على هامش صدور الترجمة الكاملة لأعمال رامبو.. أيها المترجمون: دعوا الجهلاء يتمتعون بجهلهم

حجم الخط
0

على هامش صدور الترجمة الكاملة لأعمال رامبو.. أيها المترجمون: دعوا الجهلاء يتمتعون بجهلهم على هامش صدور الترجمة الكاملة لأعمال رامبو.. أيها المترجمون: دعوا الجهلاء يتمتعون بجهلهم محمود قرني: باعتباري من المعتاشين على نتاج مترجمينا الكبار كنافذة على الآخر، أتحدث وبلا أي فخر، كواحد من الجاهلين باللغة، لذلك أستميحكم أن تغفروا وقفتي هذه، ومن ناحيتي أعدكم، بطبيعة الحال، بأنني لن أتحدث، قط، عن الترجمة، فأنا جاهل باللغة ..نعم، لكنني لست محتالا، فقط أتوجه بحديثي الى هؤلاء الذين يتكلمون عن معارفهم اللغوية باعتبارها فوائض إلهية لا يجب أن تذهب الى سواهم، لذلك لا أجدني في حاجة الى الإنصات كتلميذ متأدب للسباب الذي يلقيه بعض مترجمينا في وجه بعضهم الآخر، ويكون ضحيته النهائية القارئ نفسه. وقد عايشنا ولازلنا نعايش عشرات المعارك المثيلة على صفحات الصحف مرة، وفي الغرف المغلقة مرات ومرات. وقد كان المبدع والمترجم الكبير الدكتور عبد الغفار مكاوي ضحية مثالية في معركة من هذا النوع نصبت رحاها في العام 1969 على صفحات مجلة ‘المجلة’، عندما كتب الراحل الكبير يحيى حقي مشيدا بترجمة مكاوي لقصيدة الشاعر العربي ‘تأبط شرا’ التي يقول في مطلعها: ‘إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل’ وذلك عن ترجمة ألمانية قام بها الشاعر الألماني غوته لهذا النص. رأى حقي أن ترجمة غوته ومكاوي أعادت قصيدة ‘تأبط شرا’ الى الحياة وكشفت الكثير من عورات الشعر العربي، لا سيما وأن جوته قام بإعادة ترتيب أبيات القصيدة فكشف عن فكرة التفكك في القصيدة الكلاسيكية، فما كان من الشيخ محمود شاكر إلا أن كتب خمس مقالات مطولة ردا على يحيى ومكاوي ، وهي المقالات التي مثلت فيما بعد قوام كتابه المهم ‘نمط صعب، ونمط مخيف’. ورغم أنني ممن يقدرون الشيخ محمود شاكر حق التقدير كواحد من أدق العارفين بأسرار التراث العربي وعلومه اللغوية، إلا أن اجتراءاته على مكاوي وترجمته لم تكن مفهومة بالمرة، لاسيما وأنها خاضت في أدق التفاصيل الفنية للشعر الألماني وحاولت الكشف عن جهل مكاوي باللغة الألمانية، وهو أمر مدهش أن يصدر من عالم لغوي تعلم الألمانية على أستاذ ألماني هو روبرت ران الذي كان يقوم، في المقابل، بتعلم العربية على يدي الشيخ . فهل كان الشيخ شاكر حقا يملك مراجعة مكاوي على هذا النحو الشائن ثم يصف ترجمته بأنها ‘بلغت غايتها من الركاكة والسقم’ بعد أن يطلب الغفران الإلهي ‘لكاتب هذا وقارئه’ فهو، في رأيه الإجمالي، ‘كلام بغير زمام ولاخطام’. في المقابل تقدم لنا تعليقات مكاوي على من سبقوه درسا مغايرا يمتح منه تلامذة يعرفون موضع الفضل، فعندما ترجم القصيدة الأشهر لـ ‘بول فاليري’ ‘المقبرة البحرية’ كتب في هامشها قائلا: اهتديت بترجمة الأستاذ شفيق مقار لهذه القصيدة العسيرة التي تعد أصعب قصائد الشعر الفرنسي الحديث على الإطلاق، وقد تكون أيضا من أعقد الشعر بوجه عام، وقد غيرت في هذه الترجمة القيمة تغييرا كبيرا ومع ذلك فإنني أدين لها بأعظم الشكر والتقدير’. صحيح أن تلك المقالات الخمس للشيخ محمود شاكر بمجلة ‘المجلة’ قدمت لنا عملا مهما أفدنا منه الكثير، لكن تظل نقيصتها نابعة من ذلك اليقين الذي أوحى للشيخ بأنه وكيل اللسان الألماني في الربوع والحواضر العربية. ولعل واقع الحال يكشف لنا، بعد مرور عشرات السنين، عمن كان يعرف الألمانية ومن كان يدعيها.وقد امتلك كاتب بقامة ‘هنري ميللر’ جرأة تفتقر ثقافتنا الى أقلها حظا وتواضعا. فميللر، ببساطته الآسرة، يعترف بأن دراسته النازفة ‘رامبو وزمن القتلة’ لم تكن إلا نتيجة إخفاق مؤكد في ترجمته لسيرة أعمال هذا العبقري ‘فصل في الجحيم’. كان ميللر يحلم بأن ينهض بعمل جليل للشعر الأمريكي ولرامبو معا، مثلما فعل بودلير مع إدغار آلان بو، ونرفال لفاووست، وموريل ولاربو لـ ‘يوليسيس’. فالمتابع لرحلة ميللر الإبداعية والحياتية سوف يدرك المدى الذي دفعه الى القول بأنه لو كان قد قرأ رامبو في وقت مبكر لما كتب حرفا واحدا مما كتب. إن ميللر يملك القدرة على الاعتراف بما هو أكثر خسرانا، فعندما سئل عن صديقه الكاتب السوريالي لويس كارول قال: ‘إنني على استعداد لأن أتنازل عن يدي اليمنى لقاء أن أكون صاحب كتاباته’. كانت مساحة التواضع تتسع أمام ميللر ليؤكد أن الشعر الأمريكي ماض الى الانقراض تحت وطأة المدنية الزائفة، وهو بحاجة ماسة الى من ينعشه. في الحقيقة لم يكن الشعر الأمريكي وحده مقصودا بعبارة ميللر لكنه الشعر في كوكبنا التعس الذي تغشته تلك المدنية، التي هي نفسها، آكلة عظام ميللر ورامبو من قبله، ولعل وصف ميللر لجحيمه في قبو منزل قذر في بروكلين يجعل من محنة الرجلين درسا إنسانيا وإبداعيا رفيعا لكل من يبحث عن ذلك الخراب الضروري، أقصد الخراب الذي يعبد الطريق الى الخلق.ورغم أن رفعت سلام مترجم هذا السفر المهيب ‘أعمال رامبو الكاملة’ ليس لديه تواضع ميللر، فلم يعترف بفشل من أي نوع، وإن اعترف بصعوبات الترجمة مع تعدد واختلاف المظان التي رجع إليها، إلا أنه، وهو المسبوق بما يقرب من ترجمات ثلاث لذلك السفر، لم يهل التراب على أعمال من سبقوه بل دعا، بتأدبه المعلوم، رفاق الدرب الى اعتبار ترجماتهم ليست القول الخاتم في مسيرة الترجمة، لكنها تتمات ومناهل ومشارب وثقافات تتكامل وتتواصل كاشفة عن مناطق شديدة التباين والاختلاف، ويضرب لنا مثالا على ذلك بترجمات عشر لقصيدة الأرض الخراب لإليوت وجميعها قابلة للقراءة والتأويل، وجميعها أيضا صالح لبناء مخيلة لا أظنها ستقض إليوت في مضجعه. ولعلني أذكر أن أكثر الترجمات التي تأثرت بها لهذا النص كانت للدكتور نبيل راغب ولازالت هي الترجمة التي تتحقق معها متعتي الكاملة، ثم وجدت من يقول إنها أردأ الترجمات العربية قاطبة. ليكن ذلك صحيحا، فما الذي سيقوله لي صاحب هذا الرأي إذا ماقلت له إنني عاينت هذا وعايشته في ترجمات رامبو المختلفة وعقدت ما استطعت من مقارنات بين ترجمة خليل الخوري الصادرة في بداية الثمانينيات وترجمة الشاعر العراقي كاظم جهاد الصادرة في النصف الثاني من التسعينيات وكذلك بعض النصوص التي ترجمها الدكتور عبد الغفار مكاوي لرامبو في مؤلفه الرائد ‘ثورة الشعر الحديث من بودلير الى العصر الحاضر’ في الستينيات من القرن الماضي، الى جوار ترجمة سلام نفسه، وأظن أن هذه الترجمات تعكس مزاج مترجميها المؤتلف أحيانا والمختلف في معظم الأحايين. فقد أحببت اللغة الثرة الغارقة في قشابتها وشعريتها وإحكامها لدى مكاوي، كما أحببت صرامة وحرفية كاظم جهاد، وأحببت تعثر الجملة العربية وشعريتها الفائضة الى حد اللجاجة لدى خوري، كما أحببت المساحة الدقيقة الفاصلة بين النص ومترجمه لدى رفعت سلام، الذي يعبر بوضوح عن منهجه في الترجمة بالقول: ‘ينبغي أن يظل النص الشعري لرامبو هو سيد الكتابة والقراءة، لازوائد أو أثقال، وإلا أطفأت كثرة التفاصيل الخارجية وهج النص الفريد’، وقد رفض سلام من البداية ‘منهج التحقيقات ومن ثم الترجمات التي تكتظ بشتى التفاصيل الببلوغرافية والهوامش والتفسيرات والشروح والتأويلات’، ورغم اختياره مرجعا يكتظ بهذه التفسيرات إلا أنه اختار ألا يكون عمله قراءة متعسفة للنص الشعري وما وراءه من تاريخ، لأنه يرى أن مثل هذا التعسف من شأنه أن يطفئ وهج الشعرية ويكون عبئا عليها وهو نمط يرى أنه تم تجاوزه في النقد الأوروبي منذ عشرات السنين حسب تعبير سلام، الذي يرى أن عمله يخرج من نطاق التحقيق الى نطاق الترجمة، ذلك في رأيه مايمنح القارئ الضروي من المعلومات ويمنحه في المقابل فرصة التأمل، وحرية التأويل دون الإلحاح بتوجيه هنا وحصار هناك. ربما بين كل هذه الترجيحات ظل رفعت سلام حائرا أمام سؤاله بل سؤال كل مترجم يستبطن نصا يتشكل بين يديه بلسان الغيرية ألا وهو: ‘كيف يمكن التوفيق بين الدقة والسلاسة، كيف يظل النص الشعري شعريا، جديرا بالانتماء الى شاعره حقا، رغم كل صعوبات الترجمة ومشاكلها، ورغم أنف ذاتية المترجم؟’، رغم أن سلام لم يدع فضلا لنفسه عبر الإضافات التي تدخل الترجمة العربية لرامبو للمرة الأولى، لذلك فإن سلام يؤكد على أن أحدا لايجب أن يزعم امتلاك الكلمة الختامية بشأن شاعر بهذه القامة، ومن هنا كان مبررا تماما أن يبدأ تقدمته بالقول ‘رامبو بعد نصف قرن .. ما أكثر الأسئلة، ما أقل الأجوبة’ فالمؤكد، كما يشير سلام في مقدمته، أن دور النشر الفرنسية تصدر كل بضعة أعوام تحقيقا جديدا لأعمال رامبو بلا اكتفاء ولا انتهاء، فأعمال رامبو، حسب تعبيره، ‘غير قابلة للنفاد أو الاستنفاد كأنها تجدد نفسها ذاتيا كلما مرت الأجيال، كلما تجددت السنوات’. وعبر تلك الروح المؤتلفة التي تقتفي أثر الأسلاف دون أن تكون أسيرة لحظوظهم ، يعيد سلام الفضل الى أهله عندما يذكر أنه لا يمكنه أن ينسى كتاب صدقي اسماعيل عن رامبو الذي نشرته دار الهلال في العام 1969 كما يذكر بالعرفان ذاته ما قدمه الدكتور عبد الغفار مكاوي في كتابه الخالد ثورة الشعر الحديث، ويؤكد سلام أن الفصل الذي قدمه مكاوي في هذا الكتاب عن رامبو ربما كان ‘أهم ماكتب عنه بالعربية حتى الآن، لذلك فهو يؤكد أن عمله لا يبدأ من الصفر ولا يضيف الى فراغ’، واتساقا مع هذه الروح المتسامحة أقول لمن يدعي امتلاكه لرامبو ولغير رامبو: دعوا الجهلاء من غير العارفين باللغة يستمتعون بجهلهم، وعلى نحو أدق: دعونا نقرأ الشاعر بأكثر من لسان وأكثر من ذائقة، فالشعر، باعتباره شاهدا على تاريخ السلالة، سيظل أكبر ممن يدعونه. هذه أعمال كاملة لسارق النار الذي أكل الشعر عظامه، ذلك ‘الغر الذي هز الدنيا من أذنيها’ كما يقول ميللر، بترجمة لواحد من شعرائنا المخلصين والمتعبدين في محراب الشعر هو رفعت سلام في مواجهة ترجمات عدة مختلفة ومؤتلفة، أحببناها ما استطعنا الى ذلك الحب سبيلا، وما هذا التعدد الذي يسعى البعض لاستئصاله سوى الحياة السرمدية للنص، تبدأ ولا تنتهي، ومع ذلك فأنا على يقين من أننا لن نعدم من يقول: وما الداعي، فأقول له ما قاله الشاعر العربي، الذي احتفى به الشيخ محمود شاكر:أبتغي إصلاح سعدي بجهدي / وهي تسعى جهدها في فسادي.التحية للشاعر الذي غير ذائقة العالم، التحية لمترجم سفره العظيم، وأخيرا تحية واجبة للهيئة المصرية العامة للكتاب التي رعت هذه الطبعة الفريدة لتكون إضافة مؤكدة للمكتبة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية