«سري جداً» يخلق معارك بين الفنانين السوريين

حجم الخط
0

أسوأ البرامج التلفزيونية الحوارية تلك التي يعمد المذيع لأن يكون، هو لا الضيف، بطل الحلقة، وهذا ما يفعله طوني خليفة في برنامجه «سري جداً» على قناة «الآن». المطلع وحده كفيل بتقديم هذه الصورة، فهو شريط منفصل يصور المذيع يتأمل المدينة من نافذة سيارته، يبثها قلقه وشجونه، ويعدها بأن يحمل أسئلته إلى ضيفه التلفزيوني.
هذا الإحساس العارم بالأنا في مطلع البرنامج لا يقابله عمل جاد في متن الحلقة. نتحدث هنا عن حلقة مخصصة لحوار مع الممثل السوري عبد الحكيم قطيفان، ويبدو خطأ البرنامج الأول في كونه يستضيف قطيفان كما لو كان منظّراً سياسياً أو زعيماً، وكان الأجدى النظر إليه كفنان أولاً وأخيراً، له تجربة في الاعتقال دامت تسع سنوات، وله موقفه الكبير تجاه ثورة شعبه، فكان بديهياً أن يرفع علمها في وسط مدينته درعا، التي أطلقت الثورة، ما عرّضه تالياً لمضايقات رجال الأمن وشبيحته ودفعه إلى مغادرة البلاد.
غير أن البرنامج يمرّ سريعاً على تجربة الاعتقال، كما على تجربة الفنان في العمل الإغاثي للاجئين السوريين، ليستغرق في أسئلة تحتاج إلى كاتب سياسي متمرس أو زعيم حزبي ليجيب عنها. يسأل المذيع ضيفه عن أسباب الثورات العربية ويجهد لإقناعه بأنه لم تكن سوى مؤامرات كونية. ثم يشن هجوماً لاذعاً، وهذه المرة كلبنانيّ عانى من الوصاية السورية في بلده، ولكن ليس ضد النظام، بل ضد المعارضة التي يزعم أنه كان أيام الوصاية يخشى رجالها إن انتقد النظام، هؤلاء الذين يعتبرهم المدافعين الأكثر شراسة عن النظام فيما مضى، فكيف حدث أن انقلبوا عليه!

لماذا تريدون إسقاط النظام؟

ويمضي طوني خليفة في أسئلته السياسية، لماذا تريدون إسقاط النظام؟ من أدخل المجموعات المتطرفة إلى سوريا؟ ولم يكن بإمكان قطيفان سوى أن يقع في فخ الأسئلة، ما دام قرر أن يقع في فخّ البرنامج من الأساس. سيتحول الحوار إلى مجرد سفسطة شهدناها مراراً ومللناها بين معارض صريح للنظام ومؤيد يحاول أن يتخّفى وراء أسئلة تتهم الثورة والمعارضة بالتطرف والانحياز إلى مشروع كوني يحارب سوريا.
حاول خليفة أن يحاصر ضيفه بأسئلة اتهامية جعلته في وضع غير مريح، يسأله عن علاقته بفراس طلاس، رجل الأعمال السوري ونجل وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، يقول خليفة «كيف تجمع بين عدائك للنظام وصداقتك لفراس؟»، فيصبح السؤال مدخلاً للسؤال عن الفنانين السوريين وعلاقتهم المشبوهة بالنظام. ينكر قطيفان، وهو الفنان النجم، أي علاقة سابقة مع رجال النظام وضباط أمنه. يتذكر المذيع في هذه اللحظة كيف سمح النظام للفنانين بتقديم أعمال تلفزيونية تصوّر فساد رجاله المتنفذين، وخصوصاً الدور الذي لعبه قطيفان نفسه في مسلسل «الولادة من الخاصرة» كأحد المسوؤلين الكبار الفاسدين. يصبح الدور فرصة لإدانة قطيفان واتهامه، وغض نظر النظام عن تلك الانتقادات، وعن عمل قطيفان عموماً كمعتقل سابق صار نجماً تلفزيونياً، تهمة تتطلب التبرير من قطيفان. الفنان يلمح بدوره إلى أن تلك الفسحة الانتقادية ما هي إلا إحدى طرق النظام للإيهام بالديمقراطية.
قطيفان لا يتردد في القول إن لمعظم الفنانين علاقات مع ضباط النظام، ويسمي الممثلين عابد فهد وباسم ياخور، يقول «قسم كبير من ممثلي مسلسل «الولادة من الخاصرة» قدّم اعتذاره عن هذا العمل، قسم كبير منهم على علاقة مع ضباط النظام». لكن قطيفان لا ينكر عليهم مستواهم الفني، برغم انحطاطهم على المستوى الإنساني «هناك فنانون على المستوى الإنساني فقدوا كثيراً، رغم تقدمهم على المستوى الفني».

اعتقال قطيفان وماذا فعل زيدان وسليمان

على نحو غير متوقع كان أبرز ما أثار الغبار حول حلقة «سري جداً» إنكار الفنان أن يكون أحد من زملائه الفنانين قد ساعده بعد خروجه من المعتقل في الانخراط في العمل التلفزيوني. يقول رداً على سؤال «أيمن زيدان وجمال سليمان لم يقدما لي يد العون». هذه العبارة ستكون سبباً في انفجار أيمن زيدان ليكتب على صفحته في «فيسبوك» ضد قطيفان، معتبراً أنه «نسي على الأقل أنه في فترة التسعينيات عمل كثيراً معي في «شركة الشام»، سأذكّره كأمثلة بمسلسلات «إخوة التراب» و»الطويبي» و»ليل المسافرين». وجميعنا نعلم أن معظم أعمال التلفزيون السوري الرسمي كان له فيها النصيب الاكبر».
ويضيف زيدان عبارة لعلها تفضح مأربه السياسية، أكثر مما تخفي «لست معنياً بموقفه السياسي، لكنني تعلمت من هذا اللقاء أنك عندما تكذب وتزيف الحقائق البسيطة ستجد نفسك هزيلاً ومحشوراً في الزوايا الضيقة». زيدان، وهو عضو مجلس الشعب السابق، عبر واسطة نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام، والذي يقف اليوم ضد الثورة في بلده، يبدو أنه أراد أن يردّ على خصم سياسي فاختار الحلبة الأسهل.
الممثل السوري فارس الحلو سيدخل هو الآخر على خطّ الجدل فيكتب مؤكداً كلام زميله قطيفان، قائلاً إن كان هناك من ساعده بعد الاعتقال فهم المبدعون الراحلون غسان سلمان، وعبدالله عباسي، وطلال نصر الدين.
إنها معركة صغيرة على هامش الصراع المأساوي الكبير في سوريا. ظاهرها الفن والدراما والعلاقات العامة، لكن جوهرها تلك الحرب المستمر بين النظام، ومعارضيه على الجبهات كافة.

* كاتب من اسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية