حاتم الطائينعلم يقينًا أن لا أحد رابح في الحرب، فالجميع خاسرون.. وأن إسقاطات الحروب وآثارها السلبية تتغلغل عميقًا في نفوس المتحاربين لتنال من سلامهم وطمأنينتهم لأجيال، وتسرق استقرار الأوطان، وتقذف بها في أتون الفوضى السياسية والكساد الاقتصادي… إن الحرب لحظة من تجليات البربرية والوحشية والإرهاب، وحصادها دومًا هشيمٌ ودماءٌ وموتٌ وبوارٌ؛ فهي في المحصلة فعلٌ يتنافى والحضارة، ويكرس لآليات الدمار والتخلف.نعم.. لا نريد حربًا أخرى في منطقتنا، فقد اكتوينا بثلاث حروب مدمرة على مدى عقدين من الزمان؛ أتت الحرب العراقية-الإيرانية على الأخضر واليابس، وتلتها حرب الخليج الأولى، وفي أعقابها اشتعلت الثانية، وهي حروب دفعت المنطقة فاتورتها الباهظة من ثرواتها وإنسانها وبيئتها.وها هي غيوم حرب رابعة تتلبد في أفق المنطقة، وكأننا محكومٌ علينا أن نكون ضحايا في مسلسل ‘كاوبوى’ لا تنتهي حلقاته المخيفة.فهل نلتزم الصمت حيال ما يحاك لتمرير مخطط الحرب الرابعة في منطقتنا، وندفن رؤوسنا في الرمال لندفع فاتورة أخرى، قد يكون ثمنها هذه المرة زعزعة الاستقرار الإقليمي، وربما الدخول في حقل براكين قد نصطلي بحممه لعقود قادمة، أم علينا أن نرفع أصواتنا رفضًا لهذه الحرب التي تدق طبولها الآن، وأية حرب أخرى قد يفكر الآخرون في أن نخوضها عنهم بالوكالة، أو أن تكون منطقتنا ساحة لها؟.. منطقتنا ليست في حاجة إلى حروب ودمار، بل تحتاج تعليمًا راقيًا، ونظامًا صحيًّا متطورًا، واقتصادًا منتعشًا، ووظائف وتنمية، وهي مفردات الحضارة، وعوامل التقدم الشامل.فخليجنا العربي يعج هذه الأيام بالأساطيل والبوارج والمدمرات، وهو موعودٌ بحشود إضافية في مقبل الأيام لإجراء مناورات لم يسبق لها مثيل. وكل هذا لتهيئة المسرح لفصل دامٍ جديد من تراجيديا الحرب والخراب.والمسوَّغ هذه المرة، شق إيران لعصا الطاعة الغربية بإصرارها على امتلاك سلاحٍ نوويٍّ، بينما ترى طهران أنها تمارس حقها في امتلاك التقنية النووية لتسخيرها لأغراض سلمية.وهنا تتراءى لأذهاننا تلك المسوغات التي ساقها الغرب -وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية- لشن الحروب السابقة في المنطقة، والتي اتضح فيما بعد أنها كانت مجرد أكاذيب لخداع وتضليل الرأي العام؛ لتبرير حرب كانت لتمرير مخططات أبعد ما تكون عن أهدافها المعلنة؛ وفي مقدمة هذه المخططات: أمن إسرائيل.وجميعنا يذكر كيف أن كولن باول وزير الخارجية في عهد بوش الابن، قد وقف أمام مجلس الأمن ليقنع العالم بأكذوبة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ليعترف لاحقًا بأنها كانت كذبة محبوكة من قبل الـ’سي.آي.إيه’!! ورغم اقتناع العالم وقتئذ باستحالة امتلاك العراق لهذه الأسلحة -لأنه كان محاصرًا حينها لأكثر من عشر سنوات، كما أن المصدر المتاح لهذه التقنية كان هو الدول الغربية نفسها، ولن يتأتى للعراق امتلاكها دون معرفة هذه الدول- شُنت الحرب على العراق بدعوى تهديده للسلم العالمي بامتلاكه أسلحة دمار شامل!.. إن المنطقة اليوم في حاجة ماسة إلى السلام، وخليجنا يستحق أن يصبح بحيرة سلام، وهو جدير بذلك.. وقد نبه جلالة السلطان باكرًا إلى المخاطر التي يمكن أن تنجم عن اندلاع حرب في المنطقة، وجاءت دعوته في هذا الصدد إلى كل من الغرب وإيران للجلوس على مائدة المفاوضات لتسوية الخلافات بينهما بالطرق السلمية؛ وأبرز جلالته في حديث لشبكة ‘فوكس نيوز’ الأمريكية مطلع هذا العام -ونشرته ‘الرؤية’ في وقته- أنه يتعيّن على إيران إقناع العالم بسلمية نواياها؛ من خلال تعزيز العمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عبر السماح بالمزيد من عمليات التفتيش الدولي لبرنامجها النووي، كما أن على الولايات المتحدة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الحرص على استئناف المحادثات مع طهران؛ للوصول إلى حلول سلمية للملف النووي الإيراني.إن حديث جلالة السلطان يؤكد على ضرورة إعطاء السلام فرصة أخرى؛ لاستباق صخب الصواريخ، وأزيز قاذفات القنابل والموت والدمار، وقبل أن يرتفع عويل الأمهات وصراخ الأطفال.والسؤال: لماذا تُفرض علينا الحروب المدمرة في هذه المنطقة التي يجدر بها أن تكون بحيرة سلام؛ لما تشتمل عليه من عوامل تقارب، وما تتضمنه من عناصر تمازج وانصهار؟ ولماذا العزف على نشاز الطائفية لتأجيج الصراعات بين أهل القبلة الواحدة، وبين سكان ضفتي خليج واحد أجدر به أن يسمى ‘خليج السلام’، بدلا من التنازع على اسمه ما بين عربي وفارسي، وأن يتم تبني ذلك كخيار استراتيجي لشعوبنا، مصادقًا عليه عبر مواثيق ومعاهدات دولية. سيكون ذلك عين الحكمة، وسيقضي على بؤر التوتر، ويطفئ نيران الاشتعال التي يسعى البعض جاهدًا للنفخ في قربتها.فالغرب يورد مبررات لإشعال فتيل الحرب في المنطقة، ولكننا جميعاً نعلم أن أمن إسرائيل هو ما وراء القصد، هذا عدا نهب الثروات من خلال صفقات الأسلحة الفلكية.وهنا تختلف الرؤى؛ فبينما يركز الغرب على أمن إسرائيل، يتطلب المنطق الالتفات إلى لب المشكلة الرئيسية والمركزية في عالمنا العربي والشرق الأوسط؛ وهي: قضية فلسطين، وإن لم تحل هذه القضية المشتعلة منذ أكثر من 50 عاماً، فلن يكون هناك استقرار في المنطقة. وعلى الغرب الجنوح للسلم بإرغام إسرائيل على الرضوخ لقرارات الشرعية الدولية؛ وفي مقدمتها القراران رقم: 242، 323؛ بدلا من الهجرة بأساطيله صوب سواحل المنطقة لحماية هذا الكيان.وفي إطار أمن إسرائيل ذاته، يمكن قراءة مفهوم الفوضى الخلاقة -الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس- والقاضي بإعادة ترتيب المنطقة، وأنمذجتها كما حدث في العراق، حتى لا يصدر عنها ما يهدد أو يعكر صفو إسرائيل.فمفهوم الفوضى الخلاقة ينطوي في أبعاده الاستراتيجية على ضمانات مبطنة بأن تؤول النتائج النهائية لهذه الفوضى لمصلحة إسرائيل، وإجهاض فرص التنمية العربية.أليس من الأسهل على الغرب عمومًا، وأمريكا على وجه الخصوص، أن تعمل على إحلال السلام في المنطقة بالضغط على إسرائيل للحد من عربدتها، والرضوخ إلى متطلبات التسوية السلمية، عوضًا عن إشعال المنطقة برمتها لضمان أمن إسرائيل؟نحتاج في المنطقة إلى عكس هذا المفهوم؛ فمنطقتنا تحتاج إلى تنمية خلاقة، بدلا من الفوضى التي لا يضمن أحد مآلاتها ونتائجها، والتي قد تكون كارثية على المنطقة بل والعالم أجمع. .. ما نحتاجه هو تنمية تُعنى بالتعليم والصحة والمسكن الملائم، وتقوم على الاقتصاد الإنتاجي والمستدام، وترتكز على أسس العدالة الاجتماعية، وتهتدي براية التحضر والمتمثلة في القضاء على ثالوث التخلف: ‘الجهل، الفقر، والمرض’.لدينا رصيدٌ حضاريٌّ، وموارد طبيعية وإرادة سياسية، وكثير من الإصرار على تحقيق النموذج الخاص بنا في التنمية الخلاقة.. وينتظر منا -كشعوب في المنطقة، وأبناء حضارة عريقة- أن نقدم للعالم أجمل ما لدينا من إبداع وابتكار، وهذا لن يكون ممكنًا إلا إذا توقف مسلسل الحروب البغيضة، وسادت المنطقة أجواء السلام والأمن والاستقرار، بعيدًا عن الحروب وافتعال الأزمات… إن مساعي الغرب لتصوير إيران كعدو رئيسي للعرب، لن يُكتب لها النجاح؛ فالإيرانيون جيراننا، وعلينا أن نتعايش معهم وفق مبادئ حسن الجوار والمصالح المشتركة، وقبل ذلك العقيدة الواحدة، دون أن نلقي بالًا لمن يروجون للطائفية، ويسعون لتأجيج الصراع السني-الشيعي، لغايات مريبة، وأهداف مشبوهة. إن تسييس الاختلاف في المعتقدات الدينية، واستغلاله لأهواء سياسية هو لعب بالنار. ولا يجوز دينًا ولا عرفًا أو سياسة؛ لخطورة ذلك على عالمنا الإسلامي، ومنطقتنا على وجه الخصوص؛ باعتبار أن ذلك هو الطريق إلى السقوط في براثن الفتنة.لذا يتحتم علينا في المنطقة أن نكون أكثر وعيًا لنتجنب مزالق هذه الفتنة المصطنعة؛ من خلال تعزيز دولة القانون، وتدعيم مفهوم المواطنة، وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الطوائف.إن مفهوم الدولة الدينية ولّى عهده منذ زمن واندثر، واليوم نحن بحاجة إلى تعزيز الدولة المدنية بكافة مقوماتها.. الدولة القادرة على حماية الدين من التشظي السياسي والحزبي وخطر التسييس، والحفاظ عليه نقيًّا من شوائب الأهواء السياسية الضيقة.إن المرحلة الحالية تتطلب النأي بالخليج عن العسكرة، وعدم الزج به في أتون الصراعات الدولية؛ لحمايته ومواطنيه على الضفتين من القنابل والصواريخ القادمة من (ما وراء البحار)، والتي إن انطلقت لن توفر أحدًا من الدمار والضرر الشامل على الإنسان والاقتصاد والبيئة.منطقتنا اليوم لا تنقصها حربٌ أخرى، بل تحتاج تنمية خلاقة لدعم وإعلاء صرح بناء مجتمعاتنا؛ لنقدم للعالم نموذجًا إبداعيًّا كما فعلت دول أخرى في العقود الأخيرة، وسبيلنا إلى تحقيق ذلك هو السلام؛ لذا فليكن السلام هو خيارنا الاستراتيجي والوحيد.’ رئيس تحرير جريدة الرؤية في سلطنة عمان