ديفيد كامرون في صحبة رفيق عبد السلام!

حجم الخط
0

مالك التريكييتميز معظم الساسة البريطانيين بمتانة التكوين الفكري والسياسي. ينشطون في أحزابهم منذ حداثة سنهم، ويتوجهون أثناء الدراسة الجامعية إلى اختصاصات كفيلة بتهيئتهم لخوض الحياة السياسية. وقد كان الاختصاص السائد حتى زمن قريب هو ما يعرف بـ’بي بي إي’. أي الفلسفة والعلوم السياسية والاقتصادية. كما يمتاز كثير من الساسة البريطانيين بحضور البديهة علاوة على روح النكتة. يتناظرون في مجلس العموم ببراعة ويتبارزون بدقة في التسديد. يتواجهون ويتجادلون في جد بالغ سرعان ما تتخلله قدرة فائقة على اقتناص سوانح السخرية المحببة والفكاهة المرطبة للأجواء. وإذا كان سيىء الذكر توني بلير (الذي حق لدزموند توتو أن ينادي بمحاكمته على ما اقترفه من جرائم الحرب) مثالا شهيرا على الفصاحة وثبات الجنان في أحرج المواقف السياسية وفي أصعب المبارزات البرلمانية، فإن رئيس الوزراء الحالي ديفيد كامرون لا يقل عنه دقة بيان وذرابة لسان. بل إن كامرون هو، في رأيي، أقدر وأبرع. ثقة بالغة بالذات نابعة من المعرفة بقدراتها ومهاراتها. واعتداد بـ’الأصل والفصل’ على نحو ما يتقن المنعمون ممن توارثوا رغد العيش جيلا بعد جيل. واعتزاز بالمسار الشخصي والخيار السياسي اعتزازا طاغيا يقارب الغرور، إلا أنه لا يبعد أن يكون من تجليات الثقة. ثقة من آمن منذ الصغر بأن مصيره المجد والسؤدد وأنه بهما حقيق.وكان كامرون قد درس في مدرسة إيتون ثم في جامعة أكسفورد، أي في أعرق المؤسسات التعليمية في هذا البلد ذي الهوس بالتقاليد والسنن وذي الوعي المفرط بعلامات التمايز الطبقي. لهذا لم يكن من المتوقع أبدا أن يسقط سليل النخبة المعتّقة هذا في امتحان التلفزيون الأمريكي… السطحي. ولكن كامرون سقط!قال له مقدم برنامج السهرة الجماهيري ديفيد لترمان ‘هل ترى بأسا في أن أطرح عليك بعض الأسئلة الأمريكية الغبية؟!’. ثم سأله عن ملحن نشيد الإمبراطورية البريطانية ‘فلتبسطي سلطانك يا بريطانيا’، فأخطأ كامرون الجواب. وسأله عن تاريخ وثيقة الحقوق الأساسية ‘الماغنا كارتا’ والغاية منها فكانت إجابته صحيحة، ولكنه لم يعرف الجواب عندما سئل عن المعنى الحرفي لهذه العبارة اللاتينية (الميثاق الكبير أو الموثق الغليظ). ولا يخفى أن ‘أسئلة المواطنة’ هذه هي من جنس ما يطرح في الامتحانات التي صار لزاما أن ينجح فيها كل راغب في نيل الجنسية البريطانية.إلا أن اللافت أن هذا الموقف المحرج (وربما المهين بعض الشيء) لم يفتّ في عضد كامرون ولم يؤد به إلى التلعثم والتعثر وفقد الزمام. بل إنه مازح المذيع قائلا: ‘لقد كشفت أمري. يا لسوء الموقف! إني قضيت على مستقبلي السياسي في برنامجك الليلة’. وعندما سألته الصحافة عن أدائه هذا، أعرب عن الأسف، لا سيما أنه ‘مهووس بالتاريخ’، وتعهد ببذل مزيد من الجهد لتعزيز معارفه في هذا المجال عندما يعود لبريطانيا ويساعد أطفاله في إعداد فروضهم المدرسية كل مساء.وسعيا لتهوين الأمر، قال مكتب داوننغ ستريت إن ملحن النشيد، توماس آرن، موسيقي مغمور نسبيا. إلا أن أحد أفراد حاشية كامرون ممن رافقوه إلى محطة التلفزيون في نيويورك قد نطق بالجواب على الفور. أما أصوب تعليق فقد كان قول أحد ساسة حزب المحافظين إن من السهل تفهم عدم معرفة كامرون لاسم الملحن ‘ولكن ينبغي القول إني فوجئت بعض الشيء بعدم قدرته، هو الذي تعلم في إيتون، على ترجمة ماغنا كارتا من اللاتينية إلى الإنكليزية’.للتونسيين قصة مماثلة مع وزير الخارجية السيد رفيق عبد السلام. فقد أدلى قبل أشهر بتصريحات تضمنت معلومات غير صحيحة، مرة عن مساحة تونس وأخرى عن عاصمة تركيا. فسارع كثير من الأقوام الفايسبوكيين إلى اتخاذ السيد عبد السلام موضوعا للتندر، ظنا منهم أنه محدود التكوين والاطلاع. إلا أن هذا انطباع خاطىء كل الخطأ. فكل من عرف الرجل، أو قرأ له، يعرف أنه مثقف ونابه. ومع ذلك فإن خيبة الأمل من أداء حكومة النهضة برمتها لم تزد هذا الخطأ إلا ترسخا وانتشارا. ذلك أن تسمم المناخ السياسي في تونس، بسبب إصرار الحكومة على المضي في خذلان كل من توسم فيها بادىء الأمر خيرا، قد بلغ حدا انتفى معه أي إمكان للموضوعية والإنصاف.وقديما قيل: ‘نصف الناس أعداء لمن ملك السلطان، هذا إن عدل!’ فما بالك إذا لم يعدل… ولو انتقاليا!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية