كسرة الولايا

حجم الخط
0

كان جدي بحق الجبل الذي لا يهزه ريح فقد نشأ يتيما وتحمل المسؤولية مبكرا لأم أرملة وأخت مريضة بالقلب وعائلة من ست بنات وثلاثة أولاد. كان جدي أصلب من حجر الصوان ولكنه عند بناته كان أرق من النسيم ويوم زوج عمتي الصغرى بكى بحرارة وهو يوصي زوجها بها قبل خروجها من بيته فأبكى من حوله، وبكيت لبكاء جدي فجدي صلب لا يبكي ولكني كنت أجهل ما معنى أن يزوج أب عطوف محب ابنته وتخرج من حضنه وبيته الى بيت رجل غريب لا يدري أأحسن انتقائه أم لا؟! غير أن الأمر لم ينته بزواج البنات فقد ظل يبكي فرحا لولادة إحداهن وحزنا إذا أسقطت وتنفرج أساريره لرؤيتهن ويهتم لأمرهن ويحزن لحزنهن، ولم يختلف الأمر مع جدي ابن القرية، وعلى غير ما هو معروف من تبرم الفلاحين بإنجاب الإناث، فقد كان جدي يعتني ببناته لدرجة أثارت غيرة أولاده وجعلتهم يصرحون بالاعتراض على ‘المغاوزة’ مع البنات، بل لقد حرص جدي على تدريس بناته ولو في بلاد بعيدة ليعطيهن سلاحا في أيديهن كما كان يقول إذا جارت عليهن الأيام من أخ قريب أو رجل بعيد، والحق أن الرجلين زرعوا إحسانا وحصدوا برا من بناتهن اللواتي أصبحن بناتا لبيتين: بيت الأهل وبيت الحمى، فحفظوا فضل البيت الأول عليهن وشرفوا أباءهم بحسن تربيتهن بحسن تعاملهن في البيت الثاني.لقد أدركت من حال المجتمع لماذا يقولون أن ‘هم البنات للممات’ وهو ليس تبرم بقدر ما هو وصف حالة قد تكون حقيقة واقعة فلا أحد يكره إنجاب البنات بل تجد بعض الرجال يصرحون أن من لم ينجب البنات لم يذق طعم الأبوة الحقة فللبنات رونق وحنان وعاطفية وغلاوة في نفس الأم والأب مختلفة تماما عن العواطف التي تتولد بإنجاب الولد، ولوجود البنات في البيت أثر وأنس ولمسة ورائحة وحلاوة ونكهة فالبنت رفيقة وعون أمها وقرة عين أبيها والله يحنن القلوب عليها هذا غير الأجر الثابت في الإحسان إليها، فليس هناك نفس سوية تكرههن، ولكن مع ذلك كله لا يمكن الإنكار إن لهن هما يؤرق الفكر ويشغل القلب وبالذات في مجتمعنا الذي انكفأ نحو الجاهلية في معاملة النساء، فالأب والأهل مهمومون إذا لم تتزوج البنت لأنهم يريد أن يؤمنوها ويسعدوها بأن تكون لها أسرة قبل موتهم، وقد يظلون مهمومين بعد زواجها حتى تظهر خميرة الزوج أإبن حلال أم غير ذلك؟! ويا لتعاسة الأهل إذا كان الزوج غير ذلك إذ يشعرون أن كل ما بذلوه لابنتهم من حسن المعاملة هدها رجل في يوم وليلة، وهم يحملون الهم مع كل كلمة قاسية ومشكلة هذا إذا كانت البنت تصرح لأهلها ولا تكبت في نفسها وتراكم في قلبها.بل قد تعود البنت التي خرجت من بيت أبيها وأهلها معززة مكرمة، جوهرة مرفوعة الرأس ومجبورة الخاطر كسيرة تجر جروحها وجروح أولادها لإقامة دائمة أو قصيرة بينما يعود العقل والإحساس للرجل الذي أخرج زوجته، التي كتب على نفسه ميثاقا ربانيا برعايتها، ودموعها على خدها فلا يملك الأب والأهل الا أن يكسروا أنفسهم لإصلاح ذات البين، وإذا تعذر الإصلاح فتح الأب والأهل بيوتهم وقلوبهم مرة أخرى وأوسع لابنتهم وأحفادهم ولسان حالهم قولنا الشعبي ‘البيت اللي رباك ما هرب وخلاّك’، وليس هذا حال كل الأهل بل قد تسوء الأمور في حال كان الأهل يحرصون على سمعتهم أكثر من حرصهم على ابنتهم فيبقونها تعيسة في بيت زوجها حتى لا يقال عنها مطلقة!!! وبعض الأهل لا تسعفهم الحالة المادية أن يقوموا بحق ابنتهم وأولادها.و لا يتوقف الهم فحتى لو كانت البنت سعيدة في زواجها تظل المتابعة من الآباء والأهل الصالحين حتى تنجب وتقر أعينهم بأولادها ويستقر زواجها وتقوى عراه، ويتابعون هل تجد ما يكفيها؟ هل علاقتها بأهل زوجها وعلاقتهم بها طيبة؟ ولا يهدأ البال سوى بملاحظة السعادة والإطمئنان في حياة البنات مع مرور السنين.لا أحد يكره إنجاب البنات ولا أحد يكره أن يفرح ببناته ويزوجهن ويرى أحفاده فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح بالحسن والحسين فرحه بفاطمة، ولكنه كان أيضا يهتم لأمرها ويصلح ويتوسط بينها وبين زوجها عند الخصام ويذهب وراءه الى المسجد ليصالحه، وكان نعم الوسيط الذي لا يرد، ونعم الزوج كان سيدنا علي لا يطيل في الخصام ويحفظ الود، ونعم الزوجة الودود العؤود فاطمة الزهراء.لقد علم سيدنا محمد أن سيأتي ظلمة قساة القلوب لا يعرفون لابنة حواء قدرها وفضلها فقال في الحديث ‘إذا ولدت الجارية بعث الله ملكا يزف البشرى زفا يقول: ضعيفة خرجت من ضعيفة القيم عليك مُعان الى يوم القيامة’ والقوامة هنا ليست قوامة الإنفاق ولكنها قوامة المشاعر التي تحتاج سعة في الصدر وكرما في الأخلاق جعلت من الفاروق الصارم يسمع وهو ساكت لصراخ زوجته وقد أثقلها التعب ويتحمل ويذكر لها فضلها’ تطبخ طعامي، وتغسل ثوبي، وتطحن دقيقي، وتربي أولادي، وتقضي حاجتي’ ثم يقول’ أفلا أصبر عليها في بعض أمرها؟’يستهزء المجتمع ببعض الأهل الذين يشددون على الأخلاق والكفاءة في انتقاء الأزواج لبناتهم ويقولون ‘فليخللها’ أبوها (نسبة الى المخلل) عنده فلن تجد من يتزوجها!!’ والبقاء في بيت الأهل بعزة وكرامة خير من أن يجور على المرأة رجل غريب أو قريب استحل قلبها وكرامتها وحياتها بعقد لم يقدر قيمته عند الله الذي جعل من الزواج آية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.لقد اشتكت الدكتورة هبة رؤوف عزت في مقال ذات يوم فقالت ‘لم يستوصوا بالنساء خيرا يا رسول الله’!الأ فطوبى لكل رجل أبا كان أو أخا أو زوجا عرف كيف يعامل القوارير دون أن يكسرهن فذلك له عند الله خير من البكاء من خشية الله فقد جاء في الأثر ‘من فرح أنثى كان كمن بكى من خشية الله’.ويا لخسران من استقوى على امرأة لم تجد وليا يقف له فسلمت أمرها من قبل ومن بعد الى الله وهو نعم المولى ونعم النصير.د.ديمة طارق طهبوب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية