سوزان عفيفي تختلف تفسيرات رجال الدين والسياسة حول تفسير الآية 47 من سورة البقرة (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) فمن وجهة نظر العرب والمسلمين، من الخطأ التصور بأن بني إسرائيل اليوم هم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وفضلهم على العالمين، أما اليهود فهم متمسكون بأن من قصدهم الله في الآية السابقة هم نفسهم من قدموا إلى أرض فلسطين، ومن كانوا فيها قبل ذلك. ليبقى الصراع على هذه القضية كمن يحاول الوصول إلى حل اللغز القائم على قصة البيضة والدجاجة.مؤخراً، ظهرت قضية اللاجئين اليــهود العرب على ألسنة الساسة في اسرائيل بشكل مكثف وجذاب لمقايضة العرب على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة، فإسرائيل تتمسك الآن بضرورة أن تبحث قضية اللاجئين اليهود على طاولات المفاوضات والاجتماعات الخاصة لهيئة الامم المتحدة، للمطالبة بصرف تعويضات مالية لـ 85 ألف يهودي، تركوا املاكهم في الدول العربية وهاجروا إلى اسرائيل، عبر قيام مؤسسات اسرائيلية بإنجاز مشروع توثيق وإحصاء املاك اليهود العرب قبل التهجير، والقيام بحملة إعلانية مكثفة تحت شعار’ أنا لاجئ’، للحصول على شهادة اللاجئين اليهود العرب، وتخصيص يوم احتفالي للمهاجرين اليهود العرب في اسرائيل يدعم قضيتهم ويتم التحشيد لها.وجاء في تقرير لصحيفة ‘وول ستريت’ في العام 2010 أن اسرائيل باتت قلقة من تفوق الفلسطينيين على اليهود عددياً في اسرائيل، فقد ولى زمن الهجرات الجماعية، وتراجعت هجرة اليهود إلى فلسطين، ما شكل خيبة امل للقادة الاسرائيليين الذين اعتبروا أن الشتات حالة لا ينفرد بها الفلسطيني، إنما اليهودي أيضاً.تؤكد الرواية الاسرائيلية أن الهجرات اليهودية إلى فلسطين بدأت خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تم تهجير الآلاف من يهود اليمن إلى فلسطين، وبأن يهود العراق تعرضوا لقتل ونهب تحت ما يسمى بعملية ‘الفرهود’ في بداية الاربعينيات، ثم زاد التنكيل والضغط عليهم بعد قيام دولة اسرائيل، فلا يستطيع المتتبع أن يعرف بأن الهجرة كانت خياراً لهم أم قسراً، وفي كلتا الحالتين تعتبر اسرائيل أن ما حدث لهم هو ظلم وتشريد يستحقون عليه التعويض والاهتمام.أما في المغرب، فيقال أن بن غوريون بعد أن أسس دولة اسرائيل، بدأ يبعث برسائل إلى يهود المغرب الذين وصل عددهم آنذاك إلى أكثر من 300 ألف يهودي، يطالبهم بالهجرة إلى أرض الميعاد ودعمها هناك، فهاجر منهم حتى العام 1955 ما يقارب الـ 60 ألفاً، وبعد أن منعت المغرب هجرتهم، عندما تولى الملك محمد الخامس الحكم، اصبحت الهجرات اليهودية إلى اسرائيل سراً، إلى ان جاء الاتفاق مع الحسن الثاني، لتعود الهجرات اليهودية مقابل 250 دولاراً عن كل يهودي مغربي يهاجر إلى اسرائيل، وذلك وفقاً لما نشرته الكاتبة الفرنسية ‘اينيس بنسيمون’ في كتابها’ الحسن الثاني واليهود: قصة هجرة سرية’.وفي صعيد متصل، اعتبرت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، أن الدعوة الاسرائيلية لاستصدار قرار أممي يقضي بتعويض اليهود العرب، هو تحايل على المجتمع الدولي، سعياً منها في التملص من مسؤولياتها القانونية والسياسية والأخلاقية تجاه شعب حلّ مكانه شعب آخر، ليأتي مكملاً لجهود الكونغرس الأمريكي قبل سنوات في فرض قضية اللاجئين اليهود على أجندة الحل السياسي للقضية الفلسطينية، مؤكدة أن الهجرة لإسرائيل جاءت طواعية ومتأثرة بأساليب الضغط والإغراء الذي قدمته الحركة الصهيونية ليهود العرب، متشابهة في عرضها لما ورد في المقال الذي كتبه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في نيسان / أبريل من هذا العام، الذي أشار فيه بوضوح إلى الدور الذي قامت به قيادات اسرائيلية في زرع الخوف لدى اليهود العرب، لإجبارهم على الهجرة إلى اسرائيل من خلال إلقاء القنابل على البيوت والمقاهي والمتاجر والكنائس اليهودية، كيف تبدأ الإشاعات بأن العرب المتطرفين هم من كانوا وراء هذه العمليات؟وفي هذا الصدد، جاء على لسان الناطق باسم الخارجية الاسرائيلية ليئور بن دور قوله: ‘اليهود الذين عاشوا في الدول العربية خلال مئات بل والاف السنوات، أصبحوا لاجئين بسبب حرب الـ 48، الحرب نفسها التي أدت الى خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، الذين تركوا وراءهم بيوتا ومحلات وممتلكات، وكذلك اليهود العرب، فقد تم طردهم الى اسرائيل، وتم سحب كل وثائقهم، واعطائهم وثيقة سفر باتجاه واحد. من يريد حل قضية اللاجئين الفلسطينيين، لا بد ان يتحدث عن اللاجئين اليهود ايضا’.وبناءً على تلك المعطيات، لا بد من التطرق للقضايا والأسئلة التالية:أولاً: لماذا يتم تجيير قضية اللاجئين الفلسطينيين وتحويلها إلى سلعة للمقايضة، وكيف أصبحت الآن قضية اللاجئين اليهود شرطاً أساسياً في اسرائيل ليتم استئناف عملية السلام العربية الاسرائيلية، بعد ان كانت اسرائيل تعرقل البحث في قضية اللاجئ الفلسطيني قبل ذلك، هل هو هروب للأمام أم انها شروط تعجيزية لحل قضايا اللاجئين الفلسطينيين؟ وهي التي غابت عن تبني قضايا اللاجئين اليهود منذ أن بدأوا يغادرون أراضيهم إلى اسرائيل.ثانياً: هل تنبهت اسرائيل إلى الخلل الديموغرافي داخلياً، متخوفة من التناقص الحاصل في هجرة اليهود إلى اسرائيل؟ ثم هل للأزمة الاقتصادية التي عصفت بإسرائيل مؤخراً، محاولة للتهوين على اليهود العرب وإعطائهم إبراً تخديرية تقلل من خوفهم على مستقبلهم المالي، او تحد من تفكيرهم في الخروج من اسرائيل بدلاً من اللجوء إليها؟ثالثاً: ما هو حجم ومستوى المقدرة الاسرائيلية، في إقناع العرب والمسلمين بأن اليهود العرب في اسرائيل هم مهاجرون أو لاجئون؟ والكتب والوثائق العربية تزخر بالبيانات التي تؤكد على أن الحركة الصهيونية اتبعت خططاً مدروسة لتهجير اليهود العرب من أوطانهم إلى الكيان الذي قام في العام 1948، وإطلاق ما يسمى بمصطلح ‘ الاقتلاع نحو البلاد’ على لسان الباحث الاسرائيلي العراقي ‘سوميخ’.رابعاً: عقد المؤتمر الخاص بقضية اللاجئين اليهود العرب في الـ 21/9 الماضي في الأمم المتحدة، والذي حضرته مصر وحدها من العرب وبتمثيل دبلوماسي متدن، كما ورد في صحيفة القدس العربي، ليحمل ذلك المؤتمر تأكيداً لنائب وزير الخارجية داني أيالون خلال الاجتماع على أن: ‘ حكومة إسرائيل لن يهدأ لها حتى تتحقق العدالة للاجئين اليهود من الدول العربية’، وفقاً لصفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على الفيس بوك، فكيف تستطيع اسرائيل أن تبحث في قضية اليهود العرب وتطالب بإنصافهم، وهناك قرار أممي يقضي بحق التعويض والعودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من أرضهم، تاركين منازلهم وبياراتهم وقراهم قسراً وخوفاً، وتعرضوا لما تعرضوا إليه من إهانات وقتل وتعذيب لحقتهم حتى في الشتات؟ (القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194)خامساً: في ما يتعلق بمقالتي عباس وعشراوي، أقترح بأن يقوم الاثنان بعمل جردة حساب، لما استطاعوا أن يقدموه من خلال مراكزهم ومناصبهم لتحقيق العدالة لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وما هي الوسائل ‘الذكية’ التي قامت بها وفود المفاوضات الفلسطينية مع الاسرائيليين، ثم ما هي الإمكانيات السياسية والأخلاقية التي يخططون لها من أجل تحشيد الرأي العام العالمي تجاه قضية الفلسطينيين في الشتات، لإنصافهم وبشكل قانوني وملموس على أرض الواقع.سادساً: يؤكد الدبلوماسيون والساسة في اسرائيل، بأن اسرائيل لا تعارض فكرة إيجاد حل مرض لقضية اللاجئين الفلسطينيين، لكن بعد أن يتم الإعلان عن الدولة الفلسطينية، إلى جانب دولة اسرائيل، وحينها لتفتح دولتهم الحدود لهم كما يقولون، كي يساهموا في إعمارها، وبنائها، فإسرائيل تعتبر عودة الفلسطينيين إلى أراضي الـ48 أمر مستحيل، لأن تلك العودة تعني تعلمهم وعملهم وتجنيدهم ودفع الضرائب للدولة اليهودية، فهل سيقبل اللاجئون الفلسطينيون بذلك الأمر؟ ثم يتساءل هؤلاء عن نوايا الأنظمة العربية إن أعادت الفلسطينيين إلى ديارهم، في انها لا تسعى إلى خلق زعزعة في النظام الديموغرافي الاسرائيلي؟ وهو ما جاء أيضاً على لسان ليئور بن دور.سابعاً: أقترح على الحكومات العربية، وتوائما مع روح الربيع العربي، في السعي نحو دولة المواطنة والتعددية، فتح الباب لكل اليهود العرب كي يعودوا إلى أوطانهم التي هجروها، هروباً من وطأة الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي، أو نتيجة لسياسات مارسها عبد الناصر، ونور السعيد في العراق في تهجيرهم وسحب الجنسية منهم، وما تخللها من تواطؤ للأنظمة العربية في تهجيرهم كما تؤكد بعض الدراسات وعلى حساب الفلسطيني، ففتح بلاد العرب أمام اليهود المهجرين هو جزء من قبولنا لبعضنا، وأساس مهم في بناء دولة مدنية وليست دينية، ومحاولة لإصلاح أخطاء تاريخية لسنا مسؤولين عنها بالمقام الأول، فهل ستقبل اسرائيل أن يسري مفهوم العدالة على الطرفين اليهودي والفلسطيني بشكل متساوٍ، دون ان تكتفي بمطالبات تعويضية مالية لهم على ممتلكاتهم التي خلفوها في دولهم الأصلية، والتي ربما قد ترد اسرائيل عليها بأن العرب لن يقبلوا بالعودة لدولة يحكمها من مارس عليهم الاضطهاد والتهجير.وأخيراً وليس آخراً، ربما يتوجب على إسرائيل أن تقدم تبريراً مقنعاً، في أن اليهود العرب الذين قدموا إليها هم لاجئون وليسوا مهاجرين، فإسرائيل تعتبر أن المهاجر اليهودي العربي غادر بلاده متوجهاً إلى وطنه، أما اللاجئ الفلسطيني فكلنا يعرف بأنه قد غادر وطنه قسراً ودون أي اختيار.’ كاتبة وناشطة في مجال حقوق الانسان -عمان-