بعد ملف أرسله شخص مجهول الى الصحافة يزعم وجود خطة من متطرفين إسلاميين للسيطرة على مدارس عامة بريطانية انطلقت حملة إعلامية كبيرة تحت عنوان «حصان طروادة»، وأدى الضغط الإعلامي المحموم على الحكومة البريطانية إلى خلاف بين وزيري التعليم مايكل غوف ووزيرة الأمن الداخلي تيريزا ماي تبادلا فيه الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن التطرف في المدارس، كما لو أن هذه المزاعم تم إثباتها وأن الخلاف القائم هو من الملام على ذلك.
رئيس الوزراء ديفيد كاميرون تدخّل بدوره وقال ان الادعاءات بوجود هذا المخطط تثير «قلقاً عميقاً» آمراً السلطات المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة بينها القيام بعمليات تفتيش مفاجئة على المدارس التي توجه اليها الاتهامات.
وانتقلت الكرة بعد ذلك الى ملعب هيئة معايير التعليم البريطانية «اوفستيد» التي تحدثت بعد تحقيقها في أوضاع 21 مدرسة في برمينغهام، ثاني أكبر مدينة في بريطانية، عن «وجود مناخ من الخوف والترهيب» في ستّ من هذه المدارس وأن «هيئات مارست نفوذا غير مناسب طال شؤون الإدارة اليومية» فيها، كما تحدث التقرير عن بث الأذان للصلاة في ساحة احدى المدارس، واستخدام أموال احدى المدارس لتنظيم رحلة الى السعودية للطلاب المسلمين وغير ذلك من أمثلة تفصيلية لكنها، بالتأكيد، لا تتناسب مع ادعاءات وسائل الإعلام البريطانية، وخصوصاً «المتطرّفة» يمينياً منها، التي توحي بعملية سرية يقودها متطرفون إسلاميون للسيطرة على مدارس عمومية بريطانية وتحويلها الى بؤر لتنظيم القاعدة وحقن التلاميذ بأيديولوجيا الجهاد المسلح لتجهيزهم للتخرج انتحاريين وإرهابيين.
في تصوير معبر لهذه الحمى الإعلامية والسياسية غير المعهودة قال ديفيد هيوز، أحد أعضاء مجالس إدارة واحدة من هذه المدارس «إن مفتشي الهيئة أتوا الى مدارسنا بحثاً عن متطرفين وعن (إثبات وجود) الفصل بين الجنسين وعن دليل بأن أطفالنا يجبرون على تعلم الدين كجزء من مخطط إسلامي»، وأكد هيوز «هذا لا يحدث في مدارسنا مطلقاً. مدارسنا لا تتسامح مع أي شكل من أشكال التطرف أو تنشره».
أما المجلس الإسلامي البريطاني وهو يضم اكثر من 500 منظمة محلية ووطنية وجوامع ومؤسسات خيرية ومدارس فعبر عن قلقه من سلوك «اوفستد» ونتائج تقريرها، وقال ان المزاعم الخطيرة لم يتم البرهان عليها معرباً عن مخاوفه من ان التحقيقات عمقت المشكلة ولم تحلّها أبداً فالمفتشون برأي المجلس «لم يجدوا تطرّفا لكن الإهانة بقيت».
تحدث المجلس الإسلامي البريطاني أيضاً عن الاستخدام الاعتباطيّ لكلمة «تطرّف» لتشمل الممارسات الطقسية للمسلم العاديّ كما صرحت بذلك مثلا المسؤولة البريطانية السابقة عن الجاليات هيزل بليرز الى راديو 5 معتبرة ذهاب مسلم الى الجامع خمس مرات يوميا دليلاً على التطرف وأشار الى تأكيد «اوفستد» نفسها لتفوق بعض هذه المدارس علمياً قبل بدء الحملة المذكورة وهو ما يكشف عن أثر الإعلام على القرار السياسي وأثر القرار السياسي على مصداقية المعايير المستخدمة.
لا ينكر إلا متجاهل وقوع العالم الإسلامي في أزمة وجودية وفكرية كبيرة لا إمكانية للتعامي عنها، غير أن الإرتكان السهل للقوالب الجاهزة، من قبيل تحميل مسؤولية التطرّف المسلح، للإسلام نفسه، وهو حضارة شاسعة وكبيرة، وتضم ثقافات وأمماً لا تحصى، وتجريم المسلمين بالجملة، ما هما إلا وصفة لإدامة التطرّف وإعطائه مبررات إضافية للاستمرار، والدليل البسيط على ذلك هو التنامي المتعاظم لهذه التيارات لا تراجعها رغم الحلول الأمنية التي لا تقلّ تطرّفا وإرهاباً عنها.
يتحمّل المسلمون ونخبهم بالضرورة مهمّة كبيرة تقتضيهم إجراء مراجعة شاملة لأفكار المذاهب والفلسفات الإسلامية، فهي، بالنهاية، مذاهب وفلسفات تاريخيّة تأثرت بأحداث نشوء الإسلام، والصراعات على السلطة التي رافقته، وهم أيضاً مطالبون بتبني منطق العالم المرتكز على أسس الديمقراطية والمدنية والحداثة لحلّ إشكالياتهم السياسية الطاحنة وإلاّ فلا يلومون إلا أنفسهم على المآل الذي آلوا إليه.
رأي القدس