الفنانة الفلسطينية ريم تلحمي: الخطاب السياسي الفلسطيني و العربي أطاحا بالقضية الفلسطينية

حجم الخط
0

التقاها عادل العوفي: لطالما نبذت الألقاب واعتبرتها مجرد أدوات للتبجيل والمدح الذي لا طائل منه غير أن فرصة محاورة ‘لؤلؤة فلسطين’ جعلتني أتردد وأغير قناعاتي أمام ‘الهالة’ التي بدت عليها ..هي بحق لها من لقبها نصيب {وأي نصيب } تبدو إنسانة رقيقة طيبة ولكنها في ذات الوقت مبارزة شرسة من الدرجة الأولى بالصوت الشجي وبالكلمة الصادقة الجريئة إن تعلق الأمر بفلسطين ‘الوطن المسلوب’ العائد سواء إن طال الزمن أو قصر .. إنها النجمة الفلسطينية المميزة ريم تلحمي التي خصت ‘القدس العربي’ بهذا الحوار المميز والعميق والذي هم مواضيع عديدة ستكتشفونها هنا : بداية كيف هي أصداء ألبومك الجديد ‘يحملني الليل’؟ وهل حقا للفن الجاد مكان في خريطة الفن العربي؟ ولماذا برأيك كل هذا التجاهل لهذه النوعية من الأغاني ؟ ألبوم ‘يحملني الليل’ لم يصدر بعد، ومن المتوقع صدوره قريبا حتى نهاية شهر أكتوبر القادم. وكنت قد أطلقت بعضا من أغاني الألبوم في منتصف شهر تموز، في مهرجان القدس، وقد حصلت على بعض الآراء وردود الأفعال حول أغاني الألبوم وهذه التجربة بشكل عام. بالمجمل، كان للأغاني وقع خاص على الأشخاص الذين استمعوا إليها، وقد بدأ الإعجاب من كلمات الأغاني تحديدا والتي كتبها الشاعر الفلسطيني ابن رفح والمقيم في غزة، خالد جمعة. في هذه التجربة الغنائية، قام خالد بكتابة أغاني تسمو بروح المدينة المحاصرة، ممازجا بين المدينة الحقيقية والمدينة التي نريدها أن تكون… بالطبع في خلفية الأغاني توجد مدينة غزة، لكن يمكننا إسقاطها على أي مدينة أخرى في فلسطين وغيرها / اسم غزة موجود في أغنية واحدة فقط، وباقي الأغاني تتحدث عن المدينة دون ذكر اسمها. لن تجد في كلمات الأغاني أي لفظ يدل على عنف أو دم أو حصار أو قتل، وكل العبارات تأخذك الى مكان آخر في اللغة من الجدير خوضه في صناعة الأغاني الفلسطينية حيث تسمو اللغة عن الحدث نفسه وهذا إجمالا ما هو مألوف في كتابات خالد جمعة الأخرى. أما ألحان الأغاني فهي للموسيقي المقدسي ذي الخبرة الطويلة، سعيد مراد.سعيد، ملحن عريق في تاريخه جعبة من الأغاني الجميلة والألحان الصعبة، وتجربته العميقة مع فرقة صابرين الفلسطينية التي تركت بصمة عميقة في الموسيقى العربية، يضع هنا ألحانه الجديدة في هذا العمل ليكمل المشهد الكلامي اللغوي الذي تطرحه كلمات خالد، لينكشف الستار عن أغان مليئة بالحب والشغف والهدوء (أحيانا). أنا ما زلت هذه اللحظة في طور تسجيل صوتي النهائي لهذه الأغاني، وأعمل على وضع شخصيات داخل كل أغنية، كما لو كنت أغني مسرحا !! آمل أن أوفق في ذلك, أما الشق الثاني من سؤالك، فإني أعتقد أن هذا الشق تجيب عليه أنت نفسك في مجمل سؤالك!! إذ أنك تسأل إن كانت لهذا النوع من الفن مكانة في خارطة الفن العربي، وتكمل: لماذا برأيك هذا التجاهل؟ حسنا، أنا أعتقد أن لهذا الفن مكانة ضئيلة في خارطة الفن المحلي والعربي وربما العالمي أيضا، ويرجع هذا لعدة أسباب حقيقة من أهمها الأرباح المادية. هذا النوع من الفن ليس محط أنظار الشركات التجارية وشركات الإنتاج، التي يعنيها أكثر ما يعنيها، الربح المادي وعائدات تسويق هذا الفنان أو تلك الفنانة. وقد أثبت الزمن والوقت والوضع الحالي لخارطة الفن العربي، عن أن مشروع الأغاني البديلة، يظل في خانة الأعمال المهملة التي ربما تتكشّف في أوقات لاحقة، عند وجود أزمة وطنية ما أو ربيع عربي من أي نوع … عندها نجد المحطات مهتمة بهذا النوع من الأعمال، ولنفس الأسباب للأسف، الربح المادي ومجاراة الموجة !! أظن أن التجاهل لهذا الفن، جعله مهمّشا إلى أبعد حد وبعيدا ربما عن الأضواء !! لماذا على الفنان مثلا أن يقوم بغناء أغان نمطية من ناحية الموضوع، وأن يُهمل مواضيع أخرى؟؟ أعتقد أن هناك فكرة سائدة غير صحيحة عن الأغاني العربية البديلة الهادفة، مفادها أنها أغان مملة أو مليئة بالشعارات، أو أنها تبعث على اليأس والحزن !! هذا غير صحيح على الإطلاق وفي تجربتي الأخيرة هذه أعتقد أننا سنثبت العكس. بكل الأحوال، في الفن البديل الملتزم، تجد الفنان أكثر التزاما حتى في طريقة لبسه وفي طريقة كلامه وانتقاء الكلمات، وهو غالبا صاحب موقف ووجهات نظر مثقفة ورؤية فنية عالية وانتقائية هو مسؤول عنها تجاه أعماله وخياراته … ولهذا لن تجده تحت مسمّى ‘نجم’. نجد اليوم، وخصوصا بعد موجة الربيع العربي الذي لا نعلم حتى الآن عما سيثمر حقيقة، نجد تجارب مهمة عديدة في كل أنحاء العالم العربي وخصوصا لشباب وشابات، تجد رواجا الآن في المشهد الموسيقي الغنائي العربي، أمر ربما يبشر بالخير في التوجه السمعي لهذا النوع من الفن، وفي تطوره وتثبيته . تعتبرين صاحبة مسيرة حافلة في ميدان الغناء والمسرح، ولكن هل آخذت حقك إعلاميا كما تستحقين على غرار زميلاتك الأخريات ؟ من تقصد بزميلاتي الأخريات ؟؟؟ أعتقد أننا جميعا في نفس المركب على المستوى الإعلامي والترويجي. ربما تأخذ فلانة حظا أوفر لوجودها المكثّف على الساحة ولتفرغها التام للغناء والعروض الحية. لكن الإعلام وخصوصا المحلي الفلسطيني، وللأسف الشديد، لا يعطي وزنا لهذه المسألة، رغم أهميتها وقوة تأثيرها. نحن سفراء للفن الفلسطيني في كل أنحاء العالم، وتقع على أكتافنا مسؤولية كبيرة في الترويج لقضيتنا الفلسطينية، وفي تقديمها بأجمل صورة في العالم، وعرض تراثنا، وفننا الحديث، وتجاربنا التي نفخر بها … جدير بالمسؤولين عن الجانب الإعلامي، أن يأخذوا تجربتنا بصورة أكثر جدية وأن يسلطوا الضوء عليها بالطريقة التي تستحقها.وهذا يحدث فقط عندما يؤمنون بأهمية دور الثقافة والفن والأدب، في تقديم القضية الفلسطينية وفي إظهارها، كأي فعل وطني يستحق الأخذ بيده !! لكننا تعودنا، نحن الفنانون الفلسطينيون، على ترويج وتسويق أنفسنا بأنفسنا وعلى العمل شديد الصعوبة، في الإعلان عن حفلاتنا وبرامجنا الفنية ! لا توجد شركات إنتاج، تقوم بتلميعنا وتقديمنا وتريحنا من عبء العمل الإنتاجي والإعلامي والترويجي حتى نتفرغ للفن الخالص، لذلك ترانا متعبون جدا من كاهل العمل الملقى على عاتقنا وكثافته، لا أعتقد أنني نلت ما أستحق على الصعيد الإعلامي، وأحيانا يزعجني الأمر، لكنني أنسى سريعا وأكمل مشاريعي الفنية… شاركت الفنان القدير مارسيل خليفة ورفيقة دربه النجمة اميمة الخليل الغناء في بيت الدين بلبنان وعبرت عن سعادتك الغامرة بتلك التجربة ألا تطمحين لتكرارها في عمل مشترك؟ وما المانع من طرح هكذا أعمال مع فنانين يتقاطعون في نفس الخط ويحملون ذات الهموم والتوجهات؟ طبعا، سعدت جدا بهذه التجربة التي أتاحت لي فرصة الغناء مع موسيقي بمستوى مارسيل خليفة، الذي كان واحدا من الذين شكلوا أثرا كبيرا على حياتي الفنية منذ بداياتي. وطبعا وجودي إلى جانب أميمة الخليل التي يشكّل صوتها صورة دائمة للعشق، كان من أروع التجارب التي عشتها. بالطبع، سأشارك في تجارب غنائية مشابهة ومع فنانين آخرين إذا ما كانت هناك دعوة لذلك، وإذا ما كانت الأفكار الفنية تتقاطع بنفس الخط كما ذكرت. لكل مشروع غنائي فني وقته وظروفه … سأدرس أي عرض يُقدم إلي، وفي حينه . بنظرة بسيطة على سيرتك الذاتية يمكن استنتاج مسالة هامة تتمحور بالأساس في ندرة الألبومات الغنائية الخاصة بك، ما السبب في ذلك؟ ثم ألا يحز في نفسك هذا الأمر ؟ طبعا يحز هذا في نفسي. ولا أكذب عندما أقول لك أنه يحز كثيرا .عندما أعمل على مشروع تنتج عنه مجموعة من الأغاني، لا أريد أن أبقيها في سري !! فأنا أعمل الأغاني ليس فقط لنفسي ولأذني الخاصة ! بالطبع أريد لهذه الأغاني أن تُسمع وأن يتم مناقشتها، وأن تُنتقد، وأن تُروج، وأن تباع، وأن تصل إلى كل الآذان. وما يحز في نفسي الآن، كل الأغاني القديمة التي غنيتها، والقصائد الطويلة لشعراء مهمين، والتي لم تسجل بتاتا. كانت هذه أعمال غنائية في بداية مشواري، عملنا من خلالها علىقصائد منتقاة لشعراء فلسطينيين أمثال سميح القاسم، محمود درويش، راشد حسين وتوفيق زياد. وشكلت هذه الأغاني بذورا لفن فلسطيني محلي ملتزم وسياسي، الى جانب التجارب الفلسطينية المحلية الأخرى في حينه، للإجابة عن سبب ذلك، أعود للمسألة المادية التي تقضّ مضجع كل فنان/ة في وضعي.أعود ثانية الى موضوع شركات الإنتاج التي ‘تزيل الهم المالي’ عن كتف الفنان، وأنا لا أنكر أهمية هذه الشركات ابدا، وتزود له بذلك مساحة من العمل على فنّه، دون القلق تجاه الأمور المادية. هذه الصورة هي صورة مثالية، تحدث ربما في لبنان أو في مصر، لكنها ليست بهذا الرونق وهذه الأناقة في بلدي، فلسطين، كان علي أن أبني نفسي بنفسي، أمرٌ أفخر به بالتأكيد، لكنه أتعبني وأرهقني حتى أنني أصبحت لا أعرف صورة أخرى للعمل غير هذه !! فمثلا، عندما تتم دعوتي للمشاركة في مهرجان عربي مرموق وذي تاريخ عريق، وفي دولة عربية شقيقة، يتم استقبالي عادة بطريقة استقبال كبار الفنانين، أشعر نفسي غريبة كل الغرابة عن المكان والأشخاص، فتجدني أدخل غرفة الفندق بأقصى سرعة وأخلع حذائي وأمشي حافية القدمين، لكي أستعيد نفسي .. حصل أيضا أن أحسست مرة بجفاف يدي عندما مددتها للسلام، فوجدت اليد المقابلة، وهي يد رجل، رقيقة وناعمة فأرعبني جفاف يدي … لماذا أقول هذا؟ أقوله لأنني ألعب شخصيات عديدة في حياتي من أجل استكمال مشروعي الفني الذي أعتبره مشروع حياة. أي أنني لست فنانة فحسب، ولا أعيش فقط شخصيتي الفنية وحدها. أقوم بأداء أدوار عديدة منها دور الزوجة ومنها دور الأم لثلاث بنات ،وما يترتب عليه من أعمال شاقة معروفة للجميع، وأقوم بالتدريس أيضا من أجل تأمين قوت الحياة. أي أنني لا أستطيع التفرغ لفني وحده من غناء ومسرح، وهذا ربما سبب إضافي لندرة إنتاجاتي الغنائية التي تعود الى انشغالي بأمور إضافية لا تقل أهمية أيضا، ما اكتشفته مؤخرا، وقد كان غيري قد اكتشفه منذ زمن، أنه يجب علي تبني مشروعي الخاص وعدم انتظار مبادرة الآخرين ولا شركات الإنتاج، والسعي وراء ترتيب الأمور المادية المتعلقة بهذا المشروع عن طريق التوجه لمؤسسات داعمة من أجل الحصول على منحة لتنفيذ المشروع وإنتاجه. وقد تجاهلت هذه المسألة سنوات طويلة، رافضة التوجه لصناديق الدعم الفني، مكتفية بالحد الأدنى من كل شيء، قابلة بما يأتي وقابلة أيضا بما لا يأتي. هاجس القضية حاضر بقوة في أعمالك، هل حقا يمكن اعتبار الفن أداة مقاومة وكيف ذلك؟ نعم يمكن اعتبار الفن أداة للمقاومة، إن كان الفن يحمل مضامين تتعلق بنبض البلد المُحتل !! وبلدي فلسطين ما شاء الله، محتل بامتياز !!أعتبر أن لبلدي حق علي، وواجبي تجاه بلدي يدعوني لتجنيد عملي منه ولأجله.المسألة بالنسبة إلي ليست سلسة … بمعنى أن الموضوع، وكما قلت سابقا، هو مشروع حياة … وأنا لا أرى فني بمعزل عن قضايا بلدي. .عندما نقول مقاومة، أول ما يتبادر إلى الذهن، الفعل المسلّح. لكنني أرى المقاومة بصور عديدة ومتعددة. وبما أنني أعتبر أن الخطاب السياسي قد فقد صلاحيته وأنه في موقف ضعيف منذ مدة، فإنني أوجه الدفة الى ما يمكنني فعله حقيقة، وهو الفعل من خلال أغانيّ وأعمالي المسرحية، وهو بالمناسبة، لا يقل ثورية ولا نضالا عن غيره من ‘فنون’ المقاومة الأخرى. قد غنيت من على أهم المسارح في العالم، وقدمت أعمالا مسرحية في أهم المهرجانات المسرحية في العالم، وشاركت في مظاهرات شعبية وغنيت في الشوارع المفتوحة وأمام متظاهرين وقد لمست ردود فعل الجمهور بشكل مباشر في كل من هذه الأحوال، ودعني أقول لك، إن ما يقوله الخطاب الفني، لو كان صادقا وأمينا، له من الوقع ما لا يمكن تجاوزه … وهو في شدة الخطورة والأهمية. ما قد تفعله أغنية في تحريك الشارع، لهو من الأهمية بحيث لا يمكن التغافل عنه.لكن، ما يجعله غير سلس ومتناقض أحيانا، هو عندما يكون فنك غير منتشر بما فيه الكفاية لكي يصل. خصوصا في ظل الفن التجاري المعروض بشدة وبصورة مفجعة في كل مكان. أعتقد أن الفنان الذي يقدم فنا بديلا أو فنا ‘فنيا’ إن جاز التعبير، يجد نفسه مضطرا لخوض حروب صغيرة وكبيرة من أجل تثبيت أقدامه وترسيخ رسالته، تحت ظروف قاهرة وحياة صعبة، سواء على الصعيد العربي، في وضع لا تنافس فيه إطلاقا بسبب عدم التكافؤ وفشل المقارنة، أو على الصعيد المحلي، حين تحاول مثلا أن تُلفت نظر أحدهم الى أن هناك وجود فعلي لفن فلسطيني عريق، وأن هناك فنانون يعملون بكد وتعب منذ سنوات من أجلك ومن أجل الحديث عنك. وكم يسعدني، حتى هذه اللحظة، وبعد كل هذه السنوات، أن يلقاني طفل على حاجز قلنديا، الفاصل بين مدينة القدس ومدينة رام الله ويقول لي : ألستِ أنتِ من كنت في حلقة صباح الخير يا قدس، في استقبال الأسرى المحررين ؟؟؟؟؟ الساحة الفلسطينية تزخر بأصوات قوية غير أننا كمغار بيين مثلا نعاني في التعرف إليها عن قرب، من المسئول عن زرع كل هذه الهوة العميقة بيننا ؟ وكيف السبيل برأيك لردمها مستقبلا؟ ومتى سنستمع لأعمال مشتركة تؤرخ للمعاناة الفلسطينية وتظهر قيمة التضامن معها من الجانب الأخر؟أعتقد يا عادل، أن الموضوع يتعلق أساسا في الدعوات الموجهة من المغرب العربي. لم تتم دعوتي حتى الآن إلا من تونس. غنيت في تونس ثلاث مرات.في عام 1992، ضمن أصوات الحرية في مهرجان قرطاج وكانت دعوتي بمناسبة ذكرى 25 عاما على احتلال القدس، وقد أصر الجمهور التونسي على طلب عرض الحفل في أماكن أخرى في تونس، فغنيت في قابس قفصة ومدنين أيضا، وكان الأستاذ المايسترو محمد الجرفي وراء هذا الحدث الفني الكبير وبمشاركة مع علي الحجار من مصر ونجاة عطية وصلاح مصباح من تونس، وفي العام 2000 كانت زيارتي الثانية لتونس حين دُعيت للمشاركة في مهرجان المدينة، في العاصمة ومن ثم غنيت أيضا في صفاقص، ومن ثم في العام 2006 كانت الدعوة الثالثة من مهرجان قرطاج المسرحي والتي أتت لمسرحي القصبة في رام الله والمسرح الوطني في القدس، وكنت حينها مشاركة في عملين مسرحيين في كلا المسرحين، الأول ‘عرس الدم’ لفدريكو جارسيا لوركا ،مع مسرح القصبة / رام الله وقمت بدور الأم، والعمل الثاني ‘ جدارية’ لمحمود درويش، عمل شعري مسرحي من إنتاج المسرح الوطني في القدس، غير هذا، لم تتم دعوتي لأي بلد آخر في المغرب العربي، وكلّي أسف على ذلك بالطبع. لا يمكن الحديث عن أعمال فنية مشتركة حين يكون البعدُ كبيرا، ولا أقصد البعد الجغرافي. لم أفهم يوما، لماذا أيضا على هذا الجانب، علينا أن نحارب. أليس طبيعيا أن أشاهد عرضا راقصا مثلا، لراقصين من تونس، هنا في القدس ؟؟ أو أن يأتي السيرك المغربي لجولة عروض في مخيمات اللاجئين الفلسطينية داخل فلسطين ؟؟ أو أن تكون لي جولة غنائية طويلة في مدن الجزائر والمغرب وليبيا والسودان مثلا؟؟؟ أو يكون هناك إنتاج غنائي مسرحي مشترك بين فلسطين والمغرب مثلا؟؟؟ هي أسئلة شرعية وبديهية، لكنها تبدو بعيدة المنال. لا أريد أن ألقي اللوم على أحد هنا، ولا أريد التذمر، لكن ربما عبر هذا اللقاء قد تجد الأسئلة إجابات منطقية تقنعني وتقنعك … ربما على وزارات الثقافة في هذه البلدان، التحرك قليلا من أجل العمل على ذلك وتحقيقه !! أتعلم يا عادل، أنني سمعت مؤخرا عن مشروع فني عربي كبير يجسد قصائد محمود درويش عبر كتابة نص قصصي أصلي يقوم بتلحينه ملحن مرموق، ويشارك فيه فنانون مغنّون ممثلون وراقصون من كل أنحاء العالم العربي وفلسطين في المقدمة ؟؟؟؟؟ مشروع مكلف أليس كذلك ؟؟؟’وتختفي الأفكار في نفس الليلة التي تولد فيها، وعلى قولة خالد جمعة :يشترون أعيادا تنتهي في المساء، رغم أن التشبيه لدى خالد أكثر حزنا، حين يتعلق الأمر بغزة وآمال غزة وأحلام غزة التي ما أن تولد حتى تموت، ومن هنا ارتأيت التشبيه. الزي الفلسطيني ملازم لك في كل حفلاتك، هل هي رسالة بضرورة صيانة هذا التراث وحمايته من الاندثار في عصرنا الحالي؟ باعتبارك أما كيف سيكون مستقبله مع الأجيال الجديدة ؟نعم أصر دائما على إدخال عناصر الثوب الفلسطيني في لباسي. وإن لم يكن ثوبا اصليا مليئا بالتطريز التراثي، فهو قد يكون استخدام أصلي لأحد عناصره !! الثوب يحوي قصة، وأنماط التطريز تروي حكاية، والأنماط مختلفة من مكان إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى، وفي هذه المسألة يلزمنا رأي الخبيرات من نسائنا الفلسطينيات اللواتي يعملن في التطريز ويعرفن الغرزة من أختها الغرزة، هذا الخيار موجود لدى الكثيرات من المغنيات الفلسطينيات. وبالنسبة لي هو تشديد على المكان الذي أنحدر منه وطباع المكان ومذاقاته. وبالمناسبة، هو خيار مكلف جدا وكنت أتمنى لو كان التطريز الفلسطيني مرافقا لكل ملابسنا حتى على الصعيد اليومي العادي. بكل الأحوال، ما يمثله الثوب الفلسطيني والتطريز بالغرزة الفلسطينية هو مسألة انتماء وتبنّي مكان بكل روائحه وصوره وأشكاله وأطعامه، والألوان تعطي زخما وثراءا ملحوظا لفلسطين وتراثها وحداثتها في خوض الجديد. وهذه الألوان كلها، وهذه الحواس، هي ما أحب أن أراه في أعمالي، كان لي شخصيا تجربة مثيرة مع التطريز، فقمت بتطريز قطع مختلفة أعلقها في بيتي.ويبدو أن المسألة انتقلت الى ابنتي الكبرى، بصورة تلقائية. كان فخرا لي أن تقدم لي ابنتي في يوم ميلادي الأخير، تحفة فنية مطرزة، عملت عليها مع معلمتها طوال العام، دون علم مني أنها من أجلي، هي مسألة تشبه أن تروي لأولادك تاريخ فلسطين، أصل البلاد، وأصحاب الأرض . أين هي مسؤولية الفنان الفلسطيني والعربي بشكل عام في إعادة القضية الفلسطينية للواجهة في ظل كل هذه العزلة المفروضة عليها؟ أن يستمر في عمله أولا، وأن يستمر في مقاومة الظروف التي تعمل على النيل من عزيمته وصبره. مرة أخرى، هو يا عادل مشروع حياة !! هي ليست مسألة طارئة أو حالة مستعجلة أو غناء موسمي …. هو بالأساس أسلوب حياة وعمل يتوافق مع أفكارك ومبادئك وكيف ترى الفن والغناء متجسدا في أغنية أو في عمل موسيقي. سؤالك أعادني الى فترة الإنتفاضة الأولى، عندما استنفر غالبية الفنانون العرب من أجل الغناء للقدس ولفلسطين !! كانت خطوة جميلة منهم وإحساس بالمسؤولية تجاه ما يحدث داخل فلسطين ونخوة منهم لتقديم أي شيء يستطيعون القيام به … في نظري هذا كان موسميا، أو حالة مستعجلة!ثم، هل ساعد هذا في الترويج مثلا للفن الفلسطيني داخل فلسطين ؟؟ أو في إبراز أعمال فنانين فلسطينيين يعملون منذ سنين ؟؟ ربما نعم، في دعوات هنا وهناك للمشاركة في مهرجان أو في احتفال ما أو في ذكرى مجزرة ما … لكنه لم يفتح مثلا قناة لإنتاج أو لتسويق أو لترويج … دائما تخطيت هذه الآمال الهلامية، بالاستمرار في العمل ومحاولة التركيز على الأمور الفنية الإبداعية وإحضار أفكار إبداعية جديدة ومثيرة في آن، هذه كانت هواجسي وما زالت … بالطبع أدرك أن الفن الفلسطيني ليس معزولا عن باقي العالم العربي !! هو لا يأتي من فراغ، وهو مربوط بالتجارب الموسيقية، الفكرة هي أن لا يتوقف عملك الفني، منتظرا الرأفة والرحمة … لا !! أن تبدأ من فكرتك أنت وأن تؤمن بها وأن تبدأ بتطويرها والعمل عليها حتى تكتمل …. وبصدقك وبتعبك هذا، ستنجح لا ريب في تسليط ضوء ما على المكان الذي تنحدر منه، عندما نقول فن فلسطيني ماذا نعني بذلك ؟؟؟ وكيف يمكن تمييزه اليوم عن فن ليبي مثلا أو كويتي أو سوري ؟؟؟ هو المكان دائما، وهي قصص المكان وروائحه وغرز تطريزة، كفنانة فلسطينية، أعمل كل ما بوسعي من أجل إبراز الجوانب الإنسانية في الأغاني … أعرف تماما أن ليس هذا ما هو رائج اليوم في الأغاني المعروضة إجمالا، لكنني لا أعطي للمسألة أهمية كبيرة، حيث أنني أؤمن وكثيرون معي، بأن هذا النوع من المواد الفنية، هو الباقي وهو الراسخ. وسأقول هنا مقولة فلسطينية، أعلم أن لها مرادفات في ثقافات أخرى عربية مفادها: اللي راس مالو مصاري، رخيص .هذا لا يعني بتاتا أن النقود غير مهمة، ما أريد قوله هنا، أنني بفني هذا لا أبغى الربح المادي. وهذه الطريق شاقة شاقة، لكن على أحد ما أن يسلكها !! أنا وغيري من الفنانين الفلسطينيين، اخترنا هذه الطريق، التي نعمل من خلالها كل ما بوسعنا، ونقدم كل ما نملك، أفكر أحيانا، أن العمر سيمضي بي، على الأرجح، دون رؤية نتاج رسوخ هذه الأغاني، لأنها الأصعب وتثبيتها هو الأصعب، لكنني على يقين من أنها ستأخذ حقها يوما ما، وربما ستقدم يومها أكثر من أجل إبراز القضية الفلسطينية وإرجاعها الى الواجهة، جوازي الإسرائيلي، كفلسطينية مولودة ضمن حدود الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 48، جعل الأمور أصعب لبعض الوقت … لا أعتقد أن الأمور بقيت كما كانت عليه تجاه فلسطينيي ال 48، لكنها كانت عائقا لبضع سنين لن أنساه. اليوم، وبعد أن دخلتُ سوريا مرتين، ومن ثم لبنان ، والبحرين، وتونس منذ سنوات وأكثر من مرة واحدة ومصر أيضا، لا أجد أن المستحيل بقي مستحيلا !! على الفنان الفلسطيني مسؤولية كبيرة في تقديم بلده وقضيته … وقد لا يعجب الأمر بعض الفنانين، الذين يجدون في هذا عائقا أمام فنهم وتقدمه وتطوره بنظرهم، وقد يريدون الشهرة ويبغون المال كأي إنسان طبيعي يرى في الفن مكسبا ماديا، لكن على الفنان أن لا يبتعد عن هموم بلده وشعبه أيا كان. أنا لا أرى الفن بمعزل عن البلد ولا أراه بعيدا عن الناس ونبض الناس .ما أراه اليوم مهما، هو أن تحدث الناس بلغة أقرب إليهم، أن تقول لهم وأن تعني لهم، أن يتضامنوا معها، أن يحبوها، أن يبكوا معها وأن يضحكوا معها … عندما غنيت القصائد الفصحى، كان الجمهور المستهدف هو كل الناس ، لكنني لم أحظ بذلك !! فئة محددة من الناس فقط كانت مهتمة بهذا النوع من الأغاني، وعادة ما تكون هذه الفئة هي من المثقفين وأهل الأدب والفن .أنا أريد لبسطاء الناس أن يسمعوني وأن يسمعوا أغاني أيضا. لا أريد لفئة دون الأخرى أن تنصت لأغنيتي، ما أراه الآن، أن الخطاب السياسي، الفلسطيني والعربي بشكل عام، قد أطاحا بالقضية الفلسطينية، كما سيطيحون قريبا بقضايا عربية أخرى، وأننا نحمّل الفنان مسؤولية كبيرة وهمّ إضافي، بجعله في أول الصف من أجل إعادة القضية الفلسطينية الى الواجهة !!الفنان الحقيقي لن يقف مكتوف اليدين أمام أي همّ سيضاف الى هموم الأمّة العربية، وسيعمل دائما ما بوسعه من أجل الحديث عنها والوقوف مع أهل بلده وقفة واحدة غير بعيد عنهم، منهم وإليهم . ما هي الأحلام التي لا تزال تراود الفنانة ريم تلحمي؟ وهل ستحضرين لألبوم غنائي جديد في الفترة القادمة؟إن توقفت أحلامي يا عادل، سأموت!! أنا لا أصل أبدا الى خط النهاية.دائما هناك آمال أخرى تنتظر دورها. سأنهي ألبومي الجديد ‘يحملني الليل ‘ومن ثم سأبدأ بالعمل على المشروع القادم. هناك أيضا مشروع الأطفال وهو أيضا ألبوم غنائي. كما أنني ما زلت أحلم بعمل مسرحي موسيقي فلسطيني راقص !!وأيضا لدي أفكار أخرى تجاه أعمال مسرحية. واحد من أحلامي الآن، أن أقوم بجولة غنائية ومسرحية داخل فلسطين، من شمالها الى جنوبها …. الأمر وارد وغير مستحيل … المكان الصعب الوحيد هو غزة. هي المستعصاة وهي الأمل أحلم أن أقدم مشروع الأغاني هذا، يحملني الليل، في غزة … أن أعود للغناء هناك مرة أخرى، وهناك أيضا الأحلام الصغيرة جدا .. سؤال وازن يفرض نفسه على الفنان الفلسطيني ويتمثل بالخصوص في ضرورة استثمار الإرث الشعري العريق وتقديمه غنائيا على غرار تجربتك المميزة مع قصائد العملاق الراحل محمود درويش، لماذا يظل هذا التعاون محتشما؟ ومتى سينهل الفنانون الفلسطينيون من معين هؤلاء الكبار الذي لا ينضب بدل تسويق كلمات هابطة لا تخدم القضية والواقع الفلسطيني في شيء؟أولا أنا لا أقدم في أغنياتي كلمات هابطة وأعلم تماما ما تقصد حول تسويق الأغاني الهابطة التي لا تخدم القضية الفلسطينية بل تضر بها وأنا معك في ذلك، لكنها مسألة ليست بسيطة في تتبع هذه الأغاني والحد من انتشارها .ما أراهن عليه، هو الذوق الشخصي للناس، وإيمانهم بجودة الكلمة واللحن .كما أن الساحة مفتوحة للجميع … للصالح والطالح، للجيد والسيء، للجميل والقبيح وأنت تختار ما تسمع، نحن في زمن سقطت فيه الرموز وتعددت الأساليب. في بداية القرن العشرين، وضعت القوانين وغنى الكبار وكانت القصائد، وكانت معها الطقاطيق والمونولوجات والأغاني الخفيفة وأغاني الأفلام، وبموت الكبار، خلت الساحة وبدأنا على مر السنين نسمع الأغاني وقد اختلفت وتنوعت وكثُرت وأصبحت متعددة الأساليب ومتعددة التأثرات، أعتقد أن القصائد دائما هي خيار جيد، وفعلا لدينا نحن الفلسطينيين إرثا شعريا لا يستهان به، وهذا مشروع قائم بحد ذاته لم يذهب من بالي أبدا. متى سنرى ربيع فلسطين؟ ومن سيصنعه في نظرك ؟ فلسطين لم يختف منها الربيع أبدا !! تأتي أيام سوداء قاتمة، وتذهب !!أما إن كنت تتحدث عن ربيع فلسطين بصيغة الربيع العربي، فأنا لا أريد رؤية هذا الربيع بهذه الصورة، لا يمكن تجاهل دور الفلسطينيين وريادتهم في الوقوف والصمود أمام القمع والاحتلال والأسر والمصادرة والهدم والتدمير والعزل والجدار وبعدها، البناء وإعادة التأهيل والخروج من الأسر والتحرر والإضراب عن الطعام، وهذه تجارب ضخمة لإنسان، لا يمكن أبدا تجاوزها والاستهانة بها. وأعتقد أن الفلسطينيين يعطون دروسا في ذلك، إذَاً لا يمكننا ألتوق لحضور الربيع حقيقة، لأنه أصلا لم يغادر هذه الرقعة من الأرض أبدا، أنا شخصيا لا أريد رؤية الصيغة العربية من الربيع في بلدي ألان، أما من سيصنع الربيع، لو لم يكن موجودا، فنحن جميعا، كل الفلسطينيين رجالا وتساءا، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية