حق الأمة العربية على مجلس التعاون

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرولازال الإنسان يحار تجاه تعامل مجلس التعاون الخليجي مع دوله الاعضاء كمجموعة لها مصالح واستراتيجيات وساحات أنشطة مشتركة من جهة وكدول منفردة لها قضاياها وأهدافها ومصالحها الخاصَّة بها من جهة ثانية. وبالرَّغم من مرور ثلاثين سنة على إنشاء المجلس فان الحدود التي تفصل العام عن الخاص في المجلس لا تزال غامضة وغير مستقرَّة في ثوابت يعرفها الجميع ويلتزم بها الجميع.مناسبة طرح هذا الموضوع الشَّائك الحسّاس هو المواقف المرتبكة والمتناقضة أحياناً تجاه ما افرزته ثورات وحراكات الربيع العربي . لن نتعامل اليوم مع الأمثلة الواضحة التي يعرفها القاصي والدَّاني، من مثل المواقف الإعلامية المتضاددة من هذه الثورة أو تلك، أو التعديلات المتباعدة من هذا الرئيس المخلوع أو ذاك، أو الإندماج الكامل في آليات التدخُّلات الاستعمارية الخارجية أو رفضها، أو التَّباينات في مواقف الدَّعم بالمال والسٍّلاح وبالدبلوماسية النَّشطة الوظيفية لهذه المعارضة أو تلك، والأمثلة لاتعدُّ ولا تحصى.لكنَّنا اليوم نود إبراز موضوع نعتقد أنه من أخطر المواضيع لأنه ليس بعابر ولا مؤقَّت وإنَّما سيضرب في أعماق المستقبل وستكون له تأثيراته في الأبعاد السياسية والأمنيًّة والثقافية عبر الوطن العربي. هذا الموضوع يتعلق بصعود الإسلام السياسي في حياة مجتمعات مابعد الثورات والحراكات.إن ذلك الإسلام السياسي سيتمثَّل في نوعين مختلفين من الإيديولوجية السياسية. أحدهما يريد العيش في الماضي، والإنكفاء داخل تاريخ متخًّيل، والتعامل مع حاضر الأمة بصلابة وتزمُّت، وإعلاء للمظهر على الجوهر، والرَّفض التام لأية تعددية فقهية وثقافية وسياسية واجتماعية. وهو بذلك، بقصد أو بغير قصد، يدفع نحو التطرف والعنف والإستعمال الخاطئ لمقاصد الدٍّين الإسلامي الحق العادل المتسامح المحاور، ومن ثمً إيذاء مكانة وسمعة معتنقيه.وثانيهما بدأ يقبل الكثيرمما كان في السابق يرفضه من مبادئ معقولة في الإيديولوجيات الأخرى، ويتعامل مع العصر بعقل محاور وأخذ وعطاء، ويعرف أن التاريخ هو للإستفادة والعبر وليس للهيمنة على الحاضر والمستقبل، ويفهم الدًّين الإسلامي على أنه سيرورة قراءات متباينة بدأت ببعثة النبيٍّ المبلًّغ المجتهد العبقري صلًّى الله عليه وسلَّم ولن تنتهي إلاَّ بقيام السَّاعة. إنه تيار، وليس حركة واحدة، ينجح ويبدع في مكان ويفشل في مكان آخر، ولكنه كما يظهر يحاول أن يخرج من قوقعة التزمَّت والتخلُّف التي يريد أن يحبسه فيها البعض.امام هذا المشهد الذي ستكون له تأثيراته الكبرى على مستقبل الأمة يتساءل الإنسان: أين سيقف مجلس التعاون الخليجي بمجموعة؟ وهو سؤال بالغ الأهمية، لأنَ بعضاَ من هذا المجلس متَّهم، بدلائل كثيرة، بأنَّه وراء التبشير بالإيديولوجية السياسية للتيًّار المتزمٍّت الأول، وراء إسناد أصحابه بالمال والإعلام والتعاون القوي الخفي الذي يحرج أصحاب تيار الإيديولوجية الثانية ويزجُّ بهم في متاهات فقهية ومسلكية غوغائية، وبالتالي ينهك قواهم السياسية والتنظيمية.إن هذا البعض من هذا المجلس متَّهم بأنه يريد من خلال دعم التيًّار الأول تقويض أو تأخير إنتقال الوطن العربي إلى الديموقراطية السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية الحقيقية المبنيّة على أسس الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة وحقوق الإنسان بما فيه المرأة والتوزيع العادل للثروات وتبادل السلطة.إن مجلس التعاون يحتاج أن يتبرَّأ من هذه التُّهم وأن يؤكٍّد لأمته العربية أنه في صفٍّ التقدم والإصلاحات الكبيرة وأنه ضدَّ الظلم، ولذلك فهو يحترم الأشخاص والمؤسسات طالما يختارها الناخبون العرب بحريَّة ونزاهة، وأنه سيضع ثرواته الهائلة في خدمة تسهيل انتقال الأقطار العربية من وضعها المفجع السابق إلى وضع حداثي ديموقراطي جديد.إن مجلس التعاون يجب ويستطيع أن يفعل ذلك حتى لو أرادت بعض دوله أن لا تنتقل في الحاضر إلى الديموقراطية، وحتى لو أرادت بعض دوله تبنٍّي الايديولوجية الإسلامية المتزمٍّتة الأولى في مجتمعاتها هي.ما يجب أن يكون واضحاً هو أنه ليس من الإنصاف أن يضحَّى بتقدٌّم وتجدُّد وإصلاح المجتمعات العربية الأخرى في سبيل إنتظار قد يطول حتى تنضج بعض مجتمعات دول مجلس التعاون لتكون مهيَّأة للإلتحاق بركب التغيُّرات الكبرى التي يشهدها الوطن العربي في ربيعه الحالي.هل نطلب المستحيل عندما نطلب تغليب العقل والمصلحة القومية والقيم وروح الإسلام العادلة عند تعامل المجلس مع ربيع اخوته في العروبة والإسلام؟ فاذا كنا لا نستطيع أن نكون معينين ومسٍّهلين فلنكن على الأقل غير معيقين وغير مساندين لقوى الصٍّراعات الطائفية وأصحاب القراءات الخاطئة لرسالة السماء الإسلامية، ولقوى حرف الثورات العربية عن اهدافها الإنسانية الكبرى إلى أهداف هامشية غوغائية استبدادية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية