، إذ أن ردة الفعل التي ذكرت وفرت لكل طالب شهرة فرصةً فريدة يقتنصها ليذيع صيته، وفي حالة الصحف ليرتفع توزيعها…غير أن تلك المعركة، إذا جاز لنا أن نسميها كذلك، قد طالت بطريقة مزعجة ( يزيد منها تلك النزعة الطفولية لإغاظتنا) حتى لم يعد لنا من من حديثٍ سواها، نحلل ونختلف وندين وندافع ومن ثم نتطرق إلى وضعية شعوبنا الثقافية ومشاعرها الدينية الخ.لقد اندفع الكثيرون إلى تناول الموضوع من زاوية حرية التعبير المقدسة وانبروا لشرح أهميتها في المجتمعات الغربية وعدم تجرؤ الحكومات والساسة على المساس بها كونها أحد الأعمدة الأهم التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، وحدث ولا حرج عن الصيغ والمفردات التي تستخدم لبسط هذه الأفكار ليشتم منها التلميح على تخلفنا نحن الذين نشأنا وتشربنا أحادية الفكر والإقصاء فهي تفيض في كلامنا ومواقفنا وتتجسد في مزاجنا؛ ومن ثم لم نعدم من ينبري للدفاع عن شعوبنا وتبرير ردة فعلها مذكراً الجميع بازدواجية المعايير وتجريم الغرب لكل من تسول له نفسه التشكيك في المحرقة اليهودية، وهم محقون إلى حدٍ بعيد في ذلك… ولست أنكر أنني تحمست وخضت كغيري في هذا الشأن وأنني للوهلة الأولى كنت لا أرى سوى الجانب السلبي للمعركة المفتعلة وأرغب في تخطيها، وقد عبرت عن غضبي ومـــرارتي ورفضي لأن ننساق إلى فخ إضفاء الأهمية على التافهين،إلا أنني مع تمادي الأزمة وتردد موجاتها بدأت أرى فيها ما لم أفطن إليه في البداية، إلى ما هو أعمق، وأدرك أين أخطأت مع كثيرين غيري…لقد استُدرجنا وانزلقنا إلى التعاطي مع الموضوع من ناحية فوقية، ثقافية وفكرية تتحدث بمفردات مفرطة في التجريد عن قضايا تتعلق بالعقائد والهوية وصراع الحضارات، وهي قضايا مهمة دون شك، إلا أنها ليست الأساس؛ إننا حين نناقش الموضوع من هذه الزاوية فإننا نلعب على أرضية الغرب، ولا يخفى على أحدٍ ضعف المثقفين العرب إزاء موضوع حرية التعبير تحديداً نظراً لما كابدوه طوال عقودٍ من قمعٍ وتهميش.الأساس في هذه الأزمة على الأرض، ملتحمٌ بجسد الواقع الرديء الذي مازالت الشعوب العربية تعيش فيه ويحمل كل دمائه وأوحاله…الأساس في هذه الأزمة يتمثل في استعصاء الثورات العربية وتعثرها دون إحداث تغييرٍ وحراكٍ حقيقي يعصف بالتركيبات الاجتماعية القائمة صوب إعادة تشكيلها بصورةٍ تنصف وتنحاز إلى المقهورين المسلوبين والمهمشين؛ لقد تحركت شعوبنا ودفعت وما تزال ثمناً باهظاً من أجل التحرر بمعناه الأعمق الذى يتخطى حرية التعبير إلى الانعتاق الاقتصادي الذي يترجم عن نفسه في تحسنٍ ملحوظ في معيشتهم اليومية…و لعلي لا آتي بجديد حين أشير إلى أن شيئاً من ذلك لم يحدث، وفي حالة مصر فإن الجمهور الأوسع يشاهد أمام عينيه إعادة إنتاج سياسات مبارك بحذافيرها والسعي المحموم من قبل الجماعة للسيطرة على كل مفاصل الدولة دون أي إنجازٍ يذكر ينعكس على معيشتهم اليومية؛ على العكس من ذلك فالأوضاع الاقتصادية تسوء ولا يحصدون من الرئيس المنتخب سوى الوعود التي سرعان ما تتبخر مخلفةً وراءها كماً متعاظماً من الإحباطات ما تلبث أن تغدو مادةً للسخرية المريرة.بل إن الأكثر إيلاماً من ذلك أن هذه الشعوب أيضاً، بعد فترةٍ من تكذيب نفسها، أدركت أن الهيمــــنة الأمريكـــية لم تنزح عن بلدانها، وبفرض أـنها توارت وراء الباب برهةً بسيطة فإنها ما لبثت أن عادت بكل ثقلها لا من النافذة وإنما من نفس الباب وباستقبالٍ ملكي، وفي مصر تحديداً فإنها بعد أن لم يعد سراً تداخلها العميق والثقيل في الاتفاقات والصفقات التي أوصلت الجماعة إلى حيث هي الآن، وإذا أخذنا بعين الاعتبار جولات التسول التي يقوم بها مرسي وما كثر من لغطٍ وجدال عن قرض صندوق النكد الدولي بما نعلمه من نفوذ أمريكا فيه، نستطيع أن ندرك مدى الإحباط والشعور بالفشل الذي يخيم على قطاعاتٍ عديدة من مجتمعاتنا ويتسرب إلى الأخرى.هذه هي الحقيقة إذن: هذه الشعوب لا ترى أي تغييرٍ حقيقي و تشعر بمرارة الهزيمة وبأنها خُدعت، وأن هذه الثورات إن لم تكن في الأساس أكذوبةً وصنيعةً أمريكية فإنها على أقل تقدير تم الاستيلاء عليها بعملية قرصنة تجيد أمريكا أمثالها أكثر من غيرها، وبذا تتحول دماء الشهداء وتضحياتهم إلى ودائع ودولارات وعقودٍ جديدة تتدفق إلى خزانات أمريكا، ولعل ذلك يفسر ذلك التعليق الذي كثيراً ما نسمعه من عينة هل صدقتم (أي نحن المواطنون) أن أمريكا ستتركنا نفعل ما نريد؟ وغنيٌ عن الإشارة إلى ما في هذا التعليق من يأسٍ وغضب وشعورٍ بالهزيمة…لست في حاجةٍ إلى التأكيد على اختلافي الجذري فيما يتعلق بمصدق ومشروعية، بل قدسية وشرف الحراك الشعبي العربي ، إلا أن ذلك لا يتعارض مع يقيني الشخصي في أن هذه الشعوب والجاليات العربية والإسلامية لم تنزل إلى الشوراع بعد الفيلم المســـيء دفاعاً عن الرسول الأكرم فقط وإنما تعبيراً عن غضبها من استلاب ثوراتها، ولا أبالغ إذ أزعم أنها تخوض معارك العقائد لأنها غير متحققة، أو لنكن أدق، غير موفقة أو ناجحة (حتى الآن على الأقل) في خوض معركة التحرر الاقتصادي والاستقلال السياسي على ارض الواقع.إن المعركة الحقيقية هي معركة التحرر الوطني وبناء مجتمعاتٍ أعدل، معركة استعادة الثورات المسلوبة من يد من أثبتوا إفلاسهم وحادوا عن أهدافها، وإذا أردنا أن ننصف الرسول (ص) فإننا نفعل ذلك بالنجاح والتقدم وتأكيد سيادتنا الوطنية وتواجدنا القوي في العالم.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير