بسام البدارينأعادت إطلالة رئيس مجلس النواب الأردني عبد الكريم الدغمي التي ربط فيها مجددا بين الوطن البديل ومطالبة المعارضة الإسلامية بتعديلات دستورية إنتاج السؤال المسكوت عنه دوما والعالق بلا إجابة بين جميع نخب البلاد.السؤال هو: ألا توجد طريقة أخرى للحفاظ على أمن مؤسسة النظام والدولة بعيدا عن مسلسل {تخويف} الأردنيين من الوطن البديل وما ينتج عنه بالعادة من جدل الهوية والإنقسام ؟.يقول صديقنا الدغمي بأن عمر النظام الأردني 90 عاما وهو بهذا التاريخ موثوق جدا لدى الشعب الأردني وحمى المملكة طوال عقود من الوطن البديل. كلام جميل وصحيح ولكن هل من المعقول لنظام حكم هو الأقدم اليوم في القارات الخمس وراكم منقوع الخبرة عبر تسعة عقود أن تعجز مؤسساته وحلقاته النخبوية عن توفير بدائل إستراتيجية للبقاء والصمود وتجاوز المعارضة بعيدا عن العبث بملف الوحدة الوطنية وإستدعاء الهويات الفرعية بين الحين والأخر تحت عناوين ومسوغات بائسة وعقيمة بالعنوان الأمني. هل جرب صديقنا الدغمي الذي نحتفظ له بكل الإحترام بالمستوى الشخصي وغيره من أركان الحكم والدولة {وصفات} أخرى أقل كلفة من العزف المتجدد على إسطوانة مملة إسمها الوطن البديل؟.مثلا لم يجرب بعد الإصلاح الحقيقي والجذري الكفيل وحده بحماية هوية الدولة والمجتمع والنظام. ولم يجرب الإنصاف ولا مشاريع حقيقية لمكافحة الفساد أو على الأقل الرد على أسئلته الحائرة. ولم تجرب معايير العدالة ودولة القانون والمؤسسات ومنهجية المواطنة وكل ما يحصل بين الحين والأخر يتمثل في الإستدعاء المحزن السقيم لفلم الوطن البديل لأغراض لا تبدو منطقية أو منسجمة مع ما يقال في الأطر العامة.فكرة الدغمي بسيطة وتستحق المناقشة والتأمل بهدوء وعقلانية فالرجل قال على شاشة التلفزيون مؤخرا ما قاله في وقت سابق معتبرا أن الإستجابة لمطالب بعض قوى الشارع بتعديل مواد دستورية تختص بصلاحيات الملك يعني فورا تسليم المملكة لبرنامج الوطن البديل. الرجل المخضرم لم يحدد مقاصده ولم يخبر الناس كيف بصورة محددة تمأسست نظريته وشروحاته تمثلت في الإشارة لان النظام الحالي يحبه الأردنيون وجربوه والإنتقاص من صلاحيات الملك يعني إحتمالية وجود حكومة بشرعية شعبية تقدم المملكة على طبق من ذهب لسيناريو الوطن البديل. صاحبنا لم يحدد لنا كيف سيحصل ذلك ولماذا وعلى أي أساس؟.التفسير الوحيد لمقولة الدغمي المتكررة والتي تكتسب أهميتها من وضع الرجل في قيادة مجتمعه ومكانته السياسية كرئيس لسلطة التشريع هو إشارات خلفية وخفية إلى أن المقصود هو حكومة شعبية يشكلها تحديدا الأخوان المسلمين بإعتبارهم حزب الأغلبية في البرلمان الحر.الترجمة الفورية لذلك هي تخويف الأردنيين من أن الإستجابة لمطالب الأخوان المسلمون {بإعتبارهم تنظيما فلسطينيا} بتعديل صلاحيات الملك تعني تسليم الدولة والإدارة للأخوان المسلمين{بالتالي للفلسطينيين} لكن الرجل لم يخبرنا لماذا إفترض أن حكومة الأخوان المسلمين أو حكومة أغلبية برلمانية ستبادر فورا لخدمة إسرائيل وتقدم الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين.مع وجود قصور في تقديم نظرية متكاملة توضح هذا السيناريو يبقى من حق المتلقي قراءة النظرية إنطلاقا من دوافع قد لا تكون لها علاقة بالسياسة أو بالواقع والحقيقة.طبعا نعرف نحن مثل الدغمي بأن مطالب الأخوان المسلمين المتعلقة بتعديل مواد دستورية لها علاقة بسحب صلاحيات الملك لا يؤيدها في الواقع إلا نفر من جماعة الأخوان المسلمين ولا تحظى بأي مباركة شعبية ولا يمكن تسويقها في إطار الناس لان القصر الملكي ما زال في وجدان الأردنيين من شتى الأصول والمنابت {ملاذا} لإنصافهم عندما تتغول الحكومات أو أجهزة الأمن أو الشخصيات الجالسة في طبقات النفوذ. ليس سرا أنه لا يوجد غطاء شعبي اليوم لمطالب لها علاقة بتقليص صلاحيات الملك سواء تقدم بها الإسلاميون أو غيرهم.وليس سرا أن بعض قوى الحراك في الشارع لديها ملاحظات على طريقة السلطة التنفيذية في تولي تنفيذ الصلاحيات الملكية والأخطاء الفادحة التي مورست في هذا الإطار فمصلحة الأردنيين أن تبقى الصلاحيات بيد الملك بالتأكيد لكن مصلحة الأردن مستقبلا أن توضع آليات وبرامج رقابة دستورية على الدوائر التي تتولى تنفيذ الصلاحيات. المعنى لا يوجد أي نوع من الحماس للمساس بصلاحيات الملك في الشارع الأردني وبالتالي المقلق هو إستثمار دعوة نفر من المعارضة لتعديل هذه الصلاحيات لإستنساخ مخاوف الوطن البديل مجددا وتصوري أن الصديق الدغمي مدين بتوضيحات وشروحات للرأي العام حتى لا يقرأ أينا نظريته بطريقة منفردة قد تخرجها عن مضمونها الوطني المفترض.والأصل أن شخصية بحجم ومستوى الدغمي نعتبرها دوما خارج النادي التقليدي الذي إحترف تخويف النظام ومؤسسة الملك من مسألتين كلما إقتربت خطوات إصلاحية تنسجم في الواقع مع إنحيازات وإتجاهات وتطلعات الملك نفسه كما نقرأها ونفهمها .كلما إقتربت البلاد من إستحقاق {إصلاحي} مهم وفارق ذهب نفر من كبار السياسيين ليخيف القصر الملكي من أن الدولة سيرثها الأخوان المسلمون أو ستقع في يد الفلسطينيين إذا ما نضجت مشاريع الإصلاح السياسي.المعنى هنا واضح فهؤلاء يركبون هذه الموضة المتكررة ويمثلون الحرس القديم ويدافعون بالتالي عن مصالحهم الشخصية.شخصيا لا أعتبر الدغمي منهم ولم يسبق أن لاحظت أنه منهم، الأمر الذي ينتهي بالإلحاح على ضرورة صدور توضيحات تشرح لنا ما الذي كان بصورة محددة يقصده وهو يكرر إسطوانة الوطن البديل على هذا النحو.قصة الوطن البديل في سياق بعيد تماما عن سياق قصة التعديلات الدستورية ومطالبات الأخوان المسلمين ووضع الحراك والمشهد يوحي بأن بعض الدوائر في المؤسسة لا زالت مستعدة للمجازفة بإثارة قلق المجتمع وتخويف الناس والقيادة كلما إقتربت البلاد من إستحقاقات إصلاحية أو إنتخابية أو كلما برزت مؤشرات بين المواطنيين تعزز القناعة بان من يعبث بالوحدة الوطنية للأسف هم بعض المجازفين والمغامرين.لذلك كانت محاولة الربط غامضة وغير مفهومة وتحتاج لتدقيق فلا توجد علاقة مباشرة من أي نوع بين التفسير الذي إقترحه الأخ الدغمي لنظريته وبين سياقات الوطن البديل وأستطيع أن أطمئن الدغمي بأنه لن يجد أردنيا أو فلسطينيا واحدا يؤمن بالوطن البديل أو يقترحه أو يفكر به مع التذكير بأن من يفكرون بالوطن البديل هم بعض مجانين تل أبيب التي وقعت معها الدولة الأردنية إتفاقية سلام وتبادلت السفارات معها. لا نؤيد تعديل صلاحيات الملك ونختلف مع الأخوان المسلمين بالأمر لكن نوافق على دعم خيارات الملك الحالية بتغيير آلية تشكيل الحكومات ووقف تزوير الإنتخابات ووجود وزراء يتمتعون بالكفاءة وتم إختيارهم بسبب برنامج معلن مسبقا بعيداعن كل أنماط المحاصصات. من يسيء لصلاحيات الملك ولأحكام الدستور ويدفع بعض المتشددين في المعارضة وغيرها للمطالبة بسحبها او تقليصها هم نخبة من المغامرين في الإدارة العامة للدولة أصحاب الممارسات التي قلصت حضور مؤسسة النظام في وجدان الناس وساهمت في إنشاء ازمة المصداقية بين الحكم والناس.هؤلاء معروفون جيدا لجميع الأطراف وفكرة إستدعاء فرية الوطن البديل كلما دق الكوز بالجرة على حد تعبير المثل الشعبي وبمناسبة أو بدونها بحاجة لمراجعة سياسية شاملة ولشطب من كل أدبيات رموز الدولة ومؤسسات النظام. ليس فقط لان المسألة تتعلق بفرية وكذبة يستخدمها موتورون في الإعلام للحفاظ على مقعد على طاولة التأثير او تتعلق بإجتهادات تقال في الغرف المغلقة لوزراء يديرون إمبراطوريات إعلامية أو يفكرون على طريقة {السيستاني} ويأملون بالعودة لكراسي الوزارة على إعتبار أنهم فقط حماة الديار والنظام.ولكن لان هذه الإسطوانة المشروخة بدأت تسيء للنظام نفسه قبل اي طرف آخر فمن غير المعقول أن يكرس بعض رجال النظام الإنطباع بان دولة عمرها 90 عاما لا زالت تعتمد بين الحين والأخر على ألعاب خفيفة وبائسة مضمون رسالتها تخويف نصف شعبها من النصف الأخر ودوما.الخوف واجب من الوطن البديل لكن الأوجب التصدي له بالحفاظ على الجبهة الداخلية وإيقاف المغامرات وتحصين الوحدة الوطنية وإلغاء كل المجازفات التي تلهو بقصة التفريق بين المواطنين لأغراض أمنية صغيرة أو إنتهازية طارئة. نحسب أن صديقنا العزيز الدغمي لم يكن موفقا في تجديد إستخدام نظريته ونأمل أن يكون ذلك عرضيا ويسمح لنا بالإستماع لشروحات وتفسيرات تليق بهذا الملف الحيوي الذي ينبغي أن نلقيه في سلة المهملات عندما نتحدث به كأردنيين ونضعه على رأس الاولويات عندما يتعلق الأمر بفلسطين وتحريرها فإسرائيل لا زالت هي العدو وستبقى.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن