السياسة الأمريكية والموقف من الولاية الثالثة للمالكي

حجم الخط
0

■ من تجربة الانتخابات قبل الأخيرة وتلك التي سبقتها، فإن تشكيل الحكومة في العراق يمثل أزمة حقيقية من الصعب تجاوزها، من دون حسم إقليمي وأمريكي، فهي ليست قضية محلية، بل قضية تهم جميع الدول الإقليمية، خاصة إيران وتركيا والسعودية، وتهم المجتمع الدولي الذي يتزايد قلقه من انتشار حالة عدم الاستقرار في المنطقة. كما ان الولايات المتحدة تمثل فاعلا اساسيا في العراق لسنوات وربما عقود مقبلة .
ويخطئ من يعتقد ان النفوذ الامريكي قد تلاشى في العراق، بل ان الحاجة الى امريكا آخذة بالازدياد في ظل تصاعد قدرات «القاعدة» و»داعش» والقوى الارهابية الاخرى، وتمكنها من زيادة منسوب العنف والتوتر وعدم الاستقرار في العراق، وبالضرورة فان ذلك يستدعي من اي حكومة عراقية ان تتناغم مع سياسة الولايات المتحدة في إطار الحرب ضد الارهاب. كما أن نتائج الانتخابات وعدم إحراز أي طرف المقاعد الكافية لتشكيل حكومة جديدة من شأنها أن توفر للولايات المتحدة الفرصة للتعامل مع القادة العراقيين والعمل معهم، للوصول إلى اتفاق حول برنامج للإصلاح قادر على إنتاج استقرار اكبر، تتقدم فيه المصالح الأمريكية التي تواجه أزمة ملحوظة في المنطقة.
من هنا تبرز اهمية فهم التصورات الامريكية في ما يتعلق بقضية تشكيل الحكومة العراقية، وما يرتبط بها من موضوع الولاية الثالثة للمالكي أو المرشحين البدلاء له. ومن الواضح ان الموقف الرسمي لواشنطن حتى الان لم يتبلور ازاء هذه الاستحقاقات، وهذا على الاقل ما يقوله عدد من الزعماء العراقيين الذين اجروا اتصالات مع الرسميين الامريكيين. ولكن متابعة تعليقات وتصورات بعض الخبراء والدبلوماسيين الامريكيين السابقين في العراق يمكن ان يمنحنا فهما أفضل لبعض مدخلات الموقف الامريكي الذي سيتحدد ولو بعد حين. وفي مقدمة الخبراء والمعلقين الذين قٌدِر لنا متابعتهم خلال هذه الفترة، زلماي خليل زاد ورايان كروكر وبوب درايفوس وريدار فيسر وغيرهم.
وتكاد اراءهم تتفق على جملة نقاط أساسية نجملها على النحو التالي:
1 ـ من حيث المبدأ يتفق الجميع على ضرورة عدم رفض الولاية الثالثة للمالكي، ما دام الدستور العراقي يبيح ذلك، كما ان النظرية الديمقراطية الحديثة لا تتعارض مع ذلك، ولكن ينبغي تقييم هذا الترشيح من خلال النظر في حجم التحالف الداعم للمالكي ومدى احتمالات ديمومته، فضلا عن مساهمة هذا التحالف في توفير الاستقرار السياسي والامني والديمقراطي.
2 ـ يجب على الولايات المتحدة ألا تصر بالضرورة على صيغة لتقاسم السلطة شاملة للجميع لتشكيل الحكومة في حالة وجود خيارات أخرى.
3 ـ لا بأس ان تحقق عملية تشكيل الحكومة استجابة من نوع ما للمصالح الخاصة للاعبين الاقليميين مثل، ايران وتركيا والدول العربية ولا سيما العربية السعودية، ولكن على الولايات المتحدة أن تضبط هذه العملية انطلاقا من السياسات التي تركز على وضع وحدة أراضي العراق في الأولوية.
4 ـ يجب التأكيد على شرعية نتائج الانتخابات، وإن حدثت بعض الخروقات سمحت بتعديل بعض النتائج، لاسيما في ظل الروابط الوثيقة بين رئيس الوزراء نوري المالكي، والقضاء العراقي ومفوضية الانتخابات، ولكن ظروف الاضطراب الامني والسياسي الذي يشهده البلد تجعل التعليق بشكل حاسم على أي خطوات لمعالجة نتيجة الانتخابات، من خلال هذه القناة، أمرا محفوفا بالمخاطر، وبالتالي من الافضل التعاطي مع نتائج الانتخابات كما هي.
5 ـ ان حكومة الأغلبية السياسية اذا كانت تتألف بشكل حصري تقريبا من الإسلاميين الشيعة فقط مع ممثلين رمزيين من السنة والعلمانيين والأكراد، فإنه من المرجح أن تؤدي مثل هذه الحكومة بالبلد الى التفكك والتشتت والحرب الاهلية على نطاق واسع، لذا على الولايات المتحدة ان تقف موقفا صارما ضد هذا الشكل من الحكومة.
6 ـ الأحداث في السنوات الأخيرة دفعت المالكي في اتجاه الاستبدادية والطائفية.وسط تجدد أعمال العنف من قبل تنظيم «القاعدة» والمتمردين السنة، استجاب المالكي لضغوط من القاعدة الشيعية له من خلال اعتقال عدد من السياسيين السنة، الذين احتجوا على سياسات التهميش، في الوقت الذي تصاعدت فيه اعمال الارهاب من قبل الداعشيين و»القاعدة» والمتمردين السنة. وقد اغضب المالكي أيضا الأكراد ووتر العلاقات معهم، عن طريق حرمانهم من مخصصات الميزانية التقليدية التي تتمتع بها الحكومة الإقليمية الكردية. وقد اتخذ المالكي هذه الخطوات على خلفية الديناميات الإقليمية المتقلبة، لاسيما الحرب المستعرة في الجوار السوري التي تباينت ازاءها مواقف الاطراف والجهات العراقية المتنوعة، فضلا عن فشله خلال السنوات الأربع الأخيرة في المصادقة على عدة مناصب وزارية، كان قد وقع عليها بموجب اتفاق اربيل، أو تلبية مطالب المواطنين السنّة في نينوى وصلاح الدين وديالى والأنبار. كل ذلك أسهم في تفضيل اغلبية القوى السياسية العراقية بمكوناتها المتنوعة لمرشح جديد، غير ملوث بنسب قياسية من عدم الثقة والصفقات غير المنجزة التي لا يتم احترامها.
7 ـ التفضيل لمرشح جديد قد يمثل معضلة بالنسبة للولايات المتحدة.في الماضي، مالت واشنطن لدعم عادل عبد المهدي، الذي لم يرشح في هذه الانتخابات، على ابراهيم الجعفري، الذي تعتبره الولايات المتحدة قريبا جدا من إيران.الاسم الاخر الذي يتم تداوله، هو وزير الداخلية الاسبق باقر الزبيدي المتورط بتسهيل عمليات قتل وتعذيب في ملجأ الجادرية، وباستخدام المليشيات الشيعية لإمكانات وزارة الداخلية في ممارسة القتل اليومي اثناء تصاعد العنف الطائفي اليومي عام 2006. أما الاسم الذي يتردد مرارا وتكرارا في مناقشة سيناريو ازاحة المالكي فهو أحمد الجلبي، الذي لعب دورا رئيسيا في التحريض على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كرئيس لائتلاف علماني يجمع عموم العراقيين، الا انه بعد حدوث الغزو أعاد توجيه نفسه ليظهر أكثر تطرفا في موقفه الطائفي الموالي لإيران والشيعة في السنوات اللاحقة.وإذا كان ليس هناك مفر في أن يبرز الجلبي وكأنه المنافس النهائي للمالكي، فعلى الولايات المتحدة ان تعمل على إجراء تقييم واقعي لقدرته على الوصول إلى زعماء السنة في الأجزاء المضطربة بغرب العراق.والعديد من هؤلاء الزعماء يعتبرونه «جاسوسا إيرانيا»، وبدرجة أكبر من تقييمهم المالكي. ويشيرون الى أن المالكي حاول في بعض الأحيان نحت مكانة شبه مستقلة عن نفسه في مواجهة النفوذ الإيراني، بينما الجلبي كان أكثر اتساقا في المعسكر المؤيد لإيران.
8 ـ يجب الاستعداد فمساومات تشكيل الحكومة ستكون طويلة وسيتزامن فيها الركود السياسي الذي يكون فيه المالكي رئيسا لحكومة تصريف الاعمال، مع تصاعد وتنامي قوى الارهاب والتطرف والتمرد. وإذا بقي المعسكر المضاد للمالكي موحداً، ربما يقرر المالكي بعد فترة طويلة السماح لمرشح آخر بأن يشكل الحكومة، وكشرط لتنحيه من المرجح أن يصر المالكي على أن يأتي رئيس الوزراء من صفوف حزب الدعوة الذي ينتمي إليه.
وبغض النظر عن اتفاقنا أو معارضتنا لبعض هذه المدركات، إلا أن هذه المدركات من المؤكد ستشكل مدخلات مركزية في صياغة الموقف الرسمي ازاء الولاية الثالثة للمالكي او بدائلها، ولكن نعتقد ان المقترح الذي يعرضه زلماي خليل زادة، ويلح على ادارة اوباما بتبنيه، يمكن ايضا أن يشكل مبادئ رئيسية للموقف الامريكي خلال المرحلة المقبلة، إذ يؤكد زلماي ان ادارة أوباما عليها ان تركز ليس على خصائص المرشح المفضل، وإنما على برنامج للإصلاح تساعد واشنطن في ضمان تنفيذه، من خلال تكييف المساعدات الأمنية الأمريكية والدعم الدبلوماسي لاتخاذ إجراءات ملموسة من قبل بغداد، بغض النظر عن أي تحالف أو رئيس وزراء يأتي إلى السلطة. هذا البرنامج يجب ان يستحضر المبادئ الجوهرية للدستور العراقي، الذي يؤكد على الفيدرالية واللامركزية في السلطة، ومن تحديد خارطة طريق للإصلاح التي يحددها بخمسة إصلاحات من شأنها ان تخمد التوترات العرقية الطائفية وتسهل توطيد الديمقراطية مع مرور الوقت.هذه الإصلاحات هي كل ما يلزم لتحقيق الاستقرار الدائم في العراق، ولكن بعضها، وهي تلك المتعلقة بالسيطرة على الأراضي، تمثل تحديات أكثر صعوبة من غيرها، وهذه الاصلاحات هي:
ـ القضاء على القوانين التمييزية مثل اجتثاث البعث، التي يجري تنفيذها بطريقة طائفية.
ـ تمرير خطة تقاسم العائدات وقانون النفط والغاز على نحو متوازن يسمح للشركات بتصدير النفط من المناطق والمحافظات المنتجه له وتوزيع عوائده على أساس صيغة متفق عليها.
ـ إنشاء وعلى النحو المنصوص عليه في الدستور العراقي، المجلس الاتحادي الذي من شأنه أن يوفر التمثيل الإقليمي في الحكومة الاتحادية.
ـ حركة ضد الميليشيات الشيعية جنبا إلى جنب مع عمليات مكافحة الإرهاب التي تستهدف المتطرفين السنة.
ـ حل النزاعات الإقليمية الناشئة عن التغيرات الديمغرافية القسرية بموجب الأنظمة السابقة، وفقا للأطر دستوريا وتسريعها.
وفي اعتقادي ان الدور والموقف الامريكي في ومن موضوع تشكيل الحكومة العراقية المقبلة سيظل مرتبطا بمعظم المدركات أعلاه، لكنه من المؤكد لن يتهاون في التعاطي مع خصائص التعاطي السياسي الامريكي في منطقة الشرق الاوسط ككل والمتغيرات المستجدة فيه من سياستها ازاء سوريا الى سياستها مع مصر في عهد السيسي.

٭كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية