«سواد» لـ محمد بكري: صرخة ضد الاضطهاد والفقر الناجم عن الحروب

حجم الخط
0

الناصرة: «القدس العربي»: حاز فيلم «سواد» بطولة وإخراج الفنان الفلسطيني محمد بكري على الجائزة الأولى في مهرجان فينيسيا للأفلام القصيرة في إيطاليا. و»سواد» فيلم روائي يمتد على ثماني دقائق غير محدد المكان يروي مأساة أسرة غير معروفة القومية تكابد الفقر والحرمان حتى من الرغيف ويضطر ربها لأن يبيع طفلة من اطفاله كي ينقذ بقية أبنائه من غول الفقر.
يقوم محمد بكري بدور رب الأسرة بينما تقوم شقيقته فاطمة بدور زوجته رغم أنها لم تمثل يوما في حياتها وتظهر في الفيلم في لقطات عابرة دون أن تتحدث، أما بقية المشاركين في الفيلم فهم أطفال صغار وجوههم متجهمة مملوءة بالخوف وملامحهم تنطق رعبا. يبدأ الفيلم بمشهد بائس لهؤلاء الأطفال وهم يرتجفون وجوعى حول موقدة نار بدائية يلفهم الصمت وفي الخلفية أصوات بنادق رشاشة وصواريخ وقذائف. في الفيلم يظهر الأب المسكون بهموم تؤرقه مع ابنته الصغرى في سيارته القديمة بجانب جدار مرتفع وسط عتمة موحشة، وتقترب منهم سيارة مارسيدس فارهة. يخرج رجل من سيارة المارسيدس يترجل نحو المركبة الصغيرة لينظر في وجه الفتاة الجالسة قرب والدها السائق ويسلمه «رزمة نقود» مقابل الطفلة. الأب يتنبه أن المكافأة المالية تبلغ خمسة آلاف ليرة فقط بعكس الاتفاق المسبق والقاضي بتسليمه عشرة آلاف ليرة. المشتري يعقب وهو يمسك بيد الطفلة المرعوبة بالقول للأب بلقطة كوميدية- تراجيدية إن الاتفاق لم يتضمن «أسنان خربانين».
ويوضح بكري لـ»القدس العربي» أن الفيلم الروائي صرخة ضد الاضطهاد والفقر الناجم عن الحروب التي يستشعرها المشاهد في الخلفية حيث تسمع أصوات المدافع وأزيز الرصاص. ويلفت بكري أن فقر الكثير من الناس ليس قضاء وقدرا بل هو صنع أيدي البشر ونتيجة الاستغلال والحروب. ينتهي الفيلم القصير وقد علت الشاشة القول الساخر الموجع «إلى الأمة العربية» وضمن قائمة القيمين على إنتاج الفيلم كتب :»ساعد في إخراج الفيلم كل أهالي البعنة» والبعنة هي قرية المخرج الفنان محمد بكري في الجليل.
ويبدي بكري اعتزازه بالنجاح الكبير لفيلمه الفائز بأفضل فيلم في مهرجان البندقية للأفلام القصيرة، مشيرا إلى أن هيئة التحكيم قد اختارت «سواد» من بين تسعة أفلام من مختلف الدول الأوروبية. حول أجواء المهرجان، قال بكري، إن جمهورا كبيرا حضر من كافة المدن في إيطاليا لمشاهدة أعمال المهرجان، من ضمنهم ممثلون ومخرجون وعاملون في الحقل الفني. ولفت انتباهه حضور عضو في البرلمان عن الحزب الشيوعي الإيطالي. وأشار بكري أنه دعي إلى حفل تكريم له بمناسبة فوز فيلمه في إيطاليا، وفي مداخلته تحدّث عن مشاكل السينما الفلسطينية وما يواجهه السينمائيون الفلسطينيون من عوائق لرفع مستوى السينما والفن الفلسطيني بشكل عام.
وكان الفيلم بنسخته الأولى «يرموك» قد أثار موجة انتقادات وردود فعل غاضبة واعتبره بعض سكان مخيم اليرموك في سوريا تشويها لما يجري خاصة بما يتعلق بالموقف من فكرة بيع الطفلة لتأمين احتياجات الأسرة.
افتتح بمقدمة نصها: «جراء الأحداث الدامية التي اندلعت في سوريا منذ 2011 تشرد مئات الآلاف وعضهم الفقر والجوع». لكن المقدمة حذفت في نسخة «سواد»، وقال بكري: «وجدت أن حصر الذل والجوع والقهر بسوريا يظلم كل البلاد العربية التي تعاني الظلم».
 «سواد» وهو نموذج مدهش لتفوق الصمت على الكلام في التعبير ولقدرة ملامح الوجه على النطق بصمت، يحمل تغييرات جوهرية في فكرته وحذفت بعض مشاهده من نسخته الأولى.
كما تحوّلت فكرة بيع البنت من حقيقة قادت الأب لفعلها لإطعام أبنائه في فيلم «يرموك» إلى ما يشبه الكابوس الذي يستيقظ منه الأب مفزوعا ليجد ابنته جالسة بين أشقائها.
ويوضح بكري أنه حذف المقدمة كي يكون الفيلم عاما وليس خاصا، كما استبدل اسم «سواد» بـ»يرموك» كي لا يشير إلى مخيم اليرموك خاصة. كما حذف في النسخة الجديدة مشهد العربي الذي جاء لشراء الإبنة وميزه بارتداء الزي التقليدي، وقال بكري إنه فعل ذلك لأن «في الخليج اناسا أحرارا، والتجارة بالنساء ليست حصرا بهم». وقال بكري إن «سواد» ليس اعتذارا عن «يرموك»، مستعينا بنص الشاعر محمود درويش «لا تعتذر عما فعلت»، لكنه أكد تفهمه لجرح ومعاناة أهالي مخيم اليرموك، وقال «لو أنني مكانهم لجرحت واستنكرت أن يتهمني أحد ببيع ابنتي». وأثار الفيلم بنسخته الأولى جدلا بين المثقفين الفلسطينيين والعرب بين من يؤيده ويبدي إعجابه كالكاتب إبراهيم نصر الله وبين من انتقده كالمخرج نصري حجاج الذي كتب عن فيلم «يرموك» إن تصديره بتسمية ما يجري في سوريا بالأحداث الدامية هو وصف للواقع وليس الواقع فعلا». وأضاف أن «الفيلم حاول بلا وعي إنكار الحرب التي يشنها النظام في سوريا ضد شعبه، وكأن ما يجري في سوريا محض أحداث بالصدفة، وبالصدفة تصير دموية»، مشيرا إلى أن «مشكلة الفلسطينيين في اليرموك لم تكن الحصول على المال بل الحصار الذي منعهم من تأمين الطعام».
أما الكاتب الروائي إبراهيم نصر الله فكتب في صفحته في الفيسبوك»كنت أتمنى أن يظل النقد الموجه لفيلم «يرموك» لمحمد بكري في إطار النقد، أيا كانت قسوة هذا النقد أو موضوعيته، لكن المرعب في الأمر أن كثيرا من النقد الذي كتب تجاوز الفيلم ليصل إلى مستوى متهافت من الهجوم الشخصي، ووصف الفنان بصفات لا تليق بأن يطلقها أي كائن محترم على كائن بشري مثله.
فجأة نصبح على استعداد للقتل، حين نتناسى المسيرة الاستثنائية لبكري، فنتهمه في وطنيته، وفي توجهاته، وننسى أنه هو من أنتج وأخرج (جنين.. جنين) أفضل فيلم حتى الآن عن مذبحة جنين، بل عن المذابح التي تعرض لها الفلسطينيون، ننسى كيف حوكم، وكيف لوحق، ننسى فيلمه (خاص) و(حيفا) و(زهرة) وننسى (المتشائل) وبرنامجه التلفزيوني المستمر من سنوات للحفاظ على الذاكرة الفلسطينية بصورة واضحة لا لبس فيها. لا أشك لحظة أن محمد بكري أنتج فيلمه بسبب حرقته على ما يدور في اليرموك».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية