عبد الخالق بدري عرف المغرب انعطافات مهمة، وُسمت بالتاريخية، طيلة العقدين الأخيرين، فكان الحدث الأخير و الأبرز هو الحالة العامة التي شهدها العالم العربي تحت اسم أحداث الربيع العربي، إلا أنه ومع هذه التحولات انشد غالب الرأي العام السياسي والمدني المغربي إلى قراءة ومعرفة مواقف جماعة العدل والإحسان باعتبارها من أهم التنظيمات التي كانت ومازالت محط نقاش سياسي ومجتمعي، وبالنظر أيضا إلى الزخم الجماهيري الذي تدعيه دائما وتستند إليه في سجالاتها أمام خصومها ومنافسيها. إلا انه وبعد مرور أحلك المراحل على المملكة المغربية بعد ‘حالة’ عشرين فبراير، يقول المتتبعون بأن البلد يتغير وكل مكوناته تتغير سوى هذه الجماعة التي ما زالت مُتصلبة المواقف ومتطرفة عند البعض، و مانعة لأي تغيير في بنيتها كما بينت خرجات بعض قياداتها السابقة.. وبالنظر للسجال الدائر، وفي محاولة للوقوف على الرؤية السياسية لهذه الجماعة التي وسمها بعض قياداتها بأنها غُبنت أمام الربيع العربي، وأنها خرجت خاوية الوفاض مقارنة بجل التنظيمات الإسلامية الأخرى داخل البلد وخارجه، نريد أن نتساءل عن المرجعية التي تستند لها الجماعة في تبرير وتفعيل مواقفها إزاء التحولات، وما هو الإطار المرجعي التي تعتمده كمنطلق للتحليل وإصدار المواقف؟ وهل الجماعة استأنفت انحسارها، أو انشقاقها، أو تخليها عن مواقفها الصلبة اتجاه طبيعة النظام في البلد؟ وهل صعود وممانعة حركة التوحيد والإصلاح بجل مكوناتها الجمعوية والطلابية والشبابية والحزبية جعل الجماعة في صدمة؟ أم أنها مازالت متبنية لمنطق العصيان إلى حين تحقيق ‘القومة الإسلامية’ أو ‘الخلافة على منهاج النبوة’؟ وهل الشيخ ياسين هو الوحيد المُخول له بإحداث نقاش داخلي يغير المعالم السياسية للجماعة، أم أن الأيام ستكشف عن بروز خط مغاير لما هو كائن اليوم؟كل هذه الأسئلة وغيرها، جعلنا نعود إلى البدايات الأولى لتبلور مشروع الجماعة ومحاولة فهمه وامتلاك أدوات التبرير التي تتبناها الجماعة. كانت بداية العمل السياسي العلني لجماعة العدل والإحسان من تلك الرسالة الموجهة للملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، وتعد بداية انطلاق الجماعة؛ حسب أغلب التصريحات التي خرج بها الناطق الرسمي فتح الله أرسلان وغيره من القيادات، الرسالة جاءت في ظرف زمني وبمحتوى مضموني يتسمان بالخطورة والدقة، بالنسبة للظرق الزمني اتسم بالقوة نظرا للظرف الذي حررت فيه، والمضمون الفكري النقدي الذي احتوته، وللخطاب القوي والجريء الذي تضمنته، خصوصا في فترة السبعينات المعروفة بالتأهب الكبير الذي كانت الدولة تتعامل به مع كل مخالف للخط الرسمي؛ خصوصا وأن الجميع يكاد يُجمع على استحالة وصعوبة توجيه الخطاب مباشرة لملك البلاد.. وعلى إثر ما أثارت ‘الرسالة’ وُضع زعيم جماعة العدل والإحسان الشيخ عبد السلام ياسين في مستشفى المجانين كما هو معلوم، فكانت هذه هي البداية القوية للمشروع السياسي للجماعة، وَسمتها بالقوة لأنها ‘استهدفت الملك في سلوكه وتصرفاته’، بعد ذلك انتهت الرسالة بإقتراحات عملية اقترحها الشيخ ياسين على الملك…يمكن أن نصف تلك الإقتراحات ‘بالإصلاحية’؛ حيث أن الشيخ ياسين قدم الإقتراحات ليقوم بها الملك ذاته، ولم تكن إقتراحات جذرية أو ثورية تبتغي أن يقوم بالإصلاح والتغيير جماعته أو هو نفسه كزعيم للجماعة، والمقترحات كانت أيضا إصلاحية من جهة أنها ذَكَّرت الملك بانتمائه لسلالة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، واقترحت عليه ‘النموذج العمري’ عمر بن عبد العزيز، فقدمه له كنموذج يحتدى به، وكانت نصائح أكثر مما هي خطاب سياسي بالمعنى المعاصر لأدبيات الخطاب السياسي. بعد خروج الشيخ ياسين أسس مباشرة مجلة ‘الجماعة’، وأصدر مجموعة من الأعداد كانت في كثير من أعدادها مستعرضة للكتاب العمدة ‘المنهاج النبوي’، وهو كتاب تنظيري لعمل الجماعة، كما أنه كتاب يعبر عن ‘المشروع المجتمعي’ الذي طرحه كبديل للمجتمع، بعد ذلك تفرع عن الكتاب عدة كتب تفصيلية للمنهاج، فكان بذلك المنهاج السياسي الذي تجلى في مجموعة من الكتب منها:الشورى والديمقراطيةحوار بين الماضي والمستقبل حوار مع الفضلاء الديمقراطيين العدل: الإسلاميون والحكم وغيرها من الكتب التي يمكن أن توضع في خانة المشروع السياسي للجماعة، ويمكن أن نقول هنا بأن كل كتاب من هذه الكتب يحتاج إلى وقفات وفهم خلفيات الكتابة والنشر، لإمكانية الإحاطة بأدوات التحليل لدى الشيخ ياسين، ولكن حسبي في هذه المقالة أن نضع عناوين كبرى لبحث ودراسة أعمق في مستقبل الأيام، خصوصا وأن الأتراك قد بادروا إلى إعداد ملتقى دولي حول ‘الفكر المنهاجي عند الشيخ عبد السلام ياسين، الملتقى الدولي فيه أكثر من معنى، ويريد أن يبعد النقاش الأيديولوجي والسياسي عن فكر الشيخ، ليضعه في قالبه المعرفي الصرف لإمكانية الفهم، وهو ما لم يتسنى لنا ولأغلب الباحثين المغاربة نظرا للتصنيف الذي يضعون فيه كتب الشيخ وفكره.. بعد ذلك صدرت مجموعة من الكتب في إطار ‘المنهاج التصوري’ للجماعة؛ نجد في قضية المرأة: كتاب ‘تنوير المومنات’، أما في المنهاج التربوي للجماعة، صدرت كتب عديدة وعلى رأسها كتاب ‘الإحسان’ في مجلدين، فكانت بعد ذلك سلسلة من الكتب الفكرية، قد لا يتسع المقام لذكر أغلبها.. حتى أننا يمكن أن نقول بأن ‘المنهاج التصوري’ مُلخص في انتاجات الشيخ فقط، على الرغم من خروج عدة إصدارات لقياديي الجماعة، إلا أنها كانت محصورة فقط في الحديث على هامش متن تصورات الشيخ، ومنه تتأكد لي أن المتن الياسيني هو الوحيد المُخول له بالقيام بمراجعات إن كانت، أو إحداث أي تحول فكري أو سياسي في الجماعة، فمادام المشروع السياسي والمجتمعي للجماعة مبني على كتب الشيخ وتنظيراته، فيُستبعد أن تُحدث قراءة في فكر الجماعة اللهم إلا إذا حدث انشقاق أو تبني خط بعيد عن ما بناه الشيخ.. وعلى الرغم من إدعاء غالب قيادة الجماعة من أن عدة كتاب ساهموا في التأسيس للمرجعية الفكرية والسياسية للجماعة، بدليل أن جل الكتابات التي يصدرها أعضاء الجماعة تكون لمسة الشيخ محددا أساسيا قبل الطبع، إما تنقيحا أو نسخا، وهو ما قال به الناطق الرسمي للجماعة السيد فتح الله ارسلان في عدة حوارات له سابقة.الشق السياسي لجل هذه الكتب تفيد بأن الجماعة إذن؛ تنطلق من أن ‘المدافعة تتحقق متى كانت هناك إمكانية تغيير الواقع، أما أن تكون أداة فقط في تأثيت بيت متحكم في خيوطه و أطراف أياد وضعته فآنذاك يكون التنظيم خادما لمقاصد غيره’، وهو ما أكد للجماعة أن خيار المقترحات ‘الإصلاحية’ الممثلة في رسالة الشيخ الأولى الموجهة لملك البلاد- وللتذكير فالطبيعة الإصلاحية في الرسالة أمر لم ينتبه له الجميع، فالكثير من الباحثين يعتقدون بأن الجماعة تبنت الخيار الجذري وخيار العصيان منذ البداية، وهذه مسألة تستوجب تدقيقا معرفيا ومنهجيا ومراجعة نقدية لجل الكتابات المؤسسة للشيخ- غير مجدي.الكثير من الباحثين سواء المتحاملين أو مدعي الموضوعية يرون بأن الجماعة في ‘حيرة تنظيمية’ وفي ‘فراغ مشروع سياسي’ خصوصا بعد تخبطها في المواقف من مسألة التغيير في البلد، ونظرتها ‘العدمية’ لكل مشاريع الإصلاح في المغرب. ولكن يبقى تقييم الجماعة مرهون بالخلفيات والمبادئ التي أنشأت عليها هذا الجيل المشكل لقاعدتها الجماهيرية، وهي كل تلك الكتابات التي تفصل ‘مشروعها ‘التصوري والمنهاجي’.’ كاتب مغربي