محمد الزباخ لنتخيل أن العالم الإسلامي صار كيانا واحدا، ثم قررت جهة ما تصوير فيلم سيء عن الرحمة المهداة للعالمين مثل الفيلم المقزز ‘براءة المسلمين’، إذن يمكـــن حينها أن تقع حرب كونية لا تبقي ولا تذر، وهنا تأتي ضرروة طرح السؤال التالي: ما العمل إذا تعارض السلام العالمي مع الحرية الفردية، أو بالأحرى مع تهور الحاقدين؟ إن الحرية حاجة إنسانية لا محيد عنها، لكن ليست للحرية صورة وحيدة مثلما أنه ليست هناك صورة وحيدة لقيم العدالة والحب والتعاون وغير ذلك، وأيضا لا يوجد في مملكة الإنسان شيء ليست له ضوابط تحكمه، بل هذا ليس موجودا حتى في مملكة الحيوان. وإذا كان الفيلسوف الألماني كانط قد قال بأن الحدوس الحسية بدون قوالب عقلية حدوس عمياء، والقوالب العقلية بدون حدوس حسية قوالب جوفاء، فإنا نقول بأن الحرية الفردية بدون التزام جماعي حرية مؤذية، والالتزام الجماعي بدون حرية فردية التزام استعبادي، إذن لا بد أن يتنازل كل فرد عن جزء من حريته لتحقيق المنافع المترتبة عن الاجتماع الإنساني، وفي مقدمتها منفعتا التعايش السلمي والتعاون المدني.إن قيمة الحرية هي بلا شك قيمة إنسانية، لكن مفهومها الكوني الراهن مستمد من تجربة الحضارة الغربية، وهي تجربة تداخل فيها تاريخيا السياسي العسكري مع الديني الفلسفي، وصارت تتطور إلى أن تبلورت في صورتها الحالية، وهي صورة تبدو في الظاهر مطلقة من كل قيد، والحق أنها ليست كذلك في كل شيء، فعند التأمل نلفاها خاضعة لقيود اضطرارية مثل الزمان والمكان والوراثة، وهي قيود تحدد إطار الحرية ومحورها ومنسوبها، ونلفاها أيضا خاضعة لقيود اختيارية ممثلة في ضابط فلسفي ذي مرجعية أخلاقية، وهو عدم إذاية الغير، ولذلك قيل: حريتك تنتهي حين تبدأ حرية الآخر، وهذا الضابط في معناه الكلي صحيح بلا شك، لكن تأويله التفصيلي وتنزيله العملي أمران يكشفان عن تهافت الخطاب الغربي بصفة مخجلة، وإلا كيف نفسر السماح لأي كان بإنكار كل وقائع التاريخ إلا واقعة وحيدة هي ‘الهولوكوست’، وكيف نفسر السماح بإهانة العقائد المقدسة في مقابل الرفض القاطع لانتقاد الشواذ جنسيا؟.إذن لا بد للحرية بكافة أنواعها من ضوابط ذات معقولية نفعية، ولن نتحدث هنا عن الضوابط الذاتية ممثلة في التحلي بالعلم والتخلي عن الهوى، وإنما عن الضوابط الموضوعية التي يمكن إجمالها في ضابطين رئيسيين هما:1 – عدم إذاية الذات : أي أن تتدخل الجماعة لمنع الفرد من إذاية نفسه، وهذا المعنى غير وارد في التصور الليبرالي للحرية إلا نادرا، أما العلماء المسلمون فقد أفردوا له مبحثا خاصا في أصول الفقه هو مبحث الأهلية التكليفية، وذلك من منطلق أن أصول الأخلاق كونية ابتداء لانبناءها على نوازع الخير الفطرية في النفس الإنسانية من جهة، ولتوقف السعادة الفردية والجماعية عليها من جهة أخرى، وهذا على خلاف مقولات الفلسفة السوفسطائية العنادية أو العندية أو النسبوية (من أعلامها كارل بوبر الذي يرى في ‘أسطورة الإطار’ أن الأخلاق نسبية في كل شيء تبعا لمرجعياتها الأنتربولوجية). وانطلاقا من هذا الأساس الأكسيولوجي قالوا بأن لا تكليف إلا بتمام العقل وتمام الحرية، وقسموا لأجل ذلك الأهلية التكليفية إلى قسمين؛ أولهما الأهلية الوجوبية؛ أي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وقالوا بأنها تنقسم إلى أهلية وجوبية كاملة، وأخرى ناقصة (وهي إذا صلح للإنسان أن تثبت له حقوق ولا تجب عليه واجبات مثل الجنين في بطن أمه، أو إذا صلح أن تثبت له عليه واجبات ولا تجب له حقوق مثل الميت). وثانيهما الأهلية الأدائية أي صلاحية المكلف لأن تعتبر شرعا أقواله وأفعاله، وهي أيضا تنقسم إلى أهلية أدائية كاملة، وأخرى ناقصة بسبب عوارض تزيلها مثل الجنون والنوم والإغماء، أو عوارض تنقصها مثل العنة، أو عوارض لا تزيلها ولا تنقصها، وإنما تغير بعض أحكامها لاعتبارات ومصالح مثل السفه والغفلة والدين.واطلاقا من هذا التأصيل العبقري لضابط عدم اذاية الذات يمكن ان ندرج ضمنه كل حالة يجمع ‘العقلاء’على قبحها من الناحيةالأخلاقية فيما يتعلق بإذاية الفرد لذاته ، وفي مقدمة ذلك ظاهرتا الانتحار وتعاطي المخدرات. 2- عدم إذاية الغير: كثيرة هي الآراء الدينية والفلسفية التي لا تقر هذا الضابط كليا أو جزئيا، فمثلا نجد التلمود اليهودي يؤكد أن اليهود هم شعب الله المختار، وكل من سواهم مجرد أغيار لا قيمة لهم، وبالتالي يجوز استحمارهم بدون أي شفقة، ونفس الأمر نجده عند غلاة الشيعة بما في ذلك بعض الإمامية، وذلك في علاقتهم بمن يصفونهم بالنواصب. أما الفيلسوف نيتشه، فإنه قال بأن المنطق الحق هو منطق الطبيعة، وهو يستلزم خضوع الضعفاء لأهواء الأقوياء. ولأجل تجاوز هذه الآراء الشاذة وغير الإنسانية، تبلورت في الوعي الإنساني فكرة حقوق الإنسان، والتي تؤكد على الحرية بمقدار تأكيدها على عدم إذاية الغير. ويمكن على العموم تقسيم ضابط أذى الغير إلى قسمين فرعيين هما:أ- رفع الأذى الخاص: أي عدم السماح بالحرية التي تسبب أذى لفرد ما أو جملة أفراد. ويأخذ هذا الأذى صور عديدة، أبرزها الأذى الجسدي من قبيل القتل والاغتصاب، والأذى القولي من قبيل السب والاستهزاء، والأذى المالي من قبيل السرقة والتطفيف في الميزان، و هكذا دواليك.ب- رفع الأذى العام: أي عدم السماح بالحرية التي تسبب أذى للمجتمع ككل. وإذا كان رفع الأذى العام المادي محل اتفاق جميع العقلاء، وذلك من قبيل تجريم حرق الغابات ورمي الأزبال في غير محلها، فإن الصور الأخرى لرفع الأذى العام من حيث التطبيق مشروط بالإطار المرجعي لكل أمة على حدة، أي أنه شيء نسبي من حيث مفهومه وما صدقه، ويمكن التدليل على ذلك بتسليط الضوء على نوعين من رفع الأذى العام هما: – رفع الأذى المالي: يتحفنا الفكر الإنساني بجملة من الأنظمة الاقتصادية المتباينة في كيفية التعامل مع الملكية الفردية وما يترتب عنها من تفاوت طبقي، ويمكن الآن على العموم حصرها في ثلاث أنظمة كبرى. النظام الأول هو النظام الرأسمالي الذي يوسع نطاق الملكية الفردية على حساب الملكية الجماعية، وبالتالي يتسبب في شدة التفاوت الطبقي رغم اتخاذه لجملة من الإجراءات التخفيفية أبرزها وضع حد أدنى للأجور، وتكفل الدولة المجاني بتلبية بعض الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم. والنظام الثاني هو النظام الاشتراكي الذي يوسع نطاق الملكية الجماعية على حساب الملكية الفردية، وهذا شيء يؤدي إلى مقدار ما من المساواة في مستوى العيش العام، لكنه يؤدي أيضا إلى حرمان الفرد من حق التملك، وبالتالي حمله على الغش وقلة الإنتاج. والنظام الثالث هو النظام الإسلامي الذي يحدث نوعا من التوازن بين الملكية الفردية والملكية الجماعية، وبالتالي يسلم من آفات النظامين الرأسمالي والاشتراكي، ويغنم مزاياهما.- رفع الأذى السلوكي، نلاحظ أن الفلسفة الليبرالية تهمله أشد ما يكون الإهمال، بل ربما جعلت الأذى العام السلوكي هو عين الحرية الفردية. ويمكن توضيح ذلك من خلال نوعين من الحرية هما حرية التعبير والحرية الجنسية.بالنسبة حرية التعبير، فليس هناك ريب في أن عماد التقدم الحضاري والسعادة النفسية هو حرية التعبير التي جاهد الأنبياء والإصلاحيون لإعمالها أبد الآبدين، لكن لا بد من التمييز هنا بين حرية التعبير الفكري وحرية التعبير الفني؛ فالأولى إنما تتوسل بالحجاج المنطقي في مستوياته الاستنباطية والاستقرائية والاستردادية، وبالتالي فهي كونية من حيث أن كل إنسان له الحق في إثبات أو نفي شتى المقولات الوجودية أو المعرفية أو الأخلاقية، والبقاء في نهاية المطاف للأصلح، لكن من غير تضليل أو تحريض يتسبب في ضرر عام أو خاص، ومن ذلك الأخبار الصحفية الكاذبة. أما الثانية فتعبر عن ماهية الإنسان وهويته بأسلوب جميل يغلب عليه التأثير العاطفي والنزوع الخيالي، ويمكن أن نميز هنا بين الفن الواقعي الذي يصور الواقع الحاضر أو الماضي (التاريخ) من غير إطلاق أحكام قيمة، وضابطه أن تكون أرضيته المعرفية أرضية علمية بكل ما تعنيه كلمة العلم من معنى، وخاصة إذا كان الواقع المعالج واقعا إشكاليا. والفن الثاني هو الفن الإيديولوجي الذي يتضمن أحكاما معيارية، وشرطه القانوني أن يعبر عن الذات الجماعية وفق سقف ترسمه الجهات القانونية الشرعية، ومن ذلك توظيف الفن لمحاربة الجريمة والغش والتمييز العنصري واستغلال الأطفال وتزوير الانتخابات وغير ذلك من القضايا التي يقبل الضمير الجمعي إخضاعها للنقد. أما الحكم الفني على الآخر فيجوز إذا كان حكما إيجابيا. ولأن وظيفة الفن وظيفة تعبيرية وليست وظيفة دعائية، فمن حق أي دولة مصادرة أي عمل فني يحمل في طياته أغراضا تبشيرية، ومن حقها أيضا منع أي جهة تستغل فقر أو مرض أو جهل بعض المواطنين لحملهم على تغيير عقائدهم، وفي المقابل ينبغي على البشرية جمعاء أن تكرس السلوك التناظري المنضبط والعلني بين أهل الملل والنحل المختلفة، ولن يقدر أحد حينها على إكراه الناس على عقيدة بعينها، وللأسف الشديد، فإن التناظر العقائدي هامشي في حياة البشرية الآن، وقد كان في العصر العباسي شيئا مألوفا في الميادين المختلفة، ومن بينها بلاط الخلفاء، ولم يكن دخول جماهير الثنوية والسمنية إلى الإسلام إلا من خلال ذلك. وبممارسة النقد على فيلم ‘براءة المسلمين’، نجده واقعا في آفات كثيرة، من بينها أنه صور تصويرا تشويهيا تفاصيل الحياة الزوجية الخاصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فعل مشين لا يجوز أن يرمى به أي فرد سواء كان حيا أو ميتا، وسواء كان هذا التشويه قائم على أخبار صادقة أو كاذبة، فكيف أن يرمى به رجل يشهد له عقلاء الغرب قبل الشرق بالعبقرية وسمو الأخلاق. ومن بينها أيضا أنه يستند من جهة إلى التخييل اللانصي أو إلى نصوص هي في مجملها ضعيفة أو موضوعة، ومن شدة الحقد الذي فيه يتجاهل تماما النصوص الصحيحة المتواترة التي تكشف عن فضائل الدين الإسلامي وخصال الكمال المحمدي، ومن ذلك عظمة الزواج المحمدي وعظمة الجهاد الإسلامي. بالنسبة للحرية الجنسية أي السماح بالتبرج الفاضح أو السماح بممارسة الجنس بين ذكر وأنثى خارج نطاقه الأخلاقي الذي هو الزواج، فإنه يمكن القول بأن ذلك يفضي إلى أذى خاص وأذى عام ويتمثل الأذى الخاص في فعل الإثارة الذي يتولد لدى الفرد عند تلقيه الاضطراري في الشارع العام لمشاهد جنسية مباشرة أو غير مباشرة، حيث يمكن أن يتسبب له ذلك في وقوع الصراع في نفسه بين مبادئه وغرائزه، وهو صراع له آثاره السلبية نفسيا وبدنيا. ويتمثل الأذى العام في جملة من الظواهر السلبية، أبرزها: انتشار الأمراض الجنسية، الإجهاض (= القتل)، الأطفال اللقطاء، التفكك الأسري، العنوسة، الخيانة الزوجية … إلخ.إن الحضارة الغربية حضارة رائدة من الناحية المادية وفي تدبير الشأن العام، لكنها مفلسة إفلاسا عظيما في الميدان الأخلاقي، وإن أي تحليل فلسفي عميق يكشف أن أساس التعاقد الاجتماعي فيها هو موازين القوى بين الأفراد والجماعات، ولذلك تأتي القيم والقوانين معبرة عن هذه الموازين، ومن ذلك قيمة الحرية وقوانينها المتعددة، وهذا ما يفسر مصادرة الحرية أحيانا في الدول التي لليهود أو الشواذ نفوذ فيها باسم معاداة السامية وباسم حماية الأقليات. ولذلك من حقنا التأكيد على أفضلية التصور الإسلامي للحرية على نظيره الغربي، ومن حقنا الدعوة إليه بمعناه الواسع، ذلك أن هناك حرية عظيمة القدر جدا لا ينتبه إليها كثيرون، وهي حرية الباطن ممثلة التخلص من مهلكات النفس وقيودها مثل الكبر والشهوة والغضب والكسل والجهل.’ كاتب من المغرب