عبدالرزاق المصباحيإن القول بأن النقد – كما هو الحَدُّ الدارج – خطاب لوغوسي قياسا إلى الخطاب التخييلي ممثلا في الأدب، وانه مشروع عقلاني صرف له قواعده الصارمة وحدوده الكامنة وإوالياته الدقيقة، التي تستسعفه في الحكم على العمل الإبداعي والتموضع في مرتبة أعلى قمينة بجعله خطابا موجها. يعيدنا بقوة إلى متصور ويليام ووردز وورث (1770 1850) أحد أعظم صناع التخييل الشعري في العصر الفيكتوري حين نعت الناقد بالأديب الفاشل، الموجه سهامه أبدا إلى المبدعين الناجحين، انتصارا لعجزه المزمن عن دخول مملكة الأدب، وعلى الرغم مما يفهم – على وجه التصريح- من تعريض بالنقاد وتبخيس لاشتغالهم الأوكد استنادا إلى أن ادعاء النقد العلميةَ، التي تخوله تقويم الإبداع – والتموضع بالتالي كخطاب متعال- لا يحوز أي شرعية هو الذي جعل شاعرا وناقدا إنجليزيا آخر هو ماثيو أرنولد (1822- 1888)، يكتب كتابه (فصول في النقد) سنة 1865، معليا من شأن القوة الناقدة، التي يراها خلافا، لووردز وورث مشبعة للنزعة الإبداعية لدى البشر، تماما كما تفعل القوة الخالقة، التي يعدها أسمى وظائف الإنسان والأرفع منزلة . وهي الإلماحة التي فهم منها أن النقد يمكن أن يحوز في بنيته جانبا من الإبداعية، التي تجعله يحقق اللذاذة الاستهلاكية التي هي من مياسم الإبداع الأدبي التليدة، لينتقل النقد من مجرد طابع خدمي، يفسر النصوص، أو يقيمها، أو يؤول ما اكتنزته، ليحقق قطيعة قصوى مع جاك ديريدا، وهو ما يؤكده ناقد كجيفري هارتمان، إذ يرى أنه (أي ديريدا) ‘استطاع أن يضع النقد داخل دائرة الإبداع، ويجعل الكتابة الثانوية (أي الكتابة النقدية) أولية ‘أي إنها تحقق استقلالها وتثير الانتباه إلى بنيتها (الإبداعية) المائزة. ويبدو هذا التقديم ضروريا للاقتراب من الفاعلية النقدية عند النقاد العرب، بخاصة أولئك الذي انشغلوا بتحقيق تفاعل مرن مع المرجعيات النقدية الغربية، وارتقوا بالممارسة النقدية، بغاية التأصيل لإجراء نقدي منفتح، ومرن، ويحوز من الحصافة والدقة ما لا يخرجه كلاَّ من عقلانيته الأكيدة، ويكفي أن نستحضر أسماء مثل عبدالله الغذامي، والطاهر لبيب، وعبدالفتاح كليطو … ممن استطاعوا أن يربحوا هذا الرهان، ولعل الناقد والمترجم المغربي بنعيسى بوحمالة من هذه الزمرة المجددة، التي قربت للقارئ العربي عبر ترجماته لكبار النقاد العالميين ـ المناهج النقدية الغربية، وهو المنجز الذي تكرس إجرائيا في دراساته النقدية المتفرقة، وفي كتابيه العميقين (النزعة الزنجية في الشعر السوداني المعاصر: محمد الفيتوري نموذجا )2004 و (أيتام سومر.. في شعرية حسب الشيخ جعفر : في جزأين ) 2009، الذي نتخذه مثالا على النقد الذي تنغرس في ثناياه روح الشعر، وهي الروح التي استوطنت الناقد بنعيسى بوحمالة في حمأة شبابه حين كان ينشر نصوصه الشعرية بجريدة ‘العلم ‘ المغربية، فضلا عن ترجماته لشعراء عالميين كبول سيلان و إيف بونفوا وسيرج بّي و جيرمان دروغنبرودت و دوناتّيلا بيزوتي و لانا ديركاك وجوراس كونياك … إضافة إلى كتاباته النقدية المواكبة للقصيدة العربية سواء كانت من إبداع كبار الشعراء العرب أم الشباب منهم. إذن فانشغال بوحمالة هو الشعر بامتياز من حيث كونه الموضوع الأساس في انشغاله الأكاديمي، منصتا إلى نبضه ومستشكفا فاعليته الرؤياوية وأشكاله الفنية المائزة، بلغة تمتح من المعين ذاته، وممتلكة القدر نفسه من البنية الاستتيقية التي تؤهلها لتكون لغةً تضارع لغة الشعر بكامل متعتها وأبهتها.1 ـ شعرية العتبات : المتعة – المتساوقة مع الإفادة – ليست غاية طارئة عند الدكتور بنعيسى بوحمالة؛ بل هي القصدية/ الإطار التي تخترق كافة كتاباته لتصير عنصرا بنيويا راسخا وتقليدا ثابتا تشكل هوية اللغة البوحمالية (نسبة إلى بوحمالة)، يقول مجسدا هذا القصد في تصديره الذي يسميه (أما قبل) : (وأملي أن أوفق إلى هذا متيحا للقارئ أن يجد في ثناياه من الفائدة مقدار ما يجده من المتعة) ، ونحن نرى هنا كيف يوازي القصد بين الإمتاع وبين الإفادة، وهي في العمق دعوة إلى تبني العمل بوصفه عملا ممتلكا لكثير من خصائص العمل الإبداعي، فالإبداع ينتج المعرفة التي تنجم عنه الإفادة، ويمسرحها بأن يجعلها غير مباشرة حين يدثرها بالصور والانزياحات القوية، التي تصنع المفارقة المحدثة للأثر الجمالي تحقيقا للمتعة. ولا تخلو لغة بنعيسى بوحمالة من خاصية الانزياح هذه، ولعل إصراره على استعمال عبارته الأثيرة (أما قبل) لمما يؤكد هذا المعطى، في قلب واضح للمواضعات الآمنة، التي يطمئن لها الكل، والتي ترمز لها العبارة المسكوكة (أما بعد) المحيلة على برتوكول لغوي – إن شئنا- هو جزء مكين من أساسيات أدب الترسل والخطابة. والما بَعْد دائما واضح، مختزل، مباشر، مكتمل، خاضع لقواعد صارمة، ولتراتبية تحترم، وهي أيضا فصل الخطاب (تفصل ما سبق عن الآتي)؛ أما الما قبل، فطفولي يحيل على البدايات، يستشرف المستقبل، غير منته، وغير متوقعة آفاقه الكبرى، هو الأصل القابل للحياة بأكثر من إمكانية للتشكيل، وهو فوق ذلك متشح بالغموض، الذي يستدعي أكثر من قراءة، وهو الغموض الذي يحرك الطاقة التأويلية لمن يحاول أن يقدم مقتربا بصدده، ولكأننا ببوحمالة ينزع نحو هذا العوالم المبهرة، بانزياحاتها، متماهيا مع حركيتها الآسرة التي تمتع. وهي متعة مضاعفة حين يواجه القارئ عنوانا مختلفا كأيتام سومر، يحوز- ضمن أولى آفاق التلقي- من الوظيفة الشعرية والإشهارية أكثر مما يمكن أن يحيل عليه مرجعيا، ولعل الظن قد يذهب سريعا بالقارئ إلى أن الأمر يتعلق بديوان شعري حافل بأبعاد رؤياوية تؤشر عليها لفظة اليتم، ثم سومر، مستنفرا طاقته التأويلية، التي قد تقوده – مثلا – إلى جلجامش الملك السومري، سادس الملوك من سلالة الوركاء الأولى أو مدينة أور: آخر مملكة سومرية حاقها الدمار المعلن (بكسر اللام) عن موت أهم المدنيات البشرية (ص 16)، وتجعله منخرطا حد الاستلاب في هذه العوالم الباذخة، لينجرّ معها – بأثر من لذة تلك العوالم إلى عشتار (إنانا) وتموز (دموزي) أورفيوس ونرسيس، أوديب، جوكست … وإذ قد يستبد الظن بالقارئ – إذ ذاك- أنه قد ضل طريقه بسبب من إشارة مخاتلة حفزها لاوعيه الجمعي، فإنه سيلفى نفسه حقا ضمن اللجة نفسها التي يقترح الكتاب تفكيكها بمقدار ما لها من سحر. وحدها نظرة على الصفحة الرابعة للغلاف ستنبهه إلى أن أيتام سومر هو (الوصف الأوفى تشخيصا لهوية جيل الستينات في الشعر العراقي المعاصر. ولعله يتم مركب في حالة شعرائه: يتمهم في سومر، مسقط رأسهم الحضاري العريق، ويتمهم في بدر شاكر السياب، أبيهم الرمزي ورأس الحربة في شعرية الريادة، هم الذين لم يتورعوا عن الفتك بمنجزه، وضمنيا بكامل تراث الريادة، وإزاحته، بالتالي، من طريقهم الشاقة نحو الحرية… صوب القصيدة.)، وأن الشاعر العراقي ضمن جيل الستينات حسب الشيخ جعفر صاحب القصيدة المدوخة (نخلة الله ) هو النموذج الذي اختاره بنعيسى بوحمالة بوصفه الأكفأ تمثيلا للانقطاع عن شعرية الريادة، والتجربة الأعمق في فاعليتها الرؤياوية. ولعله من الضروري أن نقف عند الإهداء الذي خصه الكتاب لزوج الدكتور بنعيسى بوحمالة الأستاذة فاطمة، لنقف على ما سميناه روح الشعر التي تسكن جوهر كتابات بوحمالة (إلى فاطمة … لعلها سفرتنا المضنية الشائقة، ثلاثتنا … أورفيوس … حسب الشيخ جعفر … وأنا في أرومتك الهلالية الباذخة)، وإنه لمن الغريب حقا الوقوف على عتبة الإهداء، بوصفها مدخلا، لتقديم كتاب نقدي، إذ غالبا ما يرتبط ذلك بالكتابة الإبداعية الخالصة، لكنه وقوف له أهميته القصوى، إن استحضرنا عامل المتعة – التي هي من صميم وظائف الشعر- التي وسم بها رحلة الكتاب المقرونة بالتعب اللذيذ، وبين ذكر أورفيوس، الذي يحيل على الرؤيا الأورفية الأطروحة التي يدافع عنها الكتاب- بوصفها رؤيا قطعت مع هيمنة الرؤيا التموزية التي دانت بها شعرية الريادة والدليل الأكبر عن القطيعة عنها، قبل أن تسلك القصيدة الطريق نحو انعتاقها الأكيد مع جيل الستينات. ثم حسب الشيخ جعفر الممثل الأوكد للرؤيا الأورفية وللتجديد الشعري لجيل الستينات. ولكأنه مكر جميل أن يخلق هذا الإهداء تطابقا يلمح إلى أن تأثير السيدة فاطمة في السفر الأسطوري لكتاب أيتام سومر، هو نفسه تأثير السيدة العراقية التي دوخت حسب الشيخ جعفر حين يلمحها في احد محلات بيع الأحذية ليخلدها في ديوانه (زيارة السيدة السومرية 1974) عائدا بها إلى الزمن السومري الهائل (ص8) أو التأثير الذي مارسته حبيبة الشاعر فريديرتش هولدرلين سوزيت غونتارد حين يعود بها إلى الزمن الإغريقي. 2 ـ التطويع المنهجي ورهان العلمية: التشبع بروح الشعر، واستثمار قيمته الاستتيقية الماتعة، لم يكن ليخرج الكتاب عن تصنيفه ضمن خانة الدراسة النقدية، بقدر ما أضفى عليه بعده الجميل، وإلا فإن بوحمالة يؤمن- مع رينيه ويليك في كتابه مفاهيم نقدية – بأن (أفضل ما نعمله وأصدقه هو أن نحاول جعل أحكامنا تتحلى بأعلى قدر ممكن من الموضوعية (…) أن نعزل موضوع البحث، الذي هو في حالتنا العمل الأدبي، وأن نتأمله عن كثب، وأن نحلله ونفسره، ونقومه في نهاية الأمر بموجب معايير موثقة ومدعمة بأوسع قدر من المعرفة، وأكبر قدر ممكن من الملاحظة الممحصة، ومن الحساسية المرهفة …) ص 20، وهي خطوات منهجية ضرورية تسعف في تكريس لوغوسية الخطاب النقدي، وتسيج مقصده الأساس. ولعله المسعى الذي جعل بوحمالة يستعين بنظرية الداليّة عند الناقد الأمريكي ميكاييل ريفاتير، وهي النظرية التي تناسب المهام التحليلية التي يعتزم الكتاب أجرأتها، والداليّة تسعف في الانطلاق من النويات الشكلية، والدلالية، ثم تتبع انتقالها إلى أطوار أسلوبية، انفجارية، امتدادية، فضلا عن أنها لا تتخلى عن واحدية الهيكل الشعري (ص 14)، الذي يتم تفكيكه إلى مستوياته الأولية، والبحث عن ‘تعالقاته الظاهرة والمضمرة، وتآزراتها الوظيفية في نسيج الكلية النصية، على أن ينصب التفكيك وإعادة التركيب على الغاية الأساسية من تحليل أي نص أدبي ألا وهي الظفر بمعناه الجوهري’ (ص59)، وإذن فبوحمالة هنا يسثتمر إجراءا بنيونيا خالصا بغية تفكيك البناء الشكلي، لكنه يصر على جعله معطى دلاليا يحيل على المعنى، لذا ينبه إلى أن الشكل الشعري، ومنه نرى اشتغاله ضمن فصول الجزء الأول من الكتاب – مثلا- على الدوال في امتداداتها التدليلية (الدال اللغوي، الدال التركيبي، الدال الإيقاعي، الدال المكاني، الدال المجازي- الرمزي…)، والشكل الشعري ليس نزوة جمالية أو ترفا يقترفه الشاعر بل إنه ‘ممارسة أسلوبية دالة على نسق إبداعي واختيار فكري، مثلما هي تموقف من المجتمع والأيديولوجيا والتاريخ…'(ص 61). وإنها لنظرة وجيهة، واسعا، فيكفي أن نرى أن أكثر القطائع جذرية في الشعرية العربية كانت ثورة شكلية: وأهمها تقويض نازك الملائكة وبدر شاكر السياب لسيمترية القصيدة الكلاسية مجسدة في البيت الشعري إلى حرية السطر الشعري وحيويته، ومنها كانت القطيعة مع شعرية الريادة مضمونية بالأساس تهم التغيير في الرؤيا واكبتها جماليات شكلية، لذا يربط بوحمالة – كما هو شأن وارين وويليك في كتباهما المؤسس لنظرية الأدب الحديثة (نظرية الأدب)- أن البنية مفهوم يشمل كلا من المضمون والشكل بقدر ما ينظمان لأغراض جمالية (ص61). ولأن مقاربة النص واستكناه قصديته وبالتالي مضمونه – وخارج الاشتراط التناصي الذي هو مقوم جمالي أكيد في القصيدة الحداثية يفرض أن تتعدد الإواليات الموظفة والمستعارة من مناهج أخرى، فإن بوحمالة لا يجد حرجا في الاستفادة من الدراسات اللسانية، والسيميائية، وتلك التي تخص علم الجمال، منبها إلى أن الأمر لا يتعلق بتعددية منهجية بل’بأخلاقية تحليلية، مرنة، انفتاحية، بموجبها ستغذو الدالية وعاء منهجيا مغتنيا’ (ص18). ومما سبق يتبدى الحرص الذي يبديه بنعيسى بوحمالة في مسألة التدقيق في طبيعة المنهج الذي يستسعفه، واحترازه واحتراسه الشديدان في استدماج النسق المفهومي لمناهج أخرى ضمن بوتقة نظرية الدالية الأسلوبية من دون أن يحدث ذلك ضررا أثناء الإجراء النقدي، بقدر ما يزيد من إضاءة متن الدراسة المعقد – عمقيا- والممتد – حسابيا – إلى ستين قصيدة تضم دواوين (نخلة الله 1969)، (الطائر الخشبي 1972)، (زيارة السيدة السومرية 1974)، (عبر الحائط في المرآة 1977) و(في مثل حنو الزوبعة 1988). فضلا عن (ملحمة جلجامش) و مسرحية (رثاء أور).3 ـ إغراء القطيعة ونبل الشعر يختبر كتاب أيتام سومر فرضية أساسا مفادها ‘أن هناك عمرا افتراضيا للمجموعات والظواهر في الإبداع الأدبي، على غرار الأعمار الافتراضية لأجيال الآلات والمصطنعات والبشر، وهي عملية تتم في مجال الشعر كل عشر سنوات’ (20)، والشعراء الستينيون بالعراق يمثلون هذا الجيل المجدد، الذي تآمر على شعرية الريادة ممثلة في بدر شاكر السياب، ولكأنها الحاجة إلى قتل الأب الرمزي التي اعتملت في نفس أوديب حين كان قتل والده لايوس والزواج من أمه جوكست سبيله الأوحد إلى الملك، وهي ذاتها الحاجة التي سكنت لا وعي هذا الجيل الشعري الثائر، والراغب في الانطلاق إلى أقصى – أقسى- التخوم الممكنة، وهي قسوة مضاعفة بدافع من شعور بالذنب، ومن السطوة الإعلامية الرهيبة التي كانت تحيط ببدر شاكر السياب، والتي نقلته إلى مستوى الأسطورة، ولعل ذلك ما جعل هؤلاء الشعراء (مرغمين على تنفس نفس الهواء الذي أرخته هذه الشعرية في المجال الشعري العراقي)، ومن ثم الاعتياش – في فترة الخمسينات – على النموذج الجمالي والقيمي اللذين رسخهما السياب، وهذا كان ديدن : فاضل العزاوي، وحسب الشيخ جعفر، وآمال الزهاوي، وصادق الصائغ، وسامي مهدي … ، وهو نفسه العامل الذي جعل عبد الأمير المعلة يدمج قصيدتين عموديتين في ديوانه الأول (السيف والرقبة) بدافع من ترسيخ فكرة أن الأمر لا يتعلق بطفرة، بل القطيعة الواعية عميقا بالخطاب الذي ترمي تجاوزه. ولعل ذلك شبيه بالأثر النفسي الضاغط الذي جسده أحمد شوقي على الشعراء الشباب الرومانسيين، الذين كانوا يتحرشون في احتشام ببناء القصيدة الكلاسية قبل أن يتحرك القدر ليخفف هذا الضغط بموت الشاعر سنة 1932. مع حفظ الفروق المرتبطة بما كان لأحمد شوقي من سطوة هادرة، إذ كانت تدعمه حينئذ السلطة السياسية، التي توجته بإمارة الشعر في حديقة الأوزبكية سنة 1927، نكاية في خصومه وحفظا لنموذج شعري يجسد، في عمقه، نموذج النظم السياسية القائمة والثقافة العربية، تلك التي يصفها عبدالله الغذامي بالثقافة المتشعرنة بكل عيوبها النسقية الغائرة . ولقد نظر إلى السياب إعلاميا أيضا على أنه نهاية التجديد، في ما يطابق ما عرف ،في بداية التسعينات، مع فوكوياما بنهاية التاريخ؛ ولكنه التصور، الذي ما فتئ يسّاقط بسبب من الضربات التي وجهها الشعراء الستينيون إلى الريادة الشعرية الحداثية، التي زعزعت أركانها. ولأن بدر شاكر السياب سيبدأ في الموت رمزيا حين تهيمن المرحلة الأيوبية على قصائده بسبب المرض الذي كان يفتك بجسده النحيل، فإن هذا الجيل سيستثمر ذلك بالتشكيك في ثقافة السياب، وكذا دعوته إلى الفصل بين الجانب السير- ذاتي الذي يصنع من السياب أسطورة حية وبين شعره، والاكتفاء بمقاربة نصوصه، وتفكيك بنياتها الفنية، وهي دعوة إلى قتل المؤلف تماما كما هي دعوة رولان بارت في مقالته الشهيرة، ومحاولة لتصفية ماضيه والاستفراد به تمهيدا للفتك النهائي. لكن ذلك كان يستدعي، تلقائيا، أن تقوم جبهة دفاع عنه قادها الشاعر العراقي سعدي يوسف أحد المنضوين الخُلّص لشعرية الريادة، لكن ذلك لم يعف السياب من الموت الرمزي، لذا رثاه شاذل طاقة في قصيدة (انتصار أيوب) 1965. أو نبوءة عبدالوهاب البياتي، قبل ذلك، بوشك موته المحتم في قصيدته (كتابة على قبر السياب)، وإنها لمفارقة عجيبة أن ينضوي البياتي و سعدي يوسف، في مشروع الستينيين ، ويسايروا انزياحهم القوي عن الثوابت التي كانوا من المؤصلين لها، وينضم إليهم محمود البريكان، وبلند الحيدري، محاولين مسايرة، القيم الفنية الجديدة الني انغرست في بناء القصيدة، قبل أن تخفت أصواتهم- باستثناء سعدي يوسف- بالقياس إلى الحضور الطاغي للشباب من جيل الستينات.وإن كان الأمر أشبه بالحرب الضروس، التي تنتهي بانتصار يراكم عددا من الجثث والأنقاض، فإن فرسان القصيدة الستينيين، رثوا بدافع من مروءتهم المشهودة، شعراء الريادة لما يتوفاهم الموت الحقيقي ‘ وعليه فلا فرق بين أن يرثي حسب الشيخ جعفر، مثلا، السياب بعد موته، في قصيدة الخطوات، من ديوان في (مثل حنو الزوبعة)، وحسين مردان، ميتا أيضا، في قصيدة (عاثر الضباب)، من نفس الديوان، وهو ما فعله سامي مهدي مع شاذل طاقة، إثر رحيله في قصيدة (شاذل طاقة)…’ ص 44. فنبلهم كشعراء كان يحتم عليهم أن يفعلوا ذلك، ولعله جوهر الشعر أن يكون فرسانه نبلاء في سلوكهم، ولو أن الذود عن حرية القصيدة كان سبب تلك الصراعات الطاحنة، ولعل من مفارقات الأشياء أن يذهب الدكتور بنعيسى بوحمالة إلى أن ثلاثة أسماء فقط من جيل الستينات هي فاضل العزاوي، وسركون بولص، وحسب الشيخ جعفر، من ستنال حظوة منصفة وتتصدر قائمة مجايليهم، في تشابه نسبي مع ما فعلته شعرية الريادة حين ألغت أسطورة السياب اسم محمود البريكان، وعبدالوهاب البياتي …، ولأن حسب الشيخ جعفر هو أكثر شعراء جيله صمتا (57)، فإن كتاب أيتام سومر يضيء جوانب من تجربته الغنية، التي تستدرج إلى ثناياها رؤيا أورفية مجددة، في ما يمكن أن يوصف بأنه (احتفاء … تقريظ …. تأريخ … إن شئنا… بـ/لسيرة شاعر له صوته المخصوص في الشعرية العربية المعاصرة، إشراك للقراء، أيضا، في تلاوين وانعطافات سفرته الرمزية تلك، مرتديا قناع أورفيوس، الشاعر والمغني الكوني الأول، إلى جنة مضاعة، بماهي، في العمق، سفرة القصيدة إلى مجهولها أو، بالأولى، إلى مستحيلها) ص8. ولعلها حقا سفرة ممتعة للقارئ في كتاب (أيتام سومر)، سفرة في مسار القصيدة وفي أعماق بنياتها الماتعة، وامتداداتها الملهبة، وسفرة في أبهة اللغة النقدية، التي تسكنها روح الشعر، وروح الشاعر، فبوحمالة، كما حسب الشيخ جعفر شاعره الأصيل، صامت، خجول، هادئ، زاهد في الأضواء، ويعقد ميثاقا أبديا وهانئا مع الجميل، وهي صفات تنعكس على نصوصه، التي تكتب على نار هادئة، وتغري القارئ بفتنتها وعمقها المعرفي والمنهجي الذي يندمغ ضمن مشروع يقارب الشعر، العالمي والعربي، بوصفه مجال اشتغاله الأوكد بلغة عميقة وماتعة، والذي ستتضح معالمه أكثر مع كتابه النقدي القادم (شجرة الأكاسيا) الذي سيصدر قريبا عن دار نشر عربية.المصادر والمراجع:*أرنولد، ماثيو : فصول في النقد، إعداد علي أدهم، الهيئة المصرية للكتاب، مهرجان القراءة للجميع 1994.*بوحمالة ، بنعيسى : أيتام سومر: في شعرية حسب الشيخ جعفر، دار توبقال للنشر، الجزء الأول، ط 1، 2009.*حمودة، عبدالعزيز، الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، مجلة عالم المعرفة، ع 298، نونبر 2003.